in

شاري الكلمات

اللوحة للفنان شادي أبو سعدة

شريف الرفاعي* لم يكن الشاعر دينوس سولوموس، وهو من أبٍ إيطالي وأم يونانية، يتقن اللغة اليونانية. ويقال أنه ليتعلمها كان يجول في البلاد، يلتقي الناس ويشتري منهم الكلمات التي تعجبه. ذاعت شهرته وأصبح القرويون والبسطاء والأطفال ينتظرون مجيئه، يلاحقونه بكلماتهم، ينتقون أفضلها…

وأصبح هو شاري الكلمات.. قد يكون هذا مانحن بحاجةٍ اليه، نحتاج إلى من يجول على الناس ليشتري كلماتهم وآلامهم وأحلامهم، لا لمن يبيعهم الكلام والأحلام والآمال.

أطرق السمع! فهناك في الأفق الممتد أنين لاتخطئه الأذن، ووجع لايخطئه القلب.
ناس فقدت كلماتها، وبعض الكلام لايقال، وأكبر الأوجاع مالا يُروى فمن الصعب رواية الملحمة وعيشها بآن. والملحمةُ لا أفق لها، كل شيء فيها زائدٌ يتضاعف، موتها، قبحها، جلالها، عنفها، لامبالاتها، ذكاؤها، غباؤها، كشفها لخبايانا، للاحدود حبها، للاحدود حقدها. ماذا بقي فينا وفي هذا العالم لم يُعَّرَ بعد؟

أطرق السمع، فمازالت المسافات شاسعةً بين الكلمة والراوي، والرواة كثر. بعضهم كَذَبة، والحكاية لاتصل وإلا فكيف لم يتوقف الموت؟

يتجول شاري الكلمات الجديد، السماء لا أمان لها، والأرض عواميد نار، خلف الزيتونة المباركة قناص، ووراء تلة العشق الممنوع قذيفة. يختلط الهارب بلون جحيمه ولاعائدون على درب الخروج الطويل.

يتجول شاري الكلمات الجديد، فيجد المنافي تلفظ منفييها كالطاعون، تصمت أفواههم فلا ترى إلا العيون، والعيون تنظرك فتريك أنك ترى وأنك عاجز، وأن موتك فيها معلنٌ لا تفتأ تؤجله، فلا تباغته بل يباغتك.

يتجول شاري الكلمات الجديد، فيجد الأرض تضيق بمن فيها. بين جذر الأرض العتيقة وحاضرها عازلٌ من ثلج. ماذا بقي للعرب من أرض العرب؟ مِّزقْ تعش، تعلم فن الرقع وطمس الألوان، القتل مهنة لا تخلو من براءة كالحياكة وتربية النحل. والقاتل كالغائب “عذره معه”، والأعذار على عدد رمال الصحراء. ثم تقول الأرض أن كفى! صحيح أنني للقبور، وأنكم مني وإلي، لكن ليس بهذا الظلم ولا بهذا السخاء،

فما القبر إن لم تنبت على جوانبه زهور الزائرين؟ وما القبر إن كان منسياً مجهولاً؟ لا يحتمل البلد أكثر من نصبٍ واحد للجندي المجهول!

يتجول شاري الكلمات الجديد، تلامس يديه أيادٍ كثيرة، الطيبة لا تفارق هذه الأرض ولا أولئك الناس، هي فطرