الرئيسية » باب مفتوح » سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات 10: أزمة الذكورة الجنسية وتفاعلاتها الجنسانية الاجتماعية – الجزء الثاني

سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات 10: أزمة الذكورة الجنسية وتفاعلاتها الجنسانية الاجتماعية – الجزء الثاني

د. بسام عويل اختصاصي علم النفس العيادي والصحة النفسية والجنسية

في ظل التغيرات الاجتماعية التي طرأت على تنظيم الحياة الاقتصادية في العقود الخمسة الماضية، جراء التوزيع الجديد للأدوار الاجتماعية الذي فرضه النظام الإنتاجي الحديث، وما رافقها من مسيرة تحرر المرأة وتعلمها، ودخولها سوق العمل ومنافستها للرجل، وانتشار وسائل تنظيم الحمل، واشتداد أزمة البطالة بين الذكور، وأزمة السكن، والسيطرة المتنامية للإعلام، بدأ الدور الذكوري الثقافي التقليدي بالانحسار في مكانته في البنية التنظيمية الاجتماعية الأبوية في الأسرة والمجتمع ككل.

أفرزت هذه الحالة السيكواجتماعية والجنسية الجديدة التي نتجت عن تفكيك العلاقة الثنائية التقليدية، تحدياتٍ يعيشها الذكور والإناث على حدٍ سواء، تتعلق بماهية العلاقة الجنسية ودور كل من الذكر والأنثى فيها. فالأنثى بالرغم من كل المكاسب التي حققتها على صعيد استقلاليتها الاقتصادية، مازالت تريد الاحتفاظ للذكر بدوره في حياتها، فهي بحاجة له كعشيق وشريك وأب لأطفالها، ولكن بالطبع وفق تنظيم جديد للعلاقة الأنثوية الذكورية بينها وبينه، لا تسمح فيها له باختزال شخصيتها ومكانتها الاجتماعية فقط لتفوقه الذكري. الأنثى في عالمنا المعاصر ترنو إلى علاقة متكافئة مع الذكر تستطيع، من خلالها، التّمتّع بأنوثتها سواء على الصعيد العاطفي أو الجنسي أو الأسري. 

لكن الواقع الجديد للثقافة الذكورية القضيبية المهزومة أفرز أيضاً مكاسب للكثير من الذكور. وحررتهم من عبء الدور الذكوري التقليدي المفروض عليهم المُتَمثل بالرجولة والفحولة، بغض النظر عن الأخذ بالحسبان سماتهم وخصائصهم الشخصية والجنسانية. وفتح الواقع الجديد أمامهم فضاءات جديدة للتعبير عن هوياتهم الحقيقية، وميولهم واتجاهاتهم الجنسية، بعيداً عن سلطة المجتمع الذكوري التي لم تكن لتعترف بوجود هذه السمات أو تسمح بإبرازها وحسب، لا بل وكانت تُعاقب الذكور على إظهارهم لها في سلوكياتهم الاجتماعية والجنسية.

وبالنتيجة، وبالرغم من بقاء التنظيم الجنسي للعلاقات الذكورية الأنثوية على ما كان عليه، وإن شكلياً ظاهرياً في الكثير من المجتمعات، ومنها العربية أيضاً، إلا أننا أمام تغيير ملحوظ على مستوى السلوك الجنسي الفردي للذكور والإناث، وكذلك على مستوى أطر هذا السلوك ومحدداته الاجتماعية.

السمة الأساسية لهذا التغيير هو الانفتاحية والتسامحية، وإن كانت محدودة بما يخص الأدوار الجنسية واستحقاقاتها، ونتائجها الاجتماعية. 

وكان لتأثير ثورة الاتصالات التي طالت كل مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، دورها في إحداث التغيرات العميقة في السلوكيات والعلاقات الجنسية، وربما ساعدت كثيراً في امتصاص الهزات العميقة التي أنتجتها الأزمة الذكورية ونتائجها، عبر تحويل الاهتمام عنها لينصبَّ على الاستهلاك الجنسي الفردي التعويضي الذي توفره للجميع. كما أنها أوجدت حلاً للذكورية المهزومة في إنقاذها لعنصر الفحولة دون الرجولة، وهو نوع يعدُّه الكثير من الذكور نوعاً من جائزة الترضية عن الخسائر التي مُنيوا بها بفعل التغيرات الحضارية.

