in

سلسلة شخصيات ألمانية -2- “مارتن لوثر” راهب ألمانيا الثائر

مارتن لوثر

يوسف شهاب

ذهب الفرسان الخمسة بأمر من ملك منطقة ساكسونيا “فريدريش الحكيم” بـ مارتن لوثر” إلى قلعة “فارتبورج” في ولاية تورينجيا حيث خلع ملابس الرهبنة وارتدى ملابس الفرسان، وأطلقوا عليه اسم “الفارس جورج”، وخوفًا عليه من اكتشاف أمره، منعوه من الخروج من القلعة. وفي هذه القلعة ترجم الكتاب المقدس من اللاتينية إلى الألمانية لأول مرة في التاريخ حسب فكره الجديد.

والجدير بالذكر أن الكنيسة الكاثوليكية في روما قد حرمت ترجمة الإنجيل إلى أي لغة أخرى، وكان يتلى منه في الكنائس باللغة اللاتينية ثم يقوم القس الكاثوليكي في كل الكنائس بترجمة ما يتلوه حسب الأوامر القادمة من روما.

ظل “مارتن لوثر” في قلعة فارتبورج من 4 مارس سنة 1521 إلى فبراير سنة 1522  فماذا حدث في قلعة فاريتبورج ولماذا انقلب “لوثر” علي الكنيسة الكاثوليكية وعلى البابا في روما؟ ثم من هو هذا الرجل؟

ولد مارتن في بلدة “ايسليبن” في 10 نوفمبر سنة 1483 لأسرة ريفية فقيرة، الأب هو يوحنا لوثر، والأم مرجريت تزيكلر، أسرة يوحنا لوثر أسرة كاثوليكية محافظة، وسمّاه أبوه بهذا الاسم لأنه ولد في ليلة عيد القديس مارتين.

كانت معاملة الأسرة للأبناء تتسم بالقسوة حتى أن أمه كانت تضربه بالسياط حتى ينفجر الدم من جسده أما عن والده فيقول:

“لقد عاقبني أبي عقابًا شديدًا في يومٍ ما لدرجة أنني هربت من أمامه واختفيت” وفي سن السابعة أخذ مارتن طريقه إلى مدرسة مانسفلد. وفي المدرسة أيضًا عانى من قسوة المعلمين حتى أنه ظل يذكر هذه القسوة طويلاً.

وفي الرابعة عشر أخذ مارتن طريقه إلى مدرسة الآباء الفرنسيسكان في “ماجدبورج” ومكث فيها سبعة أشهر بسبب إصابته بمرض شديد فعاد إلى مانسفلد، ولكنه تأثر جدًا بجماعة الفرنسيسكان التي تقوم بممارسات شديدة في الزهد والتقشف والعباده.

بعد عدة شهور إنتقل إلى مدرسة القديس جورج في مدينة “أيزيناخ” وانضم مارتن إلى مجموعة من الشباب الذين يطوفون الشوارع ينشدون الترانيم الكنسية للحصول على الصدقة.

وفي سن الثامنة عشر أخذ مارتن طريقه إلى جامعة إيرفورت لدراسة الفلسفة ودراسة الكتاب المقدس، وكان موقفه من الدين متناقضًا، فهو يحب الأمور المتعلقة بالدين، بينما يرهب الله جدًا ويتصوره كإله قاسٍ ومخيف، ولهذا أصبح يرتعب من الموت.. وظَل شبح الموت يحاصره في كل مكان.

أنهى مارتن دراسته وجاء ترتيبه الثاني على دفعته وكلفته إدارة الجامعة بالتدريس، فبدأ يلقي محاضراته في جامعة إيرفورت، وفي الوقت ذاته يدرس في كلية الحقوق.

بعد شهور قليله، ترك مارتن حياة الجامعة وذهب إلى دير القديس اوجوستينوس وغضب أبوه لأن ابنه ترك منصبه في الجامعة من أجل الدير.

أعلن “لوثر” نذره النهائي للرهبنة ودعي باسم الراهب “اوجوستينوس”، وفي 4 إبريل سنة 1507 سمي الراهب أوجستينوس قسًا.

كان الرهبان يصلون سبع مرات في اليوم، ويستيقظون في الواحدة صباحًا ويتناولون الطعام مرة واحدة في الساعة الثانية بعد الظهر وأصبحت الحياه قاسية ولم يتحملها طويلاً وأصبح في حالة نفسية سيئة للغاية وهو يتخيل أرواحًا وشياطين تحيط به… لقد كان يسعى للحصول على سلام الله ومع ذلك لم يحصد إلا الفشل وأصبح راهبًا متشككًا.

