الرئيسية » باب العالم » “عن الآباء والأبناء”.. من وراء خطوط العدو إلى الأوسكار
مشهدمن الفيلم الوثائقي "عن الآباء والأبناء"

“عن الآباء والأبناء”.. من وراء خطوط العدو إلى الأوسكار

الفيلم السوري “Of Fathers and Sons \ عن الآباء والأبناء” في طريقه إلى الأوسكار. من ذلك المكان الذي يكتفي العالم المتحضر بهجائه أو بخشيته جاء المخرج السوري طلال ديركي حاملاً حصيلة شبه حياةٍ أمضاها في عقر دارهم.. هم أولئك الساعين إلى دار الخلافة أو إلى جنتهم الموعودة.

في ريف إدلب الخاضعة لسلطةٍ تعددت تسمياتها تنظيم القاعدة \ جبهة النصرة \ ولاحقاً هيئة تحرير الشام، وبعيداً عن البروباغاندا بشطريها، دخل طلال ديركي الحياة اليومية لعائلة أحد المجاهدين كمصورٍ مناصرٍ لهم، فشاركها حياتها، صَلاتها، يومياتها، لعب مع أبنائها ولاشك أنه أحبهم وإلا لما استطاع أولاً أن ينجو من الخطف أو القتل وثانياً أن يأتي بفيلم بهذا العمق والإنسانية. فانسياب الأحداث، رقة الوجوه وصدق المشاعر لا يمكن أن تعكسه كاميرا بهذا القرب من الشخصيات إلا إذا سمحوا لها أن تصبح جزءاً من عالمهم.

أبو أسامة هو “جهادي” بكل معنى الكلمة، إنسان بسيط قد يكون طيباً في الصميم كما توحي بعض المشاهد، ذو عقيدة لا مجال لزحزحتها، ساعٍ للموت في سبيل “الخلافة” حلم الأمة الإسلامية، رب عائلةٍ محبّ لم نرَ منها سوى أبنائها الذكور الذين يعدّهم لحمل لواء الجهاد المقدس. يبدو أبو أسامة غير آبهٍ بالموت، يقاتل، ينزع الألغام، يصنع المفخخات، ويلعب مع أبنائه بالبساطة ذاتها.

ينفجر أحد الألغام أثناء قيام أبي أسامة بتفكيكه متسبباً ببتر ساقه اليسرى، لن يستطيع الرجل بعدها إخفاء الحسرة عن الكاميرا التي تلتقط أيضاً كم الرعب الهائل والحزن في وجه أسامة إذ يرى والده محمولاً إلى المنزل مضرجاً بدمائه، بأية حال سيتابع الأب شكره وحمده لله الذي حفظ ساقه اليمنى، وسيتابع الحياة ذاتها بنفس البساطة وبلا ذرة شك ولكن بإمكانياتٍ أقل.

أبناء أبي أسامة يحملون أقدارهم في أسمائهم فقد سمى أحدهم تيمناً بأسامة بن لادن والآخر تيمناً بأيمن الظواهري، ولاشك أن تربيتهم وإخوتهم قائمة على كل ما ينضح به الفكر السلفي النموذجي، فهم مشروع مجاهدين يزج بهم الوالد في المعركةٍ التي لاشك آتية، سواء من خلال تعريفهم بالشرع والدين والله حسبما يعرفهم أو من خلال ألعاب طفولتهم التي بلغت حدّ تصنيع قنبلة أو ذبح عصفور بالتوازي مع صيحات التكبير، ولاشك أن عنفاً كهذا مبرر، فلا شيء آخر في ذاكرة أو بيئة هؤلاء الأطفال الذين تفتحت أعينهم على قسوة الحرب.، حتى القصف لا يثير لديهم الخوف المتوقع فهو من طبيعة الحياة كما يعرفونها.

