الرئيسية » باب ألمانيا » ملف العدد 46: زلازل في خارطة الأحزاب الألمانية
Bildquelle: Ewa Studio / Shutterstock.com

ملف العدد 46: زلازل في خارطة الأحزاب الألمانية

حكم عبد الهادي. كاتب فلسطيني ألماني

زلازل في خارطة الأحزاب الألمانية

اشتهرت مقولة كونراد أدينهاور أول مستشار ألماني بعد الحرب العالمية الثانية؛ وهي أن هناك حزبان يحكمان ألمانيا أحدهما في السلطة والآخر في المعارضة وحزب ثالث يتصارع على ما تبقى من كراسي السلطة.

نعم، الاتحاد المسيحي الديمقراطي احتل في فترات متقطعة منذ عام 1949 أي منذ تأسيس ألمانيا منصب المستشار حوالي خمسين عاماً والحزب الاشتراكي الديمقراطي عشرين عاماً. وفي هذه الأثناء كان الحزب الثالث، حزب الأحرار، يرجح على الرغم من حجمه النسبي الصغير كفة ميزان السلطة لهذا الحزب أو ذاك ويحتل في الوقت نفسه  مراكز قيادية وعلى رأسها وزارة الخارجية، وعلى سبيل المثال تولى هانز ديتريش جنشر زعيم الأحرار الأسبق منصب وزير الخارجية لمدة 18 عاماً وكان هذا الدبلوماسي المخضرم يطير دون توقف من دولة إلى أخرى حتى قيل إنه لو اصطدمت طائرتان في الجو لكان جنشر يجلس فيهما في ذات الوقت.

باختصار يمكن القول إن الحياة السياسية في ألمانيا الاتحادية كانت رتيبة، ويذكر في هذا السياق أن هلموت كول شغل على سبيل المثال منصب المستشار 16 عاماً. كان الحزب الأكبر، في الغالب الإتحاد المسيحي الديمقراطي،  يتزعم الحكومة عن طريق الائتلاف الصغير مع حزب الأحرار الذي فقد في السنوات الأخيرة سحر مرجح الميزان وفي إطار الإئتلاف الكبير مع الاشتراكيين، كما هو الحال الآن.

في العقود الأربعة الأخيرة أصبح المواطن الألماني الذي تجاوز عمره الستين يشعر أنه يعيش في جمهورية جديدة، فقد تغيرت الخارطة السياسية بشكل راديكالي:

تأسس حزب الخضر في عام 1980، هذا الحزب الذي أصبح القوة الرابعة إلى جانب المسيحيين والاشتراكيين والأحرار، وبعد الوحدة الألمانية في عام 1989 انطلق حزب خامس وهو حزب اليسار، وأخيراً تأسس في عام 2013 حزب البديل من أجل ألمانيا والذي أصبح ممثلاً في البوندستاغ وفي جميع المجالس النيابية في كافة الولايات الألمانية.

في الستينيات كان الزعيم المسيحي البافاري- الديمقراطي المحافظ فرانس يوزيف شتراوس يقول لن نسمح أن تتشكل قوة برلمانية على يمين المسيحيين، وفي عامنا الحالي أصبح حزب ألمانيا البديل الذي يجسد اليمين الألماني المتطرف في محافظته ينافس الحزب المسيحي على سبيل المثال في ولاية زاكسن على مركز الحزب الأقوى.

في السابق كان يطلق تعبير حزب الشعب Volkspartei، أي الحزب الذي يمثل جميع شرائح الشعب بنسبة كبيرة، على حزبين وهما الإتحاد المسيحي والحزب الإشتراكي، والآن لم يعد الإشتراكيون ينتمون إلى هذا الفصيل. وفي المقابل يلاحظ صعود  الخضر وحزب البديل ولو ببطء إلى الموقع الذي كان يحتله الاشتراكيون. لقد تغيرت هيكلية الأحزاب الألمانية بشكل جذري.

 ما هي الأسباب التي أدت إلى هذه الزلازل في تاريخ الأحزاب الألمانية الحديث؟ 

لا شك أن قضية البيئة أصبحت منذ السبعينيات من أهم هذه الأسباب، إلى أن احتلت في الوقت الحالي مكان الصدارة بعد أن تراجع تأثير قضية اللاجئين في الآونة الأخيرة. وفي مطلع الثمانينيات كثر الحديث في وسائل الإعلام عما يسمى موت الغابات التي تشكل ثلث مساحة ألمانيا. ولسوء طالع الاشتراكيين فات على أذكيائهم، وعلى رأسهم المستشار الاشتراكي الأسبق هلموت شميدت هذا التطور الهام. 

وأخيراً وفي الوقت الراهن ساهمت قضية “كارثة المناخ في العالم”  في تعزيز النجاحات البرلمانية الهائلة التي حققها حزب الخضر. ولعل حركة البيئة العالمية التي يتصدرها “بنات وأولاد المدارس” بقيادة الطالبة السويدية جريتا تونبيرج لعبت دوراً في هذا المضمار.

ومن ناحيتها عززت الوحدة الألمانية مكانة حزب اليسار مؤقتاً والتي تراجعت خاصةً في شرق ألمانيا بعد انتصارات حزب ألمانيا البديل مؤخراً في انتخابات ولايتي زاكسن وبراندنبورج.

غني عن الذكر أن أعداد اللاجئين الذين “تدفقوا” منذ عام 2011 على إثر الحروب في سوريا وأفغانستان والعراق بالإضافة إلى تردي الأوضاع في أكثر من بلد أفريقي، أربكت المجتمع الألماني  وعززت شعبية حزب البديل الذي وضع  محاربة اللاجئين والإسلام على رأس قائمة شعاراته وأهدافه.

بدأ هذا الحزب يتغلغل في جميع شرائح الشعب الألماني بما في ذلك النقابات والطبقات العمالية والمتوسطة. صحيح أن هذا الحزب المتطرف لا يستطيع المشاركة في حكومة إئتلافية حتى الآن، لأن الأحزاب الأخرى ماتزال مصرة على مقاطعته، ولكن السؤال يبقى: إلى متى؟

من الواضح أن المناخ السياسي العالمي بزعامة ترامب وما في هذا الاتجاه من تطرف قومي، أجج نفوذ الحركات اليمينية في أوروبا أيضاً ونذكر في هذا السياق ليس ألمانيا فحسب بل أيضاً فرنسا وإيطاليا والمجر وبولندا والتشيك وسلوفينيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه مجدداً: إلى متى، وهل هي ظاهرة قصيرة المدى أم ستشغل العالم في العقود القادمة؟

مواد أخرى عن الوضع السياسي في ألمانيا:

هل يكون فيديو على اليوتيوب سبباً في تغيير الوجه السياسي للبلاد؟

الائتلاف الحاكم في ألمانيا، بداية النهاية وأسباب الزعزعة

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“سيناريوهات العودة إلى سوريا.. شهادات حية”.. موضوع ندوة حوارية في برلين

منظمة سيدة سوريا وبالتعاون مع جمعية “.ZusammenWachsen e.V” تتشرف بدعوتكم لحضور الندوة الحوارية الثامنة من “المنتدى الثقافي للمناصرة والتغيير” بعنوان: “سيناريوهات العودة إلى سوريا ، شهادات حية”. سيتناوب أربعة لاجئين سوريين مقيمين في برلين على رواية قصصهم الشخصية وتبعات العودة إلى سوريا في الوقت الراهن. ...