الرئيسية » باب مفتوح » هل نجوتَِ؟؟ عن مفهوم النجاة والهروب لدى لاجئين سوريين في ألمانيا
العمل الفني: تمام عزام

هل نجوتَِ؟؟ عن مفهوم النجاة والهروب لدى لاجئين سوريين في ألمانيا

إعداد: سعاد عباس. رئيسة التحرير

ضمن ملف هذا العدد من أبواب الذي يتناول موضوع النجاة، وفي محاولة العثور على إجابات على تساؤل قد يبدو بسيطاً “هل نجوتَِ”، أجرت أبواب لقاءاتٍ مع 47 لاجئ ولاجئة سوريين يقيمون في أماكن متعددة من ألمانيا، بعضهم يدرس أو يعمل أو يبحث عن هدف. اخترنا هنا نماذج من الإجابات قد تشير إلى بعض ما يحسه هؤلاء وعن مفهومهم عن النجاة.

“لا أحد سينجو من سوريا”

هكذا أجابني رامي (48 عام)، حتى أطفالنا الذين لم يولدوا بعد، سيولدون وما يزال في آذانهم قرع طبول الحرب وأصوات المدافع وهدير الطائرات التي لن تتوقف.

عندما نتحدث عن النجاة فلا بد لنا أن نعرف أن للنجاة درجات أيضاً.. فنحن هنا في ألمانيا مثلاً لا يحق لنا أن نتذمر أبداً من موقف عنصري هنا أو هناك، لا يمكننا أن نقارن موقف كراهية قد نتعرض له في الباص بصورة ذلك الصاروخ الساقط بشكل عامودي على بناء فيه بشر من لحم ودم. لا يمكن أبداً المقارنة. 

أستطيع أن أشبه لك الصورة بشكل أفضل.. انظري حالياً إلى المظاهرات التي تخرج ضد النظام في أرجاء أوروبا، هل تعلمين أن أعداد المشاركين لا تتناسب وحجم اللاجئين السوريين الكبير، والسبب في إحجام الكثيرين هو خوفهم على أهلهم وأقاربهم وحتى جيرانهم من انتقام النظام، هؤلاء لا يعتبرون أنفسهم ناجين، فلو كانوا كذلك لشاركوا في كل نشاط أو مظاهرة ضد هذا النظام. 

لا يحق لي أن أجلس في أوروبا وأتشفى من تهاوي الليرة السورية، لأن في وطني إخوة لي وجيران وأقرباء وقطط وعصافير وأشجار وأبواب ونوافذ لا تزال مشرعة بعد.


لا يحق لي أن أعتبر كل السوريين الموجودين في سوريا مؤيدين للقتل والهمجية، لمجرد أنهم لم يمتلكوا ثمن تكاليف السفر أو ربما لا يملكون الجرأة على اتخاذ قرار صعب بالمغادرة أو لأنهم بكل بساطة يفضلون الموت على تغيير تلك الجغرافيا.

لا يحق لي أن أعتبر نفسي ناجياً لأنني أنعم بالدفء في آخر الليل، وأنام بعمق دون أن أتفقد غرف أطفالي لأني أعلم بأن غرفهم ستبقى دافئة فهم لا ينامون في مخيمات متناثرة في سوريا أو على الحدود بين الدول أو في أي مكان آخر.

عندما نرى سوريا بذراع مبتورة يجب أن نتحسس ذراعنا، عندما نسمع بكاء طفل تحت الأنقاض علينا أن نختنق معه، عندما نرى زوجة فقدت زوجها وحبيبها وسندها ونشعر بأننا ناجون فلنتحقق من قلوبنا.

من الخوف.. نعم

يقول أحمد شريف، وهو في السادسة والعشرين من عمره، يتابع دراسته ويعمل في ألمانيا: “نعم كان اللجوء نجاة.. نجاة من أقبية خلف قضبان حديدية، نجاة من الخوف الذي كان يسكنني في المكان الذي اعتدت العيش فيه، ولكنني لم أنجُ من الذكريات التي تعيش معي حتى هذه اللحظة. ورغم وجودي اليوم في هذا البلد الآمن مازال يراودني الخوف على من بقي لي في تلك البلاد حيث لا يوجد عدل.

رحلتي إلى هنا، كانت أشبه بهروبٍ من الموت إلى الموت، لا أستطيع أن أنسى ذلك القارب المطاطي الذي حملني مع ٣٤ شخص، كانت المياه تتدفق من كل مكان والصرخات تعلو بينما لا أحد يستطيع سماعنا في تلك اللحظات، كما لا أنسى أيضاً تلك الفرحة حين أنقذنا الخفر اليوناني قبل الغرق بلحظات رغم أنهم وضعونا خلف القضبان لعدة أيام.

كنت أعيش الخوف والفرح في نفس الوقت.. نعم لأني وصلت إلى بر الأمان وتركت خلفي بلاداً لم أستطع ممارسة حريتي فيها ولم أعد أستطيع أن أكمل حلمي ودراستي في جامعتها.

أنا اليوم أدرس، أعمل، وأعيش تلك الحياة التي يحسدني عليها بعض الناس في بلدي الأم، حيث يظنون أنني أعيش في الجنة، بينما في الواقع أعيش في سجن مفتوح على الضغوط النفسية التي تحيطني من كل مكان، يطاردني الحنين إلى تلك البلاد إلى الأماكن القديمة التي لا يمكن الوصول إليها، وحتى إذا وصلت أنا متأكد أن لا أحد يستطيع أن يعيد ذلك الشعور ولا أحد يستطيع أن يعيد الاصدقاء.

مدينٌ للبلد الذي منحني الأمان

عبدالله  العمر في الثامنة عشر من عمره، ومازال في المدرسة، له رأيٌ مماثل نوعاً ما، “أعتبر أنني نجوت مما يدور في سوريا، وعلى الرغم من أنها بلدي لكنها لم تعطني الأشياء التي أريدها إن كان على مستوى التعليم أو حتى الرياضة، ولا مجال فيها للأحلام، عدا عن الوساطات والمحسوبيات والمصاريف الكبيرة، وانعدام الأمان”.

أنا كشاب لم أر شيئاً من سوريا، وعندما ابتدأت أعي المحيط الذي أعيش فيه بدأت الحرب والقصف والقتل. ربما ما يربطني بالشام حتى الآن هو جدي وجدتي وما تبقى من عائلتنا الكبيرة هناك، عندما تركنا الشام تركنا كل شيء هناك ومن بينها ذكرياتنا الصغيرة.

أعتقد أنني لن أستطيع العودة إليها مرة أخرى لأنني صرت في سن الخدمة الإلزامية، وحتى ولو انتهت الحرب بعد سنوات طويلة كما أتصور فلن أفكر بالعودة لأن لدي قناعة بأن على المرء أن يرد الدَّين للبلد الذي يقدم له الأمان والدعم وكل الفرص الممكنة للنجاح.

الفرص الجديدة.. نجاة

منيار صحفي في الثلاثين من عمره، وصل إلى ألمانيا سنة 2015، يقول إن الفرص التي أتيحت لنا بعد الوصول إلى ألمانيا إنما هي حالة من النجاة أو طريق للنجاة إن صح التعبير، لأنها خطوة لإعادة بناء حياتنا من البداية، وهذا بحد ذاته أمرٌ إيجابي حتى ولو كانت هذه النجاة مصبوغة بصبغة اللجوء. فعندما أنظر إلى الفرق الشاسع بين ألمانيا وغيرها من البلدان ينتابني الشعور باني نجوت وأن قراري بالخروج من سوريا كان صائباً، رغم معاناتنا من ضغوط وتحديات الاندماج ولكن وضعنا يبقى أفضل بكثير من أشخاص بقيوا في سوريا ويتمنون الآن النجاة منها.

النجاة بكبسة زر!!

لا تعتبر شام أنها نجت من سوريا.. أبداً، تقول الصبية العشرينية أنها عندما تُعامَل معاملةً بشعة أو تتعرض لموقف عنصري في الطريق أو المدرسة لمجرد أنها سورية أو لاجئة فهي إذاً لست بناجية. في رأسي الكثير من الأشياء عن الشام بموتها ونجاتها، بجمالها وقبحها، بخوفها وشجاعتها وهذه الأشياء الخاصة بالشام، بعلبة مكياجها، بدم أولادها لا يمكن للإنسان أن يتخلص منها بكبسة زر. “ربما سيكون في المستقبل الناجي الوحيد هم أطفالي لأنهم لن يعيشوا الحرب ولن يكون في رأسهم أي ذكريات أو صور عن الشام أبدا.. ولن يعيشوا ما عشته أنا”.

“ملجأي هنا”.. مكانٌ مؤقت

سارة ب طالبة جامعية (23 سنة)، تقول إن الروح تحتاج للنجاة كما الجسد، النجاة تتضمن الأمان الجسدي وسلامة الشخص وعائلته من الأضرار الجسدية أولاً، والأمان النفسي ثانياً، فالأضرار النفسية حتمية بعد الحرب، ولكنها قد تتعافى بمرور الوقت عند الانتقال إلى محيطٍ أفضل، ولكن في المحيط السيء سيحدث العكس، لابد من النجاة بالروح الإيجابية كي لا تتشوه ملامح الشخصية.

كانت سارة تتخوف منذ وصولها إلى بر الأمان الألماني من العنصرية والاستبعاد الاجتماعي: “لأنني محجبة، فأنا في قلق دائم من التعرض لي في الطريق بأي شكل من أشكال العنف اللفظي والجسدي، رغم أن الحجاب يشعرني بأمانٍ من نوع آخر. وأيضاً من الأشياء التي تشعرني بعدم الأمان هو تهديد وشتم لاجئ ما في الطريق دون أن يبدي المارة الآخرون أي ردة فعل للدفاع عنه من تهديد هذا الشخص العنصري له”.

من ثم يأتي شعور الغربة وعدم الانتماء وصعوبة اللغة، أشعر أحياناً أنني في  خطر، وأفكر دائماً بأن هذا المكان هو مكان مؤقت، نعم قلقي كبير من البحث مرة أخرى عن الأمان والانتماء المنشودين في بلد آخر.

خاص أبواب

اقرأ/ي أيضاً:

فيلم “إلى سما”.. كيف سمح العالم بحدوث كل هذا؟

فيلم “الكهف” في طريقه إلى الأوسكار.. وأبطاله الحقيقيون على طريق النجاة

افتتاحية العدد 50: النجاة ومعركة الذاكرة

الولاية القضائية العالمية هي إنصاف للضحايا وتعزيز للعدالة

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن الدبس بطحينة وشياطين أخرى

خالد ابراهيم ربما تعتقد أن شهور الشتاء مرت، أو على وشك المرور، لكنك مازلت في البدايات يا صديقي القارئ، البرد بدأ للتو، ومن يعرف الشتاء الألماني فعلاً سيخبرك بأنه ربما لم يبدأ بعد. لا أفصد إحباطك ولكن أريد فقط أن أحثك لتقرأ مقالتي الأولى في ...