الرئيسية » بابها » دعوة “للفضفضة” ولحكايا القلوب في الموسم العربي
تصوير سعاد عباس

دعوة “للفضفضة” ولحكايا القلوب في الموسم العربي

سعاد عبّاس – برلين

 

 

“فضفضة هي مشروع حياتي” هي الجملة الأولى التي بدأت بها الباحثة المسرحية المصرية الأصل الدكتورة مروة مهدي عبيدو حديثها، عند سؤالها عن ورشة “فضفضة”، وهي واحدة من مجموعة مشاريع فنية متنوعة بدأتها مؤخرًا، في إطار برنامج الموسم العربي 2017، الذي تنظمه وتديره في مؤسسة ورشة الثقافات –فيركشتات دير كولتورن (Werkstatt Der Kulturen) في برلين، احتفاءً بالتنوع الثقافي ودعمًا للفنانين العرب في ألمانيا.

 

وبحسب ما جاء في صفحة التعريف بالمشروع، فإن فكرة جلسات “الفضفضة” وكما يوحي عنوانها تقوم على إتاحة الفرصة للسيدات العرب في برلين، للتعبير عن أنفسهن بلغتهن الأم بمساعدة أدوات فنية مختلفة، خلال لقاء أسبوعي، يهدف الى مساعدة النساء على الهروب من الضغوط الحياتية، لاستعادة أنفسهن وأحلامِهن، التي ربما نسينها في غمرة الهرب والحرب والغربة. وتهدف الورشة عمومًا إلى فتح مساحة للنساء العربيات، للحديث عن أنفسهن وحياتهن في ألمانيا، وتسليحهن لمواجهة العنصرية.

 

 

عودة بعد النجاح الأول

بدأت ورشة “فضفضة” العام الماضي في دورتها الأولى، وهي فكرة الدكتورة عبيدو، التي قامت أيضًا بإدارتها وتنفيذها، واعتمدت التجربة الأولى في شكلها النهائي على مسرحة الحكي، لإيصال صوت السيدات العربيات إلى مسامع المجتمع الألماني، من خلال عرض مسرحي تحت عنوان “لسنا أرقاما”، والذي قدم على خشبة مسرح ورشة الثقافات في الصيف الفائت. وإثر نجاح المشروع في تحقيق هدفه، جاءت ورشة فضفضة في دورتها الثانية هذا العام.

 

 

تقول د. عبيدو إن العمل مع النساء اللاجئات في الورشة، قد غير تصورها عن العالم، وفتح لها أفاقا واسعة، لفهم مجريات الأمور. وتستطرد إنها لطالما قرأت عن الحرب، والوضع في سوريا حيث تمتلئ الجرائد بكلمات مثل الضحايا، المعارضة، النزاع، الاضطرابات … وكلمات كثيرة أخرى، ولكن دون أن يكون لديها صور ذهنية عنها، لأنها لم تعش حربًا من قبل، ولذلك من الطبيعي أن يفقد الكلام معناه بعد فترة ليصبح مجرد جرس نسمعه دون أي أبعاد، إلا أن تواصلها مع النساء اللواتي عشن هذه الكلمات كوقائع أعطى الكلام معنى مختلف، فبدأت ترتسم المشاهد أمام عينيها.

هدف عرض “لسنا أرقاما” الذي جاء كنتاج أدائي \performance\ لورشة الحكي إلى توصيل صوت النساء العربيات القادمات إلى ألمانيا ليغير من تصور المجتمع الألماني عن القادمين الجدد، كي يراهم المشاهد كأناس مثله، وليس مجرد أرقام على ورق، ليحس بهم كبشر ويدرك ما مروا به من تجارب، ومن ثم يعي الخلفيات التي دفعتهم للهرب، بحثًا عن مساحة للحياة.

 

 

التقت أبواب بالدكتورة عبيدو، التي تحدثت عن تجربتها في الورشة السابقة وكيف غيرت حياتها وحياة النساء المشاركات وساعدتهن على رؤية العالم بشكل مختلف، كما وجهت دعوة للنساء في برلين للمشاركة وخوض هذه التجربة.

 

  • كثيرةٌ هي المشاريع الموجهة للنساء، فلماذا استطاعت ورشة فضفضة أن تجذب السيدات للمشاركة؟

ورشة فضفضة هي في الأصل مساحة للنساء العربيات لممارسة الحرية والبوح. حيث لا تحمّل الورشة النساء أي متطلبات ضاغطة، ما نقوله لكل امرأة هنا في برلين: تعالي وقولي ما يحلو لكِ وابني قصتك كما يحلو لك، هذه المساحة متاحة ومفتوحة لكِ بحرية كاملة. نحن نمنح أنفسنا ساعتين فقط في الأسبوع بعيدًا عن روتيننا اليومي نلتقي لنتكلم ببساطة عن كل شيء.

