الرئيسية » باب القلب » صعاليك هيرابوليس: لا شيء على ما يرام لكن مازلنا قادرين على إزعاج هذا العالم بالضحك

صعاليك هيرابوليس: لا شيء على ما يرام لكن مازلنا قادرين على إزعاج هذا العالم بالضحك

وردة الياسين

أهم ما يميز رواية “صعاليك هيرابوليس” ليس فقط سردها لفترة تاريخية سورية مفصلية، ولا إيرادها لشخصيات اقتبسها الكاتب من الواقع، و كادت تمثلنا جميعاً كسورين على اختلاف مواقفنا من الثورة في سوريا، بل أيضاً إعمالها مخيلة القارئ لقفل نهاياتها وتخيل تفاصيل أماكنها وشخصياتها، مضافاً لذلك لغتها السهلة والبسيطة، وجملها البعيدة عن التكلف والتنميق اللغوي.

“صعاليك هيرابوليس” هي الرواية الأولى للكاتب السوري محمد سعيد، دارت جلّ أحداثها في مدينة منبج السورية الواقعة شمال شرق حلب، من خلال ثلاث شخصيات رئيسية وهي “جمعة الحميماتي، عروة، والراوي”. ويعطي الراوي المساحة الأكبر للأحداث التي توالت على منبج منذ انطلاقة الثورة السورية، مع عودته بالسرد إلى تواريخ وأحداث سابقة، مقدماً بعضاً من الأسباب غير المباشرة لما يحدث في سوريا منذ عام 2011. 

وضمن مسار قصصي متسق، يجسد أبطال الرواية الرئيسيون نماذج لشخصيات انبثقت مواقفها وأفعالها وحتى نهايتها، من مآلات الأوضاع في سوريا خلال الثورة. فكان “جمعة الحميماتي” العنصر في أحد فصائل الجيش الحر، المؤمن بمعارضته المسلحة للنظام حتى أخر رمق، ولا تعنيه مصطلحات المثقفين ولا تحليلات السياسيين، بقدر ما يعنيه أن يترك يوماً سلاحه بعد النصر ليعود إلى حماماته التي أهملها! وهنالك “عروة” شخصية بائسة وعاطفية، كان ينتظر الثورة منذ ولادته! ثمّ الراوي الهادئ والغاضب، المستكين والثائر، والمفعم بالحب. تتداخل شخصيات الرواية في دلالات جعلتها لوحة تعبيرية عن التراجيديا السورية. 

تأخذك الرواية إلى مجتمع سوري كونت الماورائيات والخرافات جزءاً كبيراً من ثقافته وحياته، واختلطت فيه السياسة بالأقدار، واختلط الواقع بالوهم والخيال. ويحرص الكاتب على إظهار ذلك من خلال استحضار وقائع أو حكايات أو شخصيات لعبت دوراً في تقديم نموذج عن بقعة سورية طالتها اليد العبثية. 

يترك الكاتب للقارئ التحليلات السياسية والاجتماعية الكبرى والعميقة، لكنه يتعمق في شخصيات روايته، فيفككها ويغوص في أبعادها النفسية، ثم ينتجها بكل سلاسة وفقاً لارتباطاتها بالظروف الزمانية والمكانية، ولاسيما ارتباطها بالحدث السوري الجلل. ويترك الكاتب التوغل في وصف الحالات الشعورية بصورة فجة، ويجعل الحدث أو الموقف هو من يشير إليها، فيستشعر القارئ، الإرهاق واليأس والهلع، دون أن يوردها الكاتب كمفردات صريحة، الأمر الذي يضيف للأسلوب جمالية، ويثير لدى القارئ الغوص بعيداً في مخيلته.

يقول الكاتب محمد سعيد عن صعاليك هيرابوليس: “تجنبت الإغراق في الوصف، سواء في وصف الأماكن أو الشكل الخارجي للشخصيات. لا أحب مصادرة مخيلة القارئ بشكل كامل. أحب أن أمنحه بعض الاشارات ليكمل المشهد أو الصورة في مخيلته كما يشاء.

كما لا أحب أن استخدم المفردات الصعبة والقليلة الاستخدام في لغتنا العربية، طالما هناك بدائل عنها تفي بالغرض. بمعنى آخر، هذه هي لغتي التي أحب استخدامها في الكتابة، بسيطة وسهلة ولا تميل نحو الاستعراض المجاني”. 

تبدأ صديقة لي حديثها عن الرواية بعبارة للكاتبة “ج. ك. رولينغ” فتقول: “أعتقد أن أمراً ما سيحدث عند قراءة كتاب متقن.. السحر الموجود في رواية صعاليك هيرابوليس هو بالتكنيك الرشيق الذي استخدمه الكاتب، والذي استطاع من خلاله الانتقال بين الزمان والمكان بخفة. كانت جملة أو كلمة بسيطة أو ردة فعل من أحد شخصيات الرواية كافية لجعلي أتعاطف معها بدون فلسفة كبيرة في توصيف الأشياء. رواية رشيقة، خفيفة على القلب والروح”. 

تبدو الرواية وكأنها إجابة مختصرة مفيدة عن حدث بحجم الثورة السورية، غير أنها ستجعل القارئ يواجه كلما انتقل من حدث لآخر فيها أسئلة كبرى وعميقة، عن بدايات سورية لم تتضح نهاياتها بعد. 

رواية كان لها تلك الجاذبية في عدم تركها حتى الوصول إلى نهايتها، كما قال بعض الأصدقاء الذين قراؤها.

اقرأ/ي أيضاً:

الكاتب أنور السباعي: لولا “هموم الدعوة” لدخلت عالم الرواية مبكراً

الملفات السريَّة في رواية “حضرة الجنرال” للروائي الجزائري كمال قرور

رواية علي بدر “الكذابون يحصلون على كل شيء”: رواية اللاجئين المهمّشين في أوروبا

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

بورتريه: مهاجرون في ألمانيا – الصحافية رشا حلوة

إعداد ميساء سلامة فولف في هذه الزاوية نعرّفُ القراء بشخصيات من المهاجرين الذين وصلوا إلى ألمانيا منذ سنواتٍ طويلة، وتمكنوا من إعادة بناء حياتهم ومستقبلهم بعيداً عن أشكال وحدود الانتماء التقليدي، وحققوا نجاحات في مجالاتٍ عديدة، فاحتضنتهم هذه البلاد، وصارت لهم وطناً. الصحافية رشا حلوة ...