سار “لوثر” إلى روما على قدميه زيادة في التعبد والتذلل ولمعرفة الحقيقة الإلهية، ولكن مشكلته مع الإله ما زالت قائمة.

ثار “لوثر” بعد هذه الزيارة على “صكوك الغفران” وعلق خمسة وتسعين احتجاجًا على باب كاتدرائية فيتنبرج يوم 31 أكتوبر سنة 1517 ثم أرسل نسخة إلى ألبرخت رئيس أساقفة ماينز الذي أرسلها بدوره إلى البابا ليو العاشر مما أثار البابا وألبرخت عليه.. وأخذ يردد بأن البابا يحتاج إلى صلاة الإيمان أكثر من حاجته للمال.

ثارت الكنيسة الكاثوليكية جدًا حتى أنهم أخذوا ينادون بحرقه وأصبح “لوثر” هو عدوها الأول بعدما انضم إليه آلاف كثيرة من الناس الذين كانوا يصدقون فيما قبل أن صكوك الغفران تحمي من عذاب الله.

كلف البابا علماء الكنيسة بدراسة احتجاجات “لوثر”، فقاموا بدراستها.. وفي النهاية أصدر البابا قرار بخطأ “لوثر” وأشاروا عليه أن يسحب احتجاجاته ولم يوافق لوثر على ذلك إلاّ بعد أن يقتنع بخطئه، وقال أنا لم أخطئ، حينئذٍ أصدرت روما أوامرها إلى لوثر بالحضور للمحاكمة ولكنه رفض الذهاب إلى روما وباءت كل محاولات الصلح بالفشل.

في العاشر من ديسمبر عام 1520 حضر لوثر مع حشد كبير من الشعب، خرج بهم خارج المدينة، وبجوار نهر الألب أشعل وثيقة خليفة الله على الأرض وكتب القانون الكنسي وذرى رمادها مع مياه النهر، معلنًا أن ألمانيا ليست ذيلًا للبابوية.

بدأ الصراع بين الجانب الكاثوليكي والجانب اللوثري البروتستانتي يشتد، أما الملك “فريدريش الحكيم” فقد وقف يساند لوثر، حتى أنه انتزع وعدًا من البابا بمحاكمة لوثر في ألمانيا وليس في روما، وكان “فدريدريش” بحكمته يعلم أن “لوثر” سيدان وسوف ينقذه من الإعدام بخطفة بعد المحاكمة كما ذكرنا في البداية.

ترك مارتين مدينة فيتنبرج متجهًا إلى مدينة “فورمس” للمحاكمة، وتوافد الناس من كل أنحاء ألمانيا ليروا الراهب الذي تحدى البابا.

صدر الحكم بطرد “لوثر” ومطاردة أتباعه كهراطقة، والطلب من الأمراء أن يؤيدوا هذا الحكم، وهذا معناه أن دم “لوثر” أصبح مباحًا. ولكن باختطافة من قبل الملك “فريدريش الحكيم” وتخبئتة في قلعة “آيزيناخ”، بدأت البروتيستانية تنتشر في جميع أنحاء العالم.

وعلى مر السنين أصيب “لوثر” بمرض القلب ولكنه سافر في يناير 1546 لتسوية منازعات في مسقط رأسه “آيسليبن” ولم يغادرها إلى أن توفي في 18 فبراير 1546. تم نقل جثته الى “فيتنبرغ” ودفن يوم 22 فبراير في كنيسة القلعة.

 

المصادر

  1. Martin Luther Leben und Charakterbild: Georg Gotthilf Evers
  2. Martin Luther Der unbekannte Reformator: Peter Manns
  3. Widerrufen kann ich nicht: Arnulf Zitelmann
  4. Porträts berühmter deutscher Männer: Christian Graf von Krockow
  5. Der Mensch Martin Luther: Lyndal Roper
  6. Martin Luther und Eisleben: Rosemarie Knape
  7. Wikipedia

اترك تعليقاً

رواية لالين … “أمشاج من اللاهوت والحب والسياسة والحرب”

دليلك المسلي إلى الاندماج كيف تصبح ألمانيًا؟ (الجزء الرابع والأخير)