الرئيسية » باب مفتوح » في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات 4 / الثقافة الجنسية و متطلبات العصر – استحقاقات وتحديات

في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات 4 / الثقافة الجنسية و متطلبات العصر – استحقاقات وتحديات

 د. بسام عويل اختصاصي علم النفس العيادي والصحة النفسية والجنسية 

نعيش اليوم في عصرٍ مُشبعٍ بالجنس، نجده يحيط بنا من كل حدبٍ وصوب. فالإعلانات التي تُغطي مساحات واسعة من جدران المدن أو المنصوبة على الطرقات التي تروّج للبضائع من مأكلٍ وملبسٍ وأدوات زينة الخ، مليئة بالإشارات والرموز والدلالات الجنسية لما لها من قوة جذب الانتباه وإثارة للمشاعر والرغبات.

ومن جهةٍ ثانيةٍ نجدُ المثيرات الجنسية تغمر الإعلام المقروء والمسموع والمرئي من سينما وتلفاز، ناهيك عن وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعية التي نمت بسرعةٍ فائقةٍ على ضفاف شبكة الإنترنت العنكبوتية (الشابكة). ليصبح الجنس المحور الاساسي الذي ندور حوله في حياتنا اليومية بإرادتنا أو بغيرها، بشكل واع أو غير واع، نتيجة غَمْره حتى للمواضيع اليومية البسيطة، وتعشيشه في تفاصيل محيطنا. 

كما أضحت المواد الجنسية في متناول اليد يمكن الوصول إليها قراءة أو سماعاً أو مشاهدة بدون جهد أو تكلفة إضافية، فالإنترنت في هواتفنا الذكية يستطيع أن يضع مصادر تلك المواد بين يديك، كما يسمح لك أن تنتج تلك المواد وتروّجها بعد إجراء عمليات المونتاج والإخراج عليها كما تشاء لتنشرها، وليستطيع الآخرون في كل أصقاع الارض مشاهدتها في اللحظة ذاتها والتعليق عليها، وتحميلها على أجهزتهم، والاستفادة منها، وحتى استغلالها بطريقتهم الخاصة التي ربما لم تخطر ببالنا. 

وبنتيجة ذلك نجد أن العولمة الاقتصادية مستندة إلى ثورة الاتصالات الرقمية حطمت أسوار الخصوصية الثقافية للشعوب، التي كانت لعصور طويلة تتميز عن بعض في مقاربتها للمواضيع الجنسية والعاطفية وتطبعها بطابعها الخاص الذي أنتجته التجارب والتقاليد والعادات والقناعات والمخيالات والفلسفات وحتى الأديان بتنوعاتها واختلافاتها. 

أدت هذه العملية المنظّمة بهدف الربح بالطبع والتي تهدف إلى الترويج الأسرع والأقل تكلفة، والأوسع للبضائع الاستهلاكية عبر إزالة الفوارق الثقافية (وهو ما يختلف جذرياً عن تقارب الثقافات)، أدت إلى إحداث تشويش متعمّد يجعل الناس يستسهلون الأخذ بأنماط سلوكية تستند إلى الغريزة الجنسية، وتتلاعب بالدافع الجنسي بوصولها إلى بيوتهم، وتقديمها بأجمل تغليف يصعب الصمود أمام إغراءات فتحها وتذوقها أولاً، والاعتماد عليها فيما بعد في الاستهلاك اليومي. 

هذه الثقافة الجديدة تروّج لعلاقات تتمركز على المتعة الجسدية، وتقوم على علاقات عاطفية آنية، سطحيّة غير ملتزمة بالضرورة بعلاقة صحية ومسؤولة. هذه النماذج الثقافية الجنسية العصرية أتى بها التشويش بهدف التسويق الذي طال حتى أكثر المواضيع الإنسانية حميمية وحساسية، ألا وهي موضوع الحب والجنس والعلاقات العاطفية والاجتماعية، ولم يكن ليستطيع المرور لولا انتصاره على التابو الذي أحاط ثقافياً بالجنس عبر العصور في الثقافات المختلفة وقدرته على تجاوزه محرماته وحدوده. 

إلا أن الانتصار على تابو الجنس أتى مشوَّهاً بشكل خاص في مجتمعاتنا الشرقية والعربية نظراً لغياب الحوامل الثقافية والمعرفية المؤسساتية التي يمكنها ضبط هذا الانفلات المعرفي والسلوكي الذي نشهده في ظل الثورة الرقمية العصرية. 