كل هذه العوامل مجتمعة وإن كانت بدرجات تأثير متفاوتة طبعاً، أدت إلى بداية ظهور نماذج جديدة للعلاقات الجنسية المنفتحة غير المُؤطّرة اجتماعياً ومؤسساتياً، وقد بدأت تستحوذ تدريجياً على القبول الضمني لها والتفهم والتبرير في المجتمع من ناحية، وتحاول الالتفاف على التصادم مع البنى الثقافية التقليدية والدينية، بإيجادها بعض المخارج “الشرعية” لشرعنتها من ناحية أخرى، كزواج المسيار والمسفار، والزواج العرفي، وزواج المتعة وغيرها. 

إلا أنَّ هذه النماذج لأسباب اجتماعية واقتصادية متنوعة ومتعددة، لم تستطع استيعاب الانفلات الواسع للجنسانية بتحررها عن ثنائيتها القطبية التقليدية ومحدداتها الثقافية الذكورية الصارمة، ما فتح المجال واسعاً لظهور العلاقات الجنسية الافتراضية والواقعية، بما فيها العلاقات الجنسية المثلية، بعيداً عن أيِّ حاجة ماسة للأطراف المشاركة فيها لمأسستها اجتماعياً. 

ومع غياب الأبحاث الميدانية الاستقصائية الحديثة، التي من شأنها إعطاء البيانات الحقيقية عن حجم ونوع هذه السلوكيات في مجتمعاتنا العربية، إلا أن متابعة سريعة للمواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت والكم الهائل للمشاركين الفاعلين والمتابعين لمواقع التعارف الجنسية يجعلنا نتلمّس وسع انتشار هذه الظاهرة بين الشباب العربي من المحيط إلى الخليج.

كما أنه من السهل بناءً على الخبرات العيادية الجنسية استنتاج الانتشار الواسع للعلاقات الجنسية الغيريّة والمثليّة الواقعية في البلدان العربية جهاراً أو خفية، وتنوع الممارسات الجنسية فيها، إن كانت اتصالات جنسية كاملة، أو بديلة للحفاظ على “عذرية” الفتيات، كالممارسات الجنسية الاحتكاكية الخارجية، أو الممارسات الجنسية الفموية أو شبيهتها الشرجية. 

كل ذلك يجري بالطبع في جو مشحون من الإشكالات الدينية، والاجتماعية، وكذلك القانونية التي مازالت تُحرّم مثل هذه العلاقات والممارسات خارج الأطر الشرعية المؤسساتية، وفي الوقت نفسه نجدها تتم في جو من المرونة الاجتماعية الذي يحاول قبول منطق الأمر الواقع الذي فرضته المتغيرات الحضارية والاجتماعية، وخاصة في ظروف عدم الاستقرار الاجتماعي الذي تعيشه الكثير من البلدان بفعل ثورات الربيع العربي ومآلاتها، التي أنتجت ظاهرة التهجير، والاغتراب، والاعتقال، والترمُّل وفَقْد المُعيل واليتم، وقبل كل شيء ظاهرة تمرد جيل الشباب على البنى الاجتماعية التقليدية، وغياب دور مؤسسات الدولة.

مواد أخرى ضمن سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات:

سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات 9: أزمة الذكورة الجنسية وتفاعلاتها الجنسانية الاجتماعية – الجزء الأول

سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات 8: كيف نحافظ على جذوة الرغبة الجنسية مع الشريك متقدة

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجلة فشل: قصص مصورة ناقدة للواقع السياسي والاجتماعي في المنطقة العربية

مجلة فشل هي مجلة كوميكس (قصص مصورة) سياسية اجتماعية ناقدة مستقلة. تعنى بالشأن العربي والشرق الأوسطي والسياسات الدولية المتعلقة بهما، وتدعم قضايا الثورات العربية ومطالبها في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والمرأة والطفل. تناولت مجلة فشل بشكلٍ أساسي الوضع في سوريا وطرحت مشاكل وأحداث ...