in

نصف الكوب.. الرابط العجيب

مع إعادة الفتح بعد فترة الإغلاق بسبب كورونا فرض المقهى على الزبائن ارتداء الكمامة

حنان جاد. كاتبة مصرية مقيمة في أمريكا
اكتشفت في أمريكا أن الترجمة العربية لأفلام السينما لا تتسم بالدقة. (عليك اللعنة) هي الترجمة المعتمدة للكلمة التي تبدأ بحرف الإف وتعني شيئاً مختلفاً تماماً وأكثر حسية. أحياناً تأتي تلك الشتيمة في صيغ إنكليزية أطول، مصحوبة بتفاصيل أكثر عن الشريك المحتمل في العملية، أو طريقة الأداء. أحياناً تستخدم بغرض المزاح لا أكثر، وأحياناً يستخدمها بعض الأمريكيين فقط لتوضيح موقفهم من شيء ما. في النهاية لا يمكنك أن تأخذ الشتيمة بمعناها الحرفي أو بشكل شخصي، وزن الشتيمة يساوي أثرها داخل الثقافة وداخل السياق.

في سياق عملي في مقهى دانكن دوناتس، على مدى أكثر من عام، يعبر الزبائن كثيراً عن تذمرهم على موقع يلب، يصفون جونثون العامل بالمقهى بأوصاف كثيرة لا يجرؤون على مواجهته بها، جونثون رجل أسود ضخم قادم من عالم الجريمة، ذلك الماضي منقوش (تاتو) على جسده، نقوش خاصة بعصابات شيكاغو يدركها الأمريكيون فوراً وإن لم يعرفوا بالضبط لأي عصابة ينتمي صاحب النقش. 

مع إعادة الفتح بعد فترة الإغلاق بسبب كورونا فرض المقهى على الزبائن ارتداء الكمامة. جونثون حاسم في تنفيذ القواعد، مستعد لطرد الزبائن الذين لا يمتثلون بنبرة صوت هادئة حاسمة مصحوبة بنظرة رجل العصابات، معظم الزبائن لا يجادلون، ربما يتمتمون بكلمات غير مفهومة وهم في طريقهم إلى الباب. لكن مؤخراً صار البعض ينظرون في عيني جونثون اللامبالية بشكل مخيف ويتفوهون بغضب بالكلمة التي نترجمها عادة (عليك اللعنة)، بعد ثلاثة أيام من إعادة الفتح تلقى المقهى كثيراً من البركات من الزبائن من أنصار الكمامة وكثيراً أيضاً من اللعنات من أعدائها، والكثير من النقد اللاذع على يلب، والقليل من الدخل رغم خفض الأسعار الأمر الذي دفع مديرة المقهى إلى اتخاذ قرارها بخدمة جميع الزبائن، الذين يرتدون الكمامة والذين لا يرتدونها.

جونثون لا يستطيع، في الواقع هناك سببٌ لخروجه من عالم الجريمة إلى العمل في مقهى مقابل الحد الأدنى من الأجر، رغم احتفاظه بهيئته المخيفة جونثون مريض سرطان لا يزال يخضع للعلاج الوقائي والذي يؤثر على مناعته، اثنان من أولاد عم جونثون ماتوا مع بداية انتشار الكورونا، يقول جونثون إنهما لم يتعاملا بجدية مع الأمر لكنه هو شخصياً يرتدي الكمامة طوال الوقت رغم أنه أيضاً يعاني من درجةٍ متوسطة من الربو. 

انتقل جونثون إلى العمل في مقهى آخر، صاحب المقهى هو مديره، خمسيني ومريض سكري، لا يتهاون مع الزبائن في مسألة ارتداء الكمامة، لا يهمه إن قاطعوا المقهى فهو في النهاية يحمي حياته، لكن لسبب ما، زبائن (عليك اللعنة) لا يقاطعون في صمت، يواصلون دخول المقهى والتعبير عن غضبهم جراء رفض خدمتهم دون كمامة، صاحب المقهى يفور دمه سريعاً ويطرد بعض الزبائن، لكنّ الزبائن الغاضبين يطلقون الكثير من الرذاذ مع كل شتيمة كنوع من الانتقام، صاحب المقهى يرتدي كمامة N94 وجونثون يرتدي كمامة الجراحة الزرقاء الأقل في مستوى الحماية، وكلاهما يعتمد على المسافة الفاصلة بينهما وبين الزبون الغاضب وكذلك على الحظ.

في إحدى المرات انطلقت بعض التهديدات بالقتل والحرق مع الرذاذ المتطاير من فم أحدهم، الاختصاصيون يقولون أن فيروس كورونا يمكن أن يتولد من أجزائه الصغيرة التي تتناثر في الهواء، وكذلك يفعل الخوف أيضاً، خاصة في هذه الظروف، عدوى الخوف كانت أسرع حتى من الكورونا! في اليوم التالي استدعى صاحب المقهى إحدى شركات الأمن لتركيب نظام مراقبة وإنذار سريع داخل المقهى المهدد أصلاً بالإغلاق بسبب ضعف الدخل!
أما جونثون فقد كانت لديه أيضاً فكرة لمواجهة خوفه، في اليوم التالي أحضر مسدساً صغيراً ووضعه في الدرج.

اقرأ/ي أيضاً للكاتبة:

نصف الكوب.. ما الذي سيحدث في نهاية أكتوبر ؟
هذا الفيروس.. وانتظار المؤامرة الأميركية
اسمي أبيض..

قوانين حيازة المتفجرات في ألمانيا الألعاب النارية

قوانين حيازة المتفجرات في ألمانيا.. الألعاب النارية مثالاً

بيروت بعد الانفجار تصوير محمد قليط

لأني أريد أن أموت وحيداً..