in

زاوية حديث سوري: ما بين أبو عصام وأبو نابليون

يكتبها بطرس المعري*

قبل بضعة أسابيع وفي مقابلة إذاعية بثتها إحدى المحطات الخاصة بدمشق، أطلق الممثل السوري “عباس النوري” هجوماً عنيفاً على واحدة من أشهر الشخصيات في التاريخ الإسلامي في الشرق والغرب وهو “صلاح الدين الأيوبي”، حيث قال “النوري” إن “صلاح الدين الأيوبي كذبة كبيرة عايشة بنص الشام”، مشيراً إلى تمثاله الموجود قرب قلعة دمشق، وأردف: “ظهر الاهتمام به في تاريخنا الحديث لأننا بحاجة إلى مخلّص”.

لم يكن النوري أول من يتجرأ على انتقاد “صلاح الدين” مؤخراً، فقبل سنة ونيف قال الكاتب المصري “يوسف زيدان” في مقابلة تلفزيونية إن صلاح الدين “من أحقر الشخصيات في التاريخ”، وقد ردد “النوري” تقريباً ما ساقه “زيدان” من تبريرات لتقزيم مكانة القائد التاريخي ودوره في استعادة القدس، فهو قد “عقد مع الصليبيين صلحاً ولم يحرر القدس”، كما أن الهالة الكبيرة التي أخذها، ودائماً برأي زيدان وقد ساقها النوري في حديثه أيضاً، هي من صنع آلة الحكم في مصر قبل بضعة عقود، التي دعمت مسلسلات وأفلاماً كفيلم الناصر صلاح الدين ليوسف شاهين من إنتاج سنة 1963.

وبالطبع، قامت الدنيا في المرتين كلتيهما على مختلف وسائل الإعلام كما على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ولم تقعد.

ولا نعرف ما هو الهدف حالياً من نبش التاريخ بهذه الطريقة “الاستعراضية” المستفزة للكثيرين. وبالطبع لن نخوض في صحة أو خطأ ما قاله “النوري” أو “زيدان”، فلا نحن بالمؤرخين المحيطين بالأمر، ولا صحة الأمر هي المهمة في مقالتنا هذه، بل هناك جملة من الملاحظات نود أن نبديها بناءً على ما قرأنا عن الأمر في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي مصدر الخبر أو المعلومة الذي يلجأ إليه أغلبنا، ويتفاعل الجميع معها بشكل حر وعلني.

ما أخذناه على البعض الهجوم على شخص الممثل “عباس النوري” والرد عليه بالسباب، أو التهكم بمناداته أبو عصام (دوره في مسلسل باب الحارة)، بدلاً من دحض أراءه وتفنيدها من خلال الوثائق والكتب، علماً أننا على يقين أن أغلب من دافع عن “صلاح الدين الأيوبي” أو أيد كلام “النوري” لا يعرفون إلا النذر اليسير عن تاريخه! ولكن هل يمكن أن يكون “النوري” باحثاً عن الحقيقة أو يريد أن يعطي الرجل ما له وما عليه؟

برأيي لا يمكن لقائد عسكري أو سياسي كائناً من كان أن يكون قديساً منزّهاً عن الخطأ، فطبيعة مهنته لا تسمح له بذلك. كما لا توجد شخصية تاريخية أو أدبية أو علمية فوق النقد من منطلق علمي يعتمد على الأبحاث الأكاديمية الجادة. يقول الناشر والمثقف السوري-الفرنسي “فاروق مردم بك” في منشور له: (إن أردنا البحث عن الحقيقة فعلينا أن نقرأ بعناية وحس نقدي أعمال المؤرخين الذي رافقوا صلاح الدين وأحبوه، وأيضاً الذين انتقدوه بشدة حيناً واعترفوا بفضله حيناً مثل ابن الأثير، كذلك الذين نددوا به وهم غالباً من أنصار الفاطميين، فهو الذي أجهز على دولتهم). كما تساءل “مردم بك” أيضاً عن سبب جعل “صلاح الدين” نموذجاً للفارس الشجاع والسلطان الكريم العادل الحكيم في العصر الوسيط من قبل الأوروبيون؟ كما عن سبب احتفاظه بمكانته العالية عند “دانتي” و”فولتير” وسبب ظهوره مجدداً عندنا في بداية القرن العشرين على يد “جرجي زيدان” وغيره.

في الإجابة عن هذه الأسئلة يمكننا أن نكتب تاريخ هذا الرجل، والذي يستدعي ذكره حالياً استنهاضاً للهمة في مواجهة أعداء أو غزاة أجانب من كل حدب وصوب في القدس كما في غيرها.

إن تقديس الزعماء، من مبدأ طائفي في كثير من الأحيان، أو حتى تحقيرهم هو أمر غير مفهوم، فهم ليسوا قديسين ولا أنبياء معصومين. يقول صديقي متندراً، نحن العرب نحب تقديس الأشخاص وكل بحسب طائفته، فأنا، والكلام للصديق، لم أسمع بطفل فرنسي اسمه “نابليون” على سبيل المثال، كما لم أجد اسم “بسمارك” في ألمانيا إلا على زجاجات المياه المعدنية.

*فنان وكاتب سوري مقيم في ألمانيا

خاص أبواب

اقرأ/ي يضاً للكاتب:

زاوية حديث سوري: وحشا الهالوين على بابي

زاوية (حديث سوري): هل أنت عنصري؟

الاحتفال بالكريسماس: بدعة أم مكرمة حسنة

شاب سوري متهم بالإرهاب بقبضة الشرطة الألمانية بناء على طلب السلطات الهولندية