الرئيسية » باب مفتوح » الولاية القضائية العالمية هي إنصاف للضحايا وتعزيز للعدالة

الولاية القضائية العالمية هي إنصاف للضحايا وتعزيز للعدالة

بسام العيسمي. محامي سوري مقيم في النمسا

الولاية القضائية العالمية هي إنصاف للضحايا وتعزيز للعدالة

إن تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة على ما ارتكبوه من جرائم بحق السوريين يستوجب مسارات متعددة، تحد من الإفلات من العقاب، وتسهم في تحقيق العدالة.

المسار الأول:

وهو الإطار الوطني ويتحقق من خلال إنشاء جسم قضائي داخل سوريا، مستقل يتمتع بالكفاءة والخبرة، ويتصف بالنزاهة والحيادية، يُمنح صلاحية الادعاء والمحاكمة وإصدار الأحكام بحق المتهمين من أزلام النظام وكل من أرتكب جرماً على الأرض السورية.

ويمكن أن يكون إطاراً مختلط أي وطني مدعّم بخبرات قضائية وقانونية دولية. وهذا غير متوفر حالياً كون النظام وأجهزته العسكرية والأمنية هم الأكثر ضلوعاً وارتكاباً لمختلف الجرائم الواقعة على السوريين، وبطبيعة الحال لا يحاكم الجاني نفسه ولايصلح لذلك. 

المسار الثاني:

وهو المسار الدولي عبر محكمة الجنايات الدولية، ويشمل اختصاصها فقط الجرائم التي تُرتكب في الدول الأعضاء فيها والموقعة على ميثاق روما الأساسي، وهذا أيضاً غير متوفر لأن سوريا ليست طرفاً بالمعاهدة.


المسار الثالث:

أن تفوض الحكومة السورية اختصاصها لمحكمة الجنايات الدولية بملاحقة ومحاكمة المجرمين أو المشتبه بهم. وهذا غير وارد لنفس الأسباب الواردة في المسارين السابقين.

المسار الرابع:

أن يقرر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مباشرةً التحقيق من تلقاء نفسه، وهذا الإجراء مستبعد كونه يحتاج ضمناً لتوافقات سياسية إقليمية ودولية غير متوفرة في الصراع السوري. 

المسار الخامس:

إنشاء محكمة دولية خاصة بسوريا تختص بالنظر في كافة الجرائم التي اقتُرفت على أرضها، على غرار المحكمة الخاصة التي أُنشئت لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة. وهذا يحتاج لقرار من مجلس الأمن وهو غير متوفر الآن لانعدام الإرادة الدولية لوضع حد لمأساة السوريين.

المسار السادس:

ملاحقة المجرمين سنداً لمبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يرتكز ويستمد شرعيته من القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. حيث أخذت بعض الدول ومنها ألمانيا بمبدأ الولاية الممتدة هذه، وسنّت تشريعات توسّع حدود صلاحياتها بملاحقة المجرمين أو من يشتبه بارتكابهم جرائم خارج حدودها كالقتل والخطف والتعذيب والتهجير والتطهير العرقي، بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولو كان الجرم أيضاً غير واقع على حملة الجنسية الألمانية. هذا المبدأ يأتي في سياق التضامن الكوني لإحقاق الحق ومنع الإفلات من العقاب، وحرمان المجرمين من ملاذ آمن أينما كانوا.

وتعمل بهذه الولاية أيضاً عدة دول أوربية، منها النرويج وإسبانيا والنمسا والسويد تطبيقاً لمبدأ الولاية القضائية العالمية. وقد تم قبول الادعاء ومباشرته على متهمين بارتكاب جرائم قتل وتعذيب في سوريا بغالبية هذه الدول. على سبيل المثال أقام القضاء الفرنسي سابقاً الادعاء على الزعماء الراونديين ومحاكمتهم لتورطهم بجرائم حرب. وبالاتساق مع ذلك دمجت ألمانيا نظام روما المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية بنظامها القضائي وقوانينها المحلية، بما يتماشى مع معاهدة المحكمة الجنائية الدولية، مما يمنح جهازها القضائي حق الادعاء والتحقيق والملاحقة القضائية للجرائم المرتكبة خارج حدودها. 

لكن هذه الولاية ليست مطلقة بل تقديرية تحدّها بعض القيود الإجرائية، المنصوص عليها بالمادة 53 (و) من قانون الأصول المحاكمات الجنائية، والتي تُعطي سلطة تقديرية للقاضي بجواز عدم فتح التحقيق في أي جريمة مشمولة بقانون الجرائم ضد القانون الدولي إذا:

  • لم ترتكب الجريمة ضد ألماني.
  • ألا يكون المشتبه به أو بارتكاب الجريمة ألماني.
  • ألا يقيم المشتبه به أو يكون من غير المتوقع أن يقيم في ألمانيا.

ومع هذا تبقى ألمانيا الدولة السباقة من بين دول الاتحاد الأوروبي التي فتحت تحقيقاً هيكلياً له علاقة بسوريا، بدءاً من شهر أيلول لعام 2011، يغطي الجرائم التي ارتكبها جيش النظام والقوات الأمنية والأطراف الأخرى المنغمسة في الصراع السوري، وجرى التركيز بشكل خاص على الصور المسربة لـ 11 ألف ضحية ماتوا تحت التعذيب (وثائق قيصر).

والمقصود بالتحقيق الهيكلي هو: تحقيق تمهيدي شامل وموسع ليس فيه مشتبه بهم بل هو لجمع الأدلة.

كما فتحت عشرات التحقيقات ضد سوريين وعراقيين يُشتبه بارتكابهم جرائم جسيمة في بلدانهم، وصدرت بحق بعضهم أحكام قضائية بالإدانة والسجن في هذه الدعاوى. وكان آخرها الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا في مدينة شتوتغارت الألمانية بتاريخ 13 كانون الثاني/ يناير 2020 بالسجن مدى الحياة على سوري ثبت قتله لشخصين وتورطه في 17 جريمة قتل أخرى. وحكمت على ثلاثة آخرين بنفس المجموعة بالسجن لمدد مختلفة.

لقد بات من المستحيل تحقيق الأمن والسلام في سوريا دون وجود مسار فعّال ومتكامل للعدالة الإنتقالية يحول دون الإفلات من العقاب ويضمن حقوق الضحايا.

اقرأ/ي أيضاً:

من معرض صور قيصر: “العدالة هي الطريقة المثلى لتحقيق السلام، حتى لو احتاج تحقيقها إلى وقت”..

“العدالة حقّ لنا نحن السوريين جميعاً” جمانة سيف تروي قصتها لأبواب

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل نجوتَِ؟؟ عن مفهوم النجاة والهروب لدى لاجئين سوريين في ألمانيا

إعداد: سعاد عباس. رئيسة التحرير ضمن ملف هذا العدد من أبواب الذي يتناول موضوع النجاة، وفي محاولة العثور على إجابات على تساؤل قد يبدو بسيطاً “هل نجوتَِ”، أجرت أبواب لقاءاتٍ مع 47 لاجئ ولاجئة سوريين يقيمون في أماكن متعددة من ألمانيا، بعضهم يدرس أو يعمل ...