بالطبع قد يصعب على النساء القيام بالخطوة الأولى، فالإنسان بطبعه يفضل اللجوء إلى منطقة الراحة والتجاهل والنسيان، والضغط اليومي الذي يعانيه القادمون الجدد بالطبع أكثر قسوةً، بدءًا مما تحمله الذاكرة من آلام، ثم الفقدان والتهجير والغربة، وصولاً إلى كل ما هم مطالبون بفعله هنا من تعلم االلغة وفهم طبيعة الحياة المختلفة والتعايش مع كل التغيرات ولاسيما اختلاف التقاليد بالإضافة إلى متابعة الإجراءات البيروقراطية… الخ. وربما ما يجعل معاناة المرأة أصعب هو أنها غالبًا ما تنظر إلى يومها لتجده مليئًا، فتقول ليس لدي مساحة، لا أستطيع، لا وقت.. لكنّ كل ما تحتاجه معنا هو ساعتين فقط تدين بهما لنفسها مرة أسبوعيًا.

 

 

  • كيف بدأت فكرة مشروع ورشة الحكي مع النساء؟

حين كنت أعطي دروسًا للنساء في اللغة الألمانية، اكتشفت فجأة أنني أصبحت بالنسبة إليهن شخصًا مهمًا فقط لأنني أتكلم لغتهن. واكتشفت احتياجهن القوي للحكي، بعد ما مررن به من تجارب قاسية، وحاجتهن لمن يسمعهن بعيدًا عن مطالبتهن للتو بتعلم اللغة والاندماج والبحث عن عمل. ومن هنا جاءت الفكرة وطلبت أن نقدم ورشة حكي للنساء دون أن يكون لدي أي خطة بل تركنا الكلام ليأخذنا حيث شاء.

 

  • كيف تم اختيار النساء المشاركات في الورشة؟

لم أختر النساء المشاركات بل قامت مجموعة النساء المشاركات ببناء نفسها بتناغم داخلي لا قواعد مسبقة له، انضمت الكثيرات وغادرن، سوريات، فلسطينيات، وعراقيات من مختلف الأعمار، وتوالت الحكايا كبذرة كبرت لوحدها، فتشاركنا قصص حياتنا وطفولتنا وتجاربنا. ومع انتهاء الورشة اتفقنا جميعًا أن نقدمها للمجتمع هنا. وبدأت بعد ذلك تحديات جديدة أمام النساء: كيف سنقف على المسرح؟ كيف سنحكي؟ وبدأنا نكتب قصصنا، ثم رتبناها لتتوالى كقصص متتالية، لتأتي كل قصة لتكمل السابقة، ومن كل هذا العمل المشترك والشغف، انطلقت الرسالة التي نريد إيصالها للناس، وهي أننا لسنا أرقاما، بل بشر، بآمالنا وآلامنا وأحلامنا.

 

 

SONY DSC

 

  • السيدات المشاركات لسن محترفات فكيف تمكنتنّ من تقديم القصص بشكل عرض مسرحي؟

لم يكن هدفنا تقديم عمل مسرحي يراعي قواعد المسرح المتعارف عليها، وإنما استخدمنا الخشبة كأداة واستخدمنا جوهر فكرة المسرح التي تحقق اللقاء المباشر مع المتلقي/الجمهور.

قمنا معًا بترجمة حكاياتنا للألمانية، وأدخلنا موسيقا وأغانٍ من اختيار النساء، وقام فريق متكامل بالعمل معنا بشكل تطوعي، مدرب الموسيقا، المغنية، مصممة الديكور، مسؤول الفيديوهات، الجميع تطوع لإنجاح العمل إيمانًا منهم بالفكرة. ومن ثم وجهنا الدعوات لحضور العرض إلى المؤسسات والمهتمين بقضايا اللاجئين ولم يقدم العرض للعموم استجابةً لرغبة المشاركات. وكما في جلسات النساء والمتة والشاي والحلويات السورية استقبلت النساء الضيوف/المدعوين وقدمن لهم الضيافة بحميمية تشبه بيوتنا وحياتنا اليومية.

 

  • كيف تم اختيار عنوان العرض السابق “لسنا أرقامًا”؟

جاء العنوان انعكاسًا للجدل الدائر بين الناس آنذاك، سواء المرحبين أو الرافضين للاجئين، حيث كان التركيز على أعداد الواصلين، دون الانتباه إلى أن هذه الأعداد هي لـ”بني آدمين” أناس كانت لهم حيوات وتجارب وأحلام وليسوا أرقامًا في جداول الإحصاء. وبالطبع جاءت المشاكل العنصرية حينها كرد فعل طبيعي مع تصاعد أصوات التطرف اليميني. والرسالة التي أردت إيصالها مع النساء المشاركات، أنه لو حاول هذا الألماني أن يتعرف على أي منا كإنسان ربما تتوقف العنصرية، أردنا أن نقول: “ربما لو عرفتني كإنسان وأزحت الرقم من فوقي، ستعرف أنني لست غريبةً عنك”.

الآن اختلف تداول قضايا اللاجئين هنا، وأصبح مرتبطًا أكثر بمسائل الاندماج والمستقبل والتوقعات المرتقبة لاسيما مع تغير الأوضاع السياسية في البلاد.

 

  • لم قررتِ تكرار التجربة للعام الثاني بدل تقديم مشروع مختلف؟

نجاح التجربة هو السبب، فكما ساعدتني هذه التجربة وساعدت النساء المشاركات وغيرت حياتنا، أردت أن أساعد أخريات مررن بقصص وتجارب مختلفة. كل امرأة مشاركة في المشروع استطاعت أن تحصل على فرصتها للتواصل ومساحتها للتعبير عن مشاعرها تجاه قسوة تجربتها وتقدم قصتها للجمهور الألماني، فعاشت تجربة الخشبة ورأت حكايتها وهي تصل للآخر بعيدًا عن الحواجز الكثيرة مع المجتمع الجديد. من جهة أخرى ورغم أن القصص شخصية، لكنها موجهة للمجتمع المضيف ليعرف من نحن، وليصله صوت القادمين الجدد، بعيدًا عن أبواق وسائل الإعلام المعلبة، ومن ثم كشف الخلفيات الإنسانية لعناوين الجرائد، وفتح زاوية الرؤية ومن ثم مساحة التواصل بيننا.

ولا بد من الإشارة إلى أن الداعم الأول لفكرة المشروع هو فيركشتات دير كولتورن (Werkstatt Der Kulturen)، وهي التي قدمت المكان والأدوات لتنفيذه، وجاء دعمه مرة أخرى هذا العام إيمانًا بأهميته وبنجاحه.

 

  • هل سيحمل المشروع هذا العام نفس السيرورة؟

ليس بالضرورة، هذا مشروع حكي مفتوح بغض النظر عن الشكل النهائي (العرض)، بدأ وكبر مع السيدات وقد تتغير صورته النهائية وتتطور في كل مرة بحسب رغبتهن وحريتهن وحاجتهن. وقد يحصل هذا العام أيضًا خروج من الخاص للعام، وقد لا يحدث.

 

 

في ختام اللقاء، أكدت الدكتورة مروة أن المشروع الذي بدأ في 21 أبريل/نيسان وسيستمر حتى أواخر العام، مازال بابه مفتوحًا للانضمام، كما دعت السيدات الراغبات في المشاركة في الفضفضة إلى التواصل معها:

[email protected]

مكان الورشة: فيركشتات دير كولتورن، قرب هيرمان بلاتز،  Wissmannstraße 32, 12049 Berlin

موعد الورشة: يوم الجمعة من كل أسبوع في تمام الساعة الثالثة ظهرًا.

يمكن الاطلاع على معلومات أوسع عن ورشة فضفضة وباقي برامج الموسم العربي من خلال الموقع الإلكتروني

وعلى صفحة الفيس بوك

 

 

 

 

 

 

 

مواضيع ذات صلة:

كورال حنين.. الغناء كفعل مقاومة للموت

مدونة المرأة: جدران لا تسند

 

 

سعاد عباس
رئيسة التحرير

عن سعاد عباس

سعاد عباس
رئيسة التحرير
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لاجئات سوريات بعرض البيع تحت مسمى الزواج

تناولت صحيفة صانداي تايمز البريطانية، تفشي ظاهرة تزويج فتيات سوريات لاجئات في تركيا لرجال أتراك. وكيف أن هذا الأمر تخطى إطار الزواج الحقيقي ليصبح شكلاً من أشكال “البيع والشراء” لمعظم أولئك الفتيات التعيسات. وذكرت الصحفية لويز كالهان، في تقريرها من مدينة غازي عنتاب التي تقع ...