يأتي هذا الكتاب كمحاولة لملء الفراغ الموجود في المكتبة العربية بما يتعلق بالصحة النفسية الجنسية وإرشادها وعلاجها. وهو عمل موجه إلى شريحة واسعة من القراء حاولتُ أثناء كتابته الموازنة بين الجانب التثقيفي والجانب الأكاديمي، وأرجو أن أكون قد وفقت في هذه المهمة الصعبة، وخاصة فيما يتعلق بمواضيع لها من الحساسية بمكان ما يجعل تناولها يتطلب الحذر، والدقة والموضوعية العالية المستوى.

تكمن أهمية التثقيف الجنسي في إضاءة النقاط الأساسية المتعلقة بالجنسانية وبالسلوكيات الجنسية وسماتها النمائية، وكذلك اضطراباتها وإرشادها وعلاجها، مع بعض الإسقاطات الثقافية والعيادية التي يُمكن لها أن تُغني المواضيع المطروحة وتجعلها أكثر وضوحاً، إن كان بالنسبة للشخص المتخصص أو غير المتخصص لكون الموضوع يهم الجميع على حد سواء.

أهداف عدة وتحديات جمّة تقف وراء التصدي لهذا الموضوع، من أهمها تقنين المصطلحات وتعريف المفاهيم المتعلقة بالسلوك الجنسي، والصحة الجنسية واضطراباتها، نظراً لكون الكثير من المقالات المنتشرة على صفحات الإنترنت فضفاضة جداً ومتداخلة في معانيها ومحتوياتها، إضافةً إلى الفجوات والأخطاء التي تشتملها تلك المواد، ما يجعل التعامل معها وإسقاطها على الحالات الفردية مشوباً بالكثير من التشويش وعدم الفهم مما يجعل الإسترشاد بها والاستفادة من محتوياتها أكثر ضرراً على القراء.

الهدف الآخر من التثقيف الجنسي الذي لا يقل أهمية عما سبقه، هو التأسيس لثقافة كسر التابو بعدم اللجوء إلى الاختصاصيين المهنيين بالرغم من الحاجة الملحة لها، والاستمرار بالمعاناة إن كان على المستوى الشخصي الفردي أو الأسري والاجتماعي بسبب المشكلات والاضطرابات الجنسية والتي تشكل سبباً مهماً في الإنفصال وحدوث الطلاق، أو في الانعزال الاجتماعي لا بل والخيانات الزوجية وتداعياتها. 

ومن الأهداف الأخرى الموازية في أهميتها وراء نشر وترويج الثقافة الجنسية هو تسليط الضوء على إمكانيات الخدمات المهنية النفسية الجنسية وإشكالاتها ومناهجها وأدواتها إن كانت تخص تلك التشخيصية أو الإرشادية والعلاجية ومحددات الاستواء والاضطراب وعوامل الصحة والخطر فيها.  

كل ما سبق يهدف إلى تشكيل وتعويم ثقافة الصحة الجنسية كجزء لا يتجزأ من ثقافة الصحة البدنية والنفسية والأسرية، وعدم إهمالها من قبل الناس لما لها من تأثير مباشر على مستوى نوعية الحياة الشخصية، والأسرية، والاجتماعية والمهنية بالنسبة لمن يعانون مشكلاتها واضطراباتها.

خاص أبواب

مواد أخرى من السلسلة:

سلسلة في الجنس وعن الجنس 3: صحتك النفسية في متناول يديك فحافظ عليها

سلسلة في الجنس وعن الجنس 2: في مفهوم الصحة الجنسية وتطوره عبر العصور

سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات -الجزء الأول-

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلسلة في الجنس وعن الجنس 5: ماذا نعرف عن الجاذبية الجنسية وتفاصيلها؟

د. بسام عويل – اختصاصي علم النفس العيادي والصحة النفسية والجنسية  يشعر البعض بالانجذاب للجنس الآخر بينما ينجذب آخرون لأبناء جنسهم نفسه، وهناك من يجذبهم كلا الجنسين أو لا يشعرون بشيءٍ تجاه أي جنس. تسمى الجاذبية الجنسية أحياناً “السحر الجنسي”، ويمكن وصفها بأنها قوة غامضة ...