كبر أسامة الإبن في هذا الفيلم، وتحول أمام أعيننا من طفلٍ إلى مقاتل يحف غبار الرصاص المتطاير بجسده الضئيل وبشرته الهشة بعد أن أرسله والده إلى معسكر التدريب. بينما يركز المخرج على تطورٍ مخالف لدى الشقيق أيمن الذي لا ينال رضا المسؤولين في المعسكر مشيراً إلى عدم ميله إلى القتال وتفضيله للتعلم والمدرسة، لعل هذا يكون خياراً قابلاً للتطبيق.

على مدى عامين ونصف عمل ديركي مع مدير تصويره قحطان حسون على حافة خطرٍ يومي، وسافر ما بين برلين وسوريا ليعمل على صنع فيلمه فكانت الحصيلة 300 ساعة تصوير، تمكن بعدها وباستخدام خبرة مونتاج رائعة من إخراج فيلمٍ توثيقيّ من مئة دقيقة فقط وعلى مستوى فنيٍّ عال لا يعوّل فقط على الخطر والمغامرة، بل ينقل بكل حساسية العالم الداخلي لمجتمع المجاهدين وكيف ينفث الآباء في أبنائهم ما تجرعوه من عقائد، وينجح الفيلم رغم أن أبطاله “الأبناء” هم استمرار للمشروع الجهادي لآبائهم، في تجنب الأحكام المطلقة متيحاً للمشاهد أن يتعاطف مع الأبناء كضحايا.. وحيناً حتى مع الأب.

يجدر بالذكرأن هذا التوثيق النفسي يمكن أن ينسحب على الأوساط المتشددة في بلدانٍ أخرى وليس سوريا وحسب. مع التأكيد على أن الفيلم يتناول وحشية الحرب في هذه الأوساط وحسب ولا يحاول الإحاطة بالقضية السورية، أو اختزالها إلى متشددين وإرهابيين على حساب الثورة.

حظوظ فيلم “عن الآباء والأبناء” في الأوسكار عالية، بعد أن نال جوائز أخرى كثيرة أهمها جائزة أفضل وثائقي من مهرجان صن دانس 2018 ونجمة مهرجان الجونة لأفضل فيلم عربي طويل، والنجمة الفضية لأفضل فيلم وثائقي طويل. يُذكر أن تجربة ديركي في قلب الخطر في إدلب ليست الأولى، فقد عاش تجربةً أخرى قريباً من الموت في فيلمه “العودة إلى حمص 2013، والذي حصد أيضاً جوائز عدة أهمها صندانس 2014.

طلال ديركي

من مواليد دمشق 1977. خرّيج «معهد ستافراكوس العالي لفنون السينما والتلفزيون» 2003 في أثينا.

أعماله:

مرحباً دمشق وداعاً دمشق 2003

رتل كامل من الأشجار 2005

بطل البحار 2010

العودة إلى حمص 2013

قصيدة إلى ليسبوس 2016

عن الآباء والأبناء2017

 

إقرأ/ي أيضاً:

 في “طعم الإسمنت”: بيروت.. بحرٌ إسمنتي، واستراحةٌ بين حربين، وحظر تجول دائم

“ذاكرة باللون الخاكي”.. فيلمٌ عن الخسارات والغضب

آخر الرجال في حلب.. أول فيلم سوري يترشح للأوسكار

سعاد عباس

رئيسة التحرير

عن سعاد عباس

سعاد عباس
رئيسة التحرير
x

‎قد يُعجبك أيضاً

صعود حزب الخضر، قراءة سريعة لمستقبل محتمل لألمانيا

د. هاني حرب : باحث ومحاضر في جامعة هارفرد – USA / مؤسس وأمين سر الجمعية الألمانية – السورية للبحث العلمي – ألمانيا حقق حزب الخضر في ألمانيا صعوداً هائلاً حتى تجاوز الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم في قوته، ونال بحسب استطلاعات الرأي في الأسابيع الماضية ...