الرئيسية » باب مفتوح » سلسلة في الجنس وعن الجنس 2: في مفهوم الصحة الجنسية وتطوره عبر العصور

سلسلة في الجنس وعن الجنس 2: في مفهوم الصحة الجنسية وتطوره عبر العصور

د. بسام عويل اختصاصي علم النفس العيادي والصحة النفسية والجنسية 

 

مرَّ مفهوم الصحة الجنسية بمراحل مختلفة اختزلت معناه عبر العصور ببعض جوانب النشاط الجنسي.  ففي الثقافة الغربية الأوروبية كان لقرون عديدة مقترناً مع الكفاءة والقدرة الإنجابية تحديداً، وعدَّ النشاط الجنسي الذي لا يهدف إلى الإنجاب مرضاً أو ذنباً أو حتى جريمة.

وكان معيار الصحة الجنسية يتناغم مع قدرة الفرد، ذكراً كان أم أنثى على ضبط رغباته الجنسية ونشوته، لا بل وخلوّه منها، ومن ناحية أخرى كانت المثلية الجنسية تعدُّ انحطاطاً ومرضاً في الجهاز العصبي المركزي وبُذلت الكثير من الجهود في محاولة معالجتها.

في التصنيفات الأولى لم يتم تصنيف السلوك المثلي والاستمناء كحالة مرضية فقط، لكنه انسحب على السلوك الجنسي خارج الزواج، وشمل كذلك الجنس الفموي.

الصحة الجنسية والصحة الإنجابية

في النصف الثاني من القرن العشرين، ونتيجة للتطور الاجتماعي والطبي، ولا سيما اختراع وسائل منع الحمل، وتقبل السلوك الجنسي خارج أطر الإنجاب، وتحرير المرأة أيضاً بدأت المجتمعات تغيّر مواقفها تجاه الصحة الجنسية بإيلائها قيماً إيجابية مضافة، وظهرت فيها مفاهيم جديدة، لم تكن موجودة سابقاً كالمتعة الجنسية، والرضا الجنسي على سبيل المثال.

وقد أسهم هذا التطور في مفهوم الصحة الجنسية في إدراجه لاحقاً في وثائق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومعايير منظمة الصحة العالمية لتصبح الصحة الجنسية هي حالة من الرفاه البدني والعقلي والاجتماعي في جميع الأمور المتعلقة بعملية التناسل. أما الصحة الإنجابية فأصبحت تعني أن الناس قادرون على أن يعيشوا حياة جنسية مرضية وآمنة، وأن يلدوا أطفالاً وأن يقرروا بحرية متى وكيف. وبهذا أضحت الصحة الجنسية جزءاً من الصحة الإنجابية تستند إلى النمو الجنسي السليم ضمن علاقات شراكة متساوية ومسؤولة بين الشريكين يسِمها الرضا الجنسي والتحرر من المرض والإعاقة والفجور الجنسي والعنف، وغير ذلك من أشكال وممارسات الاعتداء الجنسي.

الصحة الجنسية في مفهومها المعاصر هي محصلة دمج الجوانب البيولوجية والعاطفية والفكرية والاجتماعية للحياة الجنسية المهمة للنمو الإيجابي للشخصية والعلاقات والحب. وقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة الجنسية بشكل منفصل عن اضطرابات الوظائف الجسمية، على أنها “حالة من العافية الجسدية والعقلية والاجتماعية والانفعالية ذات العلاقة بالجنسانية. وهي لا تعني غياب المرض أو الخلل (العطب) أو التعطيل للوظائف الجنسية. وتتطلب الصحة الجنسية تعاملا إيجابياً ونهجاً محترماً مع الجنسانية والعلاقات الجنسية يتسم بالإيجابية والاحترام، ويسمح بالحصول على المتعة وتجارب الجنس الآمنة الخالية من الإكراه والتمييز والعنف. من أجل تحقيق الصحة الجنسية والحفاظ عليها لابدّ من احترام الحقوق الجنسية للافراد.

الصحة الجنسية وحقوق الإنسان

وكانت معايير الصحة الجنسية المقترحة من منظمه الصحة العالمية، قد استندت إلى التعريف الذي وضعه المؤتمر الدولي للسكان والتنمية التابع للامم المتحدة، والذي وفقاً لفقرته الخاصة بالصحة الجنسية اعتبر الصحة الجنسية جزءاً من الصحة الإنجابية والتنمية الجنسية الصحيحة، وتضمنت كذلك علاقات الشركاء الجنسيين المتساوية والمسؤولة، وأيضاً الرضا الجنسي. كما تضمنت ضرورة خلو الصحة الجنسية من المرض  والعجز الجنسي والعنف والممارسات الضارة الأخرى المرتبطة بالحياة الجنسية.

