الرئيسية » باب مفتوح » أمي وأمها.. المكدوس وأنا

أمي وأمها.. المكدوس وأنا

رلا أمين.

آخر مرة شاركت فيها في “حفلة المكدوس” كما كنا نسميها كانت منذ حوالي 15 سنة، أتذكر دموعي الليلية وأنا أغطس يديَّ الملتهبتين بالماء البارد أو أفركهما بالبندورة أو الزبدة وبأي شيء ينصحني به خبراء “الفليفلة الحمراء المشتعلة”. عدا عن التحذيرات القلقة والمقلقة من ملامسة العينين أو الشفاه أو الأنف.

بعد تلك الليلة الليلاء جاء يميني المعظم.. “لن أشارك في هذه المهزلة بعد اليوم”

هددت والدتي وأختي وخالاتي والجارات اللواتي قادهن القدر لحفلة المكدوس تلك أني سأفقد حقي بمكدوس ذلك العام. فسارعت بإطلاق يمينٍ آخر أكثر قسوة وتهوراً وخبثاً.. “ولن أشارك أيضاً في لف ورق العنب ولا الكبة ولا حلويات العيد.. ولا في إعداد أي طعام يكسر الظهر ويقصف العمر ويضيع الوقت”. فازداد وعيد النساء مع توالي حلفاناتي بينما هزت أمي رأسها بآسف.

وليس تنفيذاً لليمين ولكن شاءت الصدف أنني لم أحضر بعدها حفلة مكدوس، رغم ذلك وحتى اليوم لم تتوقف رحلات المكدوس والكبة والتين المجفف “الهبول”، وحلويات العيد حتى في غير مواسمها عن اللحاق بي من منزل والدتي في حمص فتتوزع بحقائب ملونة بين  دمشق وحلب وبيروت حتى ألمانيا، حتى أن بضعة مرطبانات حلقت فوق باريس وهولندا للوصول إليّ.. أفواه الأمهات تقسم وقلوبهن تصرخ لا سمح الله!

أثناء كتابتي لهذا المقال كنت أحفر عميقاً فعلاً في ذكريات تلك الأيام بل الأسابيع التي تتماهى فيها انشغالات العائلة والأقارب والجيران والحارة بل وحمص كلها لتتحول إلى مكدووووس. وما حفّزَ الذاكرة هو وجودي في برلين.. حيث تتباهى رفوف المحلات في ما يُدعى شارع العرب “Sonnenallee” بماركات عديدة للمكدوس والتي لا شيء منها يشبه طعم ما اعتدناه في “البيت” هناك.

شهر أيلول أيضاً كان المحفّز الرئيسي للذكريات الآتية من حمص، فواجهات محلات الخضراوات في شهر “تحضير المونة” المجيد هذا تكاد لا تعرض إلا الباذنجان الحمصي المحمر الصغير، والفليفلة الطويلة الحمراء الملتهبة بشكلها على الأقل، لكن العائلات المدعومة مثل عائلتنا والتي لها قريبٌ أو صديق في سوق الهال فلن تعاني من الاستيقاظ باكراً كل صباح لتفقد محلات الحي كله وتوصية البائعين ومن ثم كسب سباق اقتناص الباذنجان الأصغر والأفضل. 

نحن كنا محظوظين بقريبنا في سوق الهال، كان “ينخب” أفضل باذنجان في حمولات الموسم ويرسلها لأمي التي ستباهي أحياء حمص لاحقاً بـ “المكدوسة وأختها” كنايةً عن الحجم الموحد لحبات الباذنجان، قد لا يبدو هذا بالأمر الهام إن لم تعرفوا أن أمي كانت تحضر في الموسم ما يقارب 200 كيلو مكدوس.

كان سطح المنزل يتحول بأكمله إلى وعاءٍ لتجفيف الفليفلة التي لابد من تقليبها عدة مرات في اليوم حتى لا يتغير لونها إلى الأسود، ثم تغطيتها بأكملها مساءً خوفاً من الرطوبة. في هذه الأثناء تجمعُ جلسات “تقميع” الباذنجان العائلة والجيران غير المحظوظين الذين قرروا زيارتنا على غفلة، فلو اتصلوا سلفاً لعرفوا أن الزيارة ستورطهم “ذوقياً” بعرض المساعدة والخروج بأيدي مسودة بسبب الباذنجان وبطنٍ منتفخ بسبب شرب “المتة” الباردة.

المكدوس والحب

ابتسامة أمي لم تتغير منذ وعيتها وهي توزع تعب الشهر كله على بناتها وابنائها ما بين دمشق وحلب، ثم بكمياتٍ أقل على أخواتها وصديقاتها والجارات الأقرب لقلبها، بينما نحتسب نحن ووالدي ونتحسر على تعبنا ونقودنا مع كل “قطرميز مكدوس مغمور بزيت الزيتون الأصلي” يذهب لجارةٍ لم نستلطفها يوماً.

