in

رسالة من طفلة عالقة على الحدود اليونانية

مريم عبد الغني اليوسف

IMG-20160521-WA0002

قبلة وداع تعطرها دموع جدتي وكلمات لم أعِ معناها | مريم عبد الغني اليوسف (11) عامًا

الغربة: كلمة أسمع صداها ولكنّي لم أجد لها شعورًا، أهي الضحك أم البكاء؟ أهي الفرح أم الحزن؟ أهي الأمل أم اليأس؟
تلك الحروف التي أشعلت ذاكرتي المسافرة الآن الى المدارس الخمس التي ارتدتها أثناء تنقّلي في سنين الحرب وصولا إلى مدرستي الأخيرة المحترقة، وقبل أن أودع رفاقي، وقبل أن أثبت لمعلمتي بأنني متفوقة، وقبل أن أنال شهاداتي المزخرفة والمنمقة.
أسافر بذاكرتي مصطحبة أقلامي وأوراقي وشهادة ميلادي، أسافر مع رفاقي، مع جيراني، مع جدي وجدتي وأعمامي وأخوالي، أسافر بذاكرتي مع الحارات والأزقة، مع البيوت المبعثرة، مع الأشجار على قارعة الطريق، مع رائحة التراب، أسافر بذاكرتي مسرعة قبل أن يتسلل الحزن إلى فؤادي، وقبل أن يتملك اليأس عقلي، وقبل أن يفسد المشهد صوت الطائرة المحملة بشهادات الوفاة والإعاقة! وقبل أن يخيّم الدخان الأسود على أجواء المدينة، وقبل أن يُسكِت صوتُ القذائف والرصاص صوتَ الحياة وصوت العصافير والطيور المهاجرة،
أسافر إلى هناااااك.
وأنا هنا في خيمتي، أمسك بحبالها، وأغمض عيوني لأقلّب وجوه الأطفال، أبحث عن ضحكاتهم، أبحث عن الأمل فيهم، أقلب في صفحات ذلك العالم المتوشح بدماء الأبرياء، ففي وطني تصلب الإنسانية، وتقطع شرايين الخجل! أقلب الصفحات لعلّي أجد هنا أو هناك ضحكاتٍ مسروقة تنعش ذاكرتي المليئة بالثقوب، إلا من الأمل.. الأمل المرسوم على شفاه الشهداء وعلى جراح المصابين والمعاقين… يا لذاكرتي الصماء كم يحتاج منا الوطن دموعًا وكم يحتاج نواحًا!! يا لضعف كلماتي أمام وطني المثقل روحُه بالوجع والعجزـ
أسافر وأغوص عميقا في أعماق الوطن، أبتسم تارة، وتارة أبكي، وتنتهي رحلتي بفتح عيوني على واقعي..

 

خيام وقصص وروايات من الألم والعبر.. هنا العالم الجديد، هنا الوطن الجديد، هنا مخيم كاڤالا في اليونان آخر محطات الهجرة، وربما ليست الأخيرة، كيف لك أن تهرب من نظرات الغرابة؟ ومن نظرات الشفقة؟ والحرمان؟ كيف لك أن تتفادى سؤال: من أين أنت؟ وماذا يجري هناك؟ ولماذا أتيت؟ كيف لك أن تخفي آخر ما تبقى لك من الوطن؟ كيف تخفي دموعًا وذكرياتٍ وجوازًا أزرق يثبت أنك من هناك…
يعيش بين أزقة هذه الخيام المبعثرة.. الألم، متنقلا، وتحت حبات المطر.. يأتي الحنين، ومع البرد القارس.. يأتي الأمل، لا أعرف عن أي أمل أتحدث! ولا عن أي أمنية، فلكل واحد هنا أمل.. ولكل واحد هنا أمنية، كل ما أخشاه أن أُسأل الآن عمّا أحلم وما أريد، سأغمض عينيّ من جديد وأجلس في المقعد الأول من الصف والقلم يداعب يدي، والدفتر… وأنا أسمع صوت التصفيق لي منفردة.

عفوًا أيها المارد

عفوًا بابا نويل

فهذه ليست أحلامًا تستحق الشعوذة.

أنا أحلم بوطن يسكن فيني

كما يسكن الجسد الأفئدة

أحلم بوطن يجري فيني

كجريان الدم في الأوردة

وطن يُنسيني….

ما يضنيني

يقلع مني جذور الذل

ويحييني

وطن  كذاتي

وطن كهويتي

وطن كذكرياتي

وطني
وطني دونك الأبواب موصدة

وسماء مجدك بالسواد ملبدة

كن قويًا واشحن الإيمان فيني

كن صبورا ولا تقل سامحيني

أنا منك

وأنت مني

ولم يخب يومًا فيك ظني

أنا ابنة الوليد بكل فخر

رغم الصعاب ورغم القهر

أنا الياسمين في الشام

أنا الزيتون

أنا التفاح

أنا الليمون….

وطني الحبيب أرجوك صبرًا

لا تجعل  الضحكات قهرا

ربي لن يطيل الظلم دهرا

قال وهو الحق

إن بعد العسر يسرا

15-05-2016
مخيم كاڤالا اليونان

اترك تعليقاً

السوري فراس الشاطر ضمن قادة الجيل القادم بحسب مجلة تايم

رغم الخوف من الإرهاب مباريات كأس أوروبا 2016 تبدأ اليوم، وتدابير أمنية عالية