وبالإضافة إلى الجانب المتعلّق بالصحة البيولوجية والعلاقات النفسية والاجتماعية فقد تم النهوض بالمعايير القانونية بشان الجانب النفسي الجنسي أيضاً ليتم إقرار أن الصحة الجنسية هي واحدة من حقوق الإنسان. وفي عام 2002 وضعت الجمعية العالمية لعلم الجنس إعلاناً للحقوق الجنسية ينظّم مفهوم الصحة الجنسية في مجال تنظيم القانون والآداب وينطلق من إعلان حقوق الإنسان والفهم الشامل للجنسانية بكل أبعادها، وتضمن:

  1. الحق في الحرية الجنسية: للفرد الحق في التعبير الكامل عن إمكاناته الجنسية، لكن هذا الحق يستبعد جميع أشكال الإكراه والإساءة وانتهاك قواعد القانون والاخلاق.
  2. الحق في التميز والنزاهة والأمن الجنسي: يسمح هذا القانون للأفراد التحكم بقراراتهم المستقلة المتعلقة بحياتهم الجنسية بما يتفق مع أخلاقياتهم الخاصة، والمعايير الأخلاقية في مجتمعاتهم. وهو الحق الذي يسمح بالتحكم في جسم المرء وإرضائه، باستثناء التعذيب والتشويه والعنف.
  3. الحق في الخصوصية الجنسية: يعطي الفرصة لاتخاذ قرارات فردية في الفضاء الجنسي الحميم، مؤكداً على ضرورة القيام بذلك دون انتهاك الحقوق الجنسية للآخرين.
  4. الحق في المساواة بين الجنسين: ويعني التحرر من جميع أشكال التمييز بالنسبة للنوع أو الجنس أو الدين أو الميول الجنسية أو السن أو الطبقة الاجتماعية أو العرق أو الإعاقة.
  5. الحق في المتعة الجنسية التي هي مصدر الرفاه البدني والنفسي والفكري والروحي.
  6. الحق في التعبير العاطفي: لدى الناس الحق في التعبير عن جنسانيتهم والمشاعر المرتبطة بها أثناء التواصل، ومن خلال الإيماءات واللمس.
  7. الحق في حرية التواصل الجنسي: وهو ينطوي على الحق بإقامة علاقة جنسية قائمة على الحس بالمسؤولية.
  8. الحق في اتخاذ القرارات الحرة والمسؤولة عن الإنجاب: للإنسان الحق في أن يقرر بحرية إذا ما كان يرغب بالنسل وعدد الأطفال التي يرغب بهم. وله أيضاً الحق في الوصول الكامل إلى تدابير ضبط ومراقبة الخصوبة.
  9. الحق في الحصول على المعلومات استناداً إلى الأبحاث العلمية: الوصول إلى المعلومات الواردة في البحوث التي تجرى وفقا للأخلاقيات العلمية.
  10. الحق في الحصول على التعليم الجنسي الشامل: على جميع المؤسسات الاجتماعية الاشتراك في تقديمها لا المدرسة فقط، لأنها عملية مستمرة مدى الحياة.
  11. الحق في الحصول على الرعاية الصحية الجنسية التي تهدف إلى معالجة جميع المشاكل والأمراض والاضطرابات الجنسية، والعمل على منع حدوثها.

خاص أبواب

 

اقرأ أيضاً للدكتور بسام عويل:

سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات -الجزء الأول-

عيادة أونلاين للاستشارات النفسية والجنسية

الجنسانية كموضوع للعنف، وانعكاسات اللجوء على الصحة النفسية والجنسية 2

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كريم بنزيما… رئيس الحكومة في ريال مدريد

غالباً عند قراءتك للعنوان ستصاب بالذهول، أو ربما تنفجر من الضحك، أو ينزل عليك حس الفكاهة ويتحوّل الموضوع لسخرية على صاحب هذه الجملة. مع قربنا من الميركاتو سواء شتوي كان أم صيفي، يدور السؤال التالي في أذهان مشجعي ريال مدريد: “لماذا لا نسمع أي شيء ...