والدي اليائس تماماً من إمكانية السيطرة على كرَم زوجته وهي توزع مع المكدوس ما تبقى من جوزٍ كهدايا، لم ييأس من أن يلعب لعبة التوفير بشكلٍ مختلف في كل موسم، فمرةً يقترح استخدام الفستق بدل الجوز، ومرةً يصرُّ على روعة الطعم بزيت دوار الشمس الأرخص من زيت الزيتون، حتى أنه مرةً ارتكب الخطأ الأكبر واشترى الباذنجان الأرخص.. ولكنه في كل مرة كان يعترف بخطئه ويعود مغموراً بحب الست الوالدة وخياراتها وعياراتها الدقيقة. وفي النهاية يكتفي بتمتماتٍ مع رجال الحي وهم يشاهدون عبوات هدايا المكدوس تتوزع بين البيوت فما من عائلةٍ تصنع مونتها لها وحدها، والتبادل يكاد يكون طقساً لابد منه لنجاح العملية كلها تماماً مثل كبس الباذنجان المسلوق بالبلاط حتى يستغيث.

ثم نتشارك أبي وبناته “المتأففون الشكاؤون” افتراس “مرطبانين” على الأقل خلال الأسبوعين الأوائل من الموسم قبل أن تتمكن أمي من السيطرة علينا ورفع ما تبقى إلى الرفوف العالية وهي تتوعد من يمد يده إلى كنزها قبل أن تقرر هي أن الموعد قد حان مع اكتساب باذنجاناتها المحشوات بكرمٍ لونها الذهبي الشهي.

لكنّ أزمتنا العائلية الحقيقية تبدأ بعد انتهاء حفلة المكدوس بقليل.. فالزيارات العائلية لبيت جدتي أو إحدى خالاتي تتحول من لقاءات مرح إلى أفخاخٍ تهدد لحمة العائلة، إذ علينا أن نتذوق مكدوسات الأقارب لندلي بدلونا بعدها مباشرةً بالسر أو بالعلن.. “أي مكدوس أطيب؟” 

جوهرة طريق الحرير:

كنت أعتقد في طفولتي أن جدتي هي من اخترعت المكدوس، لكنني عرفت لاحقاً أنه مغرق في القدم، إذ قامت جدات جداتنا على مر السنين بمئات التجارب ولا شك للوصول إلى هذه الآلية الدقيقة في اختيار أنواع الباذنجان والفليفلة، ودرجة الاستواء في السلق، فترة الكبس، وطزاجة الجوز، وإمكانية استخدام مكسراتٍ أخرى بدلاً عنه، ومقدار الثوم والملح في كل قطعة للوصول إلى درجة الحموضة المثالية تلك التي تجعلك تبلع ريقك مراتٍ في الدقيقة، حتى حرارة الطقس تلعب دوراً في هذه العملية التي تتكلل برفاهية الغمر بزيت الزيتون الصافي.

أساطير، حقائق وطرائف:

جدتي “أم حسان” هي من اخترعت هذه الأكلة العجيبة وليست جارتها “أم صطيف”.

زيت دوار الشمس لمكدوس ناصع البياض.

حدا بيخرب غزله بيده ويبدل زيته بزيت ذرة!

مكدوس أم عبدو يكفي عائلتها من الموسم للموسم = محمّض ورغم ذلك أكلوه عن بكرة أبيه

حين تغضب الأم على ابنها تحرمه المكدوس.. “خلي شغل مرتك ينفعك”

رفاهية المكدوس رغم كل الظروف حققت المساواة الطبقية

سياسة التقشف مع الأزمات الاقتصادية: “هذه السنة ما في مكدوس”

طريق الحرير وازدهار المكدوس.. تاريخ سوريا المشرق

دراسة حول اللجوء والاندماج ومكدوسات “الست الوالدة”

اقرأ/ي أيضاً:

زاوية: مطبخ من غربتي… تجارب السوريين الغذائية والمطبخية في بلدان المهجر 1

الطريق إلى قلب المرأة يمكن أيضاً أن يبدأ من المطبخ

مطبخ من غربتي (2)

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماذا سيكتب عنا التاريخ ؟!

زيد شحاثة. كاتب من العراق ماذا سيكتب عنا التاريخ ؟! يخاف العرب كثيراً على صورتهم التي يراها الناس عنهم، فنراهم كثيراً ما يهتمون بما يظهر منهم، الشكل والهيئة والمظهر العام، بل والانطباع الذي يتولد عنهم لدى الأخرين.. ويعطون لذلك أهمية كبرى فوق ما تستحق، وخصوصاً ...