in

ملف العدد 45: الدرس التركي.. والحاجة لهوية سورية

العمل الفني للفنان مصطفى يعقوب
مصطفى قره حمد، ماجستير دراسات سياسية – جامعة زيغن ألمانيا

بدأت السلطات التركية بحملات ملاحقات اللاجئين السوريين المقيمين في مناطق غير التي تنص عليها مستندات إقامتهم التركية “الكملك”. أكبر المتضررين من هذه الحملات هم نسبة كبيرة من الـ 560 ألف سوري المقيمين في إسطنبول، من الذين لا يحملون تصريح إقامة في المدينة أو يحملون تصاريح إقامة من مدن وأقاليم أخرى. تقوم الشرطة التركية بترحيل من لا يحملون تصاريح إقامة نحو إدلب، ومن يحملون تصريح إقامة من مدن أخرى إلى تلك المدن.

لماذا؟

يبدو أن الأمر نتيجة مباشرة لانتخابات البلدية التركية ، والتي أصبح بها مرشح حزب الشعب، أكرم إمام أوغلو، عمدة للمدينة منتصراً على أحلام العدالة والتنمية في المدينة العريقة. عبر أوغلو عن استيائه لما آلت إليه المدينة، إذا أنه “يدخل أحياء في إسطنبول ولا يستطيع قراءة بعض اليافاطات لأنها مكتوبة باللغة العربية” حسب تعبيره.

تتماشى الخطة الحزبية لحزب الشعب مع السياسات المحلية التركية الحالية بشكل عام، فالسلطة في البلاد تقدم تنازلات لخصومها الداخليين، عبر الإذعان أن وجود السوريين تهديد للأمن العام التركي، وان قوانين أكثر صرامة عليها أن تطبق بحق السوريين. ضحى العدالة والتنمية باللاجئين السوريين على قربان الحكم في البلاد، كي لا يضطر أن يضحي بأحلام شرق الفرات، فهو لا زال قائماً بخطته التوسعية في سوريا، وبدأ بربطها بالمزاج السياسي الجديد للتركيبة الحاكمة في البلاد عبر تصريحات من مثال: “نحاول توسعة المنطقة الآمنة على امتداد حدودنا بقدر المستطاع حتى يتمكن اللاجئون السوريون في بلادنا من العودة لبلادهم. في الوقت الراهن عاد 330 ألفاً، لكنني أعتقد أنه حين تُحل المشكلات في منبج وشرق الفرات سيصل العدد سريعاً إلى مليون” حسب ما ورد على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. 

أما إقليمياً وعالمياً، فموقع تركيا الحالي من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي يعتبر جامداً منذ تأزم العلاقات الأوروبية-التركية بسبب التحول من النظام البرلماني للنظام الرئاسي في تركيا عام 2017. تتمحور العلاقات التركية الغربية اليوم حول قضية اللاجئين، تفاوضات حول أعدادهم، التعويضات الأوروبية بشأنهم، وقضايا العالقين على الجزر، مع ذكر أقل لقضية الانضمام للاتحاد الأوروبي أمام حجم التراشق بالاتهامات بين المسؤولين الأتراك وأقرانهم الأوربيين.

الاتحاد الأوروبي بالنسبة لتركيا اليوم ند تتفاوض معه، لا أخ كبير ترغب بالعودة لحضنه. على النقيض، تعدل تركيا اليوم من سياساتها لتأخذ موقعاً متوازناً في الصراع الروسي-الأمريكي. وبهذا السياق لا تجد ما تفعله الحكومة التركية بالجالية السورية في تركيا أمراً متناقضاً مع سياساتها، فأسطوانة دعم “الثورة” انتهت، وشعارات الجهاد في سبيل الله أصبحت بالية، وعادت تركيا لتسمي الأمور بمسمياتها حتى مع أكثر العصابات المسلحة التي كانت تتلقي الدعم اللوجستي على الأقل من تركيا. 

هل هذا عدل؟

العدل أمر نسبي ومبالغ بتقديره شعبياً. شريحة كبيرة من الأتراك لا يرون تلقي اللاجئين “الغرباء” دعماً حكومياً أكبر من الذي يتلقاه الفقراء من الأتراك، أمراً عادلاً. كذلك يتم طرح وجهة النظر القائلة أنه ليس من العدل اكتظاظ العواصم في إسطنبول وأنقرة على حساب المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة في الأرياف. الدولة في تركيا تماماً كالدولة في ألمانيا، تحاول عصر الورقة السورية لآخر قطرة، حتى في معادلة التوزع السكاني في بلدانهم، ولو كان ذلك على حساب القوانين الدولية التي تفرض على الدول، دون أن تجبرهم، مبدأ حرية القاطينين في التنقل داخله. 

ماذا عن أسطورة المهاجرين والأنصار؟ 

بنى جزء من السوريين منذ عام 2011 تحالفاتهم السياسية بناءً على الجذور التاريخية المشتركة بين سوريا وتركيا. ما بدأ بتحالفات انتهى بانصهار كامل بالهوية والثقافة التركية، ليس هذا وحسب، لا وبل بالأجندة السياسية التركية، بشكل دائم ضد أعداء الـ 2011 في دمشق، وفي بعض الأحيان حتى ضد أكثر المعارضين، إذا ما تجرأ أحد على انتقاد تركيا. أسباب هذه العلاقة الستوكهولمية لا تكاد تكون مجافية تماماً للواقع.

الواقع والوهم

الواقعي في هذا الاحتداد السوري في نقاش موضوع تركيا، هو الموقف التركي من أزمة اللجوء السوري. فمنذ عام 2011 وحتى عام 2017، كان بإمكان المهجر السوري، الدخول للأراضي التركية بجواز سفر ساري الصلاحية فقط. في وقتٍ سارعت فيه كل دول العالم “الحر” وأغلب دول العالم بما فيها الدول الناطقة باللغة العربية لإغلاق سفاراتها وجعل الفيزا أمراً شبه مستحيل. وبينما كانت لبنان تطلب من المواطنين السوريين الوقوف على طابور الانتقام من الحرب الأهلية اللبنانية، وغرف الإذلال للتأكد من المبالغ المالية التي يحملها الداخلون، وحجوزات الفنادق، كان المواطن السوري يتمتع بكامل حقوقه كأي إنسان في العالم في مطارات تركيا. هذه السنوات تركت لدى السوريين نوعاً من الولاء وردة فعل قاسية ضد أي انتقادٍ لأيٍّ من سياسات تركيا في المنطقة.

أما الوهم الذي قام عليه هذا الغرام السوري بتركيا، فله جذران هما وحدة الدين ووحدة التاريخ العثماني؛ وحدة الدين هي عَرَض من أوهام ما يسمى “الحرب الأهلية” في سوريا، حيث استخدم الأطراف الدين كأداة للتجييش الشعبي والعسكري، وكان من نصيب المعارضين في سوريا أنهم أصبحوا وفق هذا الوهم “أنصاراً” وأصبح إرهابيو العالم كله وفي طليعتهم السعوديون والأتراك والتركمان والتوانسة، مهاجرين.

يقوم الوهم الثاني على أسس تاريخية أقرب للذاكرة: الخلافة العثمانية. وهؤلاء يرون في إردوغان المنتفض على العنجهية الغربية خليفةً للمسلمين وينتقون من أفعاله ما يناسب هذا الطرح، ومن بينها تآخي المهاجرين السوريين مع أخوتهم الأنصار من الأتراك. نعم، الإسقاط هنا على الصحابة بطريقة عكسية، وقد تقابل من المقتنعين بوجهتي النظر بدون الشعور بتناقض. ولا ينساهم الخليفة في كل حين من بكاء على التلفاز، أو قراءة لسورة كريمة بلغة عربية فصيحة، تقشعر لها أبدان من أصابه الحنين لدولة الخلافة.

يتلقى أصحاب هذين الوهمين اليوم ضربة موجعة، في أيام تبدو فيها تركيا كدولة حديثة، دولة مؤسسات تلعب اللعبة الحزبية محلياً وإقليمياَ وعالمياً ببراغماتية كاملة، ولا تأبه بهوية اللاجئين السوريين المعتزين بالانتماء الإسلامي أو العثماني. وأمام هول الفاجعة السورية، لا بد من إدراك أن الطريق الوحيد هو العودة لهويتنا السورية، وخلع رايات الدين والعثمانية، التي يبدو أن الأتراك أنفسهم تجاوزوها.

اقرأ/ي أيضاً:

السوريون في تركيا وهواجس الترحيل القسري إلى “الوطن”

إردوغان: سياسة جديدة من 3 خطوات تجاه السوريين في تركيا

أتراك وسوريون يتضامنون مع اللاجئين في تركيا من خلال حملة “لا تلمس أخي”…

السمنة المفرطة.. مرض العصر

رحلة ما بعد اللجوء.. اندماج اللاجئين في سوق العمل