in

آخر الناطقين في كولونيا

فالتر هيرمان

مازلتُ أذكر جيدًا دقائقي الأولى في كولونيا، كان الشاعر، والصديق، رامي العاشق، بانتظاري، وكان هذا لقاءنا الأول رغم أن صداقتنا “الافتراضية” امتدت لسنوات، لكن الحدود ووثائق السفر والأختام المقيتة حالت دون لقائنا.

أبهرتني الكاتدرائية الهائلة التي كانت أول ما رأيته من معالم المدينة، ألوانها المغبرة، نقوشها البديعة، ساحتها المهيبة، ومنظر مئات السياح حولها.. بينهم رجل سبعينيّ يقف بقرب لوحات رفع فوقها علم فلسطين!

كان المشهد غريبًا، لوحات لخراب، وعلم شعب جريح وسط كل هذا الفرح، شعرت، وأنا القادم من بلاد الجراح، بألفة غريبة، فالجرح أقرب إلي من كل هذا الفرح. تأملت اللوحات والعلم قبل أن أتأمل الرجل، كانت لقطات لمعالم فلسطينيّة ولأحياء تعرضت للقصف، ولأطفال جرحى.. لولا العلم، لحسبتها لقطات من بلدي سوريا.

أخبرني رامي: “يقف هذا الرجل هنا في نهاية كل أسبوع منذ سنوات، مذكرًا الجميع بالمأساة الفلسطينية، وبالجرائم الإسرائيلية”

سألته: “ألماني؟”

أحاب: “أجل..” ثم تابعنا سيرنا..

لاحقًا، صار الرجل ولوحاته من معالم كولونيا بالنسبة إلي، أثار إصراره العجيب، وصبره على الوقوف لساعات قرب لافتته، إيمانه بقضية إنسانية مطلقة، قضية ليست قضية بلاده أو شعبه، ربما، لأنني قادم من بلاد الشقاء، لم أكن معتادًا على التفكير بقضايا بعيدة عني، فقد مرت كوارث إنسانية عدة دون أن أفعل شيئًا.. وهل كنت أصلًا في مكان يسمح لي بالفعل!

رغم أني مررت به كثيرًا، لم أكن شجاعًا يومًا بما يكفي لأقف وأسأله: أتعتقد حقًّا أنك تفعل شيئًا؟ أتعتقد أن هذا العالم المجنون الذي يرى في سفاح رئيسًا شرعيًا.. وفي طيار يقصف مدنيين أبرياء بطلاً قوميًا.. أتعتقد أن لافتات وصورًا ستغير فيه شيئًا؟ ورغم جبني، فقد كان شجاعًا كفايةً ليجيبني دون أن يخاطبني يومًا: تعلم أن تقول “لا” في وجه هذا الشر، حتى وإن لم يسمعك أحد.. الأرض ستسمعك، السماء، العابرون بلا اكتراث: سيكترثون، المتجاهلون عمدًا: سيضطرون للالتفات إليك. كان الرجل الصامت ممتلئًا بالإجابات لكل أسئلتنا، بما يكفي ويفيض، نحن العابرين المثرثرين في شوارع الصمت.

Klagemauer2007

حين عرفت تاريخه، لم أصدق أن هذا الرجل كله، يقف وحيدًا ليمزق بصمتِ لوحاتِه صخبَ أصواتنا التي لا تقول شيئًا..

فالتر هيرمان..

ولِد في 26.01.1939 في مدينة فورتزبور، ويعتبر من أشهر الناشطين السياسيين في مدينة كولونيا لإنشائه “حائط المبكى” في المدينة.

درس “التعليم المدرسي” ودرّس في مدينة فورتزبورغ لخمسة أعوام وانتقل بعدها عام 1960 إلى كولونيا ليدرس علم النفس في جامعتها.

في كولونيا، كان هيرمان عضوًا في منظمة الطلبة الاشتراكيين وساهم بتأسيس الجمعيات السكنية للمشردين. ثم قرر الابتعاد عن التجمعات السياسية واصفًا العمل السياسي بأنّه “ضروري ومهم، ولكن يجب أن يكون حرًا من المنظمات والهيكليات التي تحد من قوته وحركته”.

في عام 1980 أسس هيرمان أول “حائط مبكى للبحث عن سكن” من الورق المقوى في منطقة بيربرونين في كولونيا بعد أن طرده مؤجره من سكنه الذي كان يقيم فيه. وقامت الشرطة بهدم الحائط عدة مرات.

بنفس الطريقة والفكرة أسس هيرمان عام 1991 “حائط المبكى للسلام” عقب حرب الخليج الثانية على حائط كاتدرائية كولونيا “الدوم”. ما وضعه في صراع دائم مع إدارة الكاتيدرائية والشرطة وبلدية المدنية. ولم يكن هذا الشيء الوحيد الذي عانى منه هيرمان، فبالإضافة إلى المحاكمات التي تم اقتياده إليها كان على هيرمان ومناصريه الدفاع عن حائطهم من هجمات اليمين المتطرف.

في عام 1998 حاز هيرمان ومناصريه على جائزة آخن للسلام عن عمله وعن نشاطه من خلال حائط المبكى الذي أقامه. في نهاية عام 2015 كانت الفترة الأخيرة التي قام هيرمان بعرض حائط المبكى للسلام على العموم ليسقط بعدها طريح المرض حتى وافته المنية في حزيران-يونيو 2016.

تعرض هيرمان منذ عام 2005 للعديد من الانتقادات لتحدثه عن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي واتخاذه موقفًا واضحًا تمامًا تجاه هذه القضية لصالح الفلسطينين وهذا لم يعجب كثيرين ممن مروا بحائطه واللوحات والمعلومات المعلقة عليه. وصلت الانتقادات لذروتها عام 2010 مع نشر هيرمان صورة كاريكاتورية تظهر إسرائيليًا يلبس العلم الأمريكي ويقوم بأكل أطفال فلسطينين بشوكة وسكين. فتم اتهامه بمعاداة السامية، وقد دحض هذه الاتهامات مبرزًا متى وكيف تم وضع هذه الصورة، حيث تم أخذها من جريدة ووضعها مع باقي الصور واللوحات على الحائط الذي يشكل ملفًّا زمنيًّا عن الصراع الفلسطيني–الاسرائيلي.

في عام 2015 وجد القضاء هيرمان مذنبًا بتهمة انتهاك قوانين حماية الأطفال في مدينة كولونيا وحُكم عليه بغرامة كبيرة لعرضه خمس عشرة صورة لأطفال مصابين إصابات بالغة أو تم قتلهم.

في نهاية عام 2015 منع نادي “مركز المواطنين–قدامى الإطفائيين” في مدينة كولونيا، والذي كان هيرمان يضع حائطه ولوحاته خلال الليل في مقرهم، منع هيرمان من وضع حائطه وغيرها من المواد بحجة إهانته لأحد الأعضاء و العاملين في المركز.
اليوم.. يعبر الزوار ساحة “الدوم” دون أن يروا هيرمان ولوحاته وعلم الشعب الجريح. لعل عالمًا كعالمنا، قلّما يقول كلمة حق، وإن قالها، فقلمّا يجد أذنًا صاغية، لعلّ هذا العالم لم يكن لائقًا بروح كروح هيرمان.. ولعلّنا، سنتعلم يومًا أن علينا أن نقف في وجه كل ظالم.

اترك تعليقاً

تطبيق موبايل يلبي احتياجات العربي في برلين

القلق الألماني من نفوذ أنقرة على الأتراك في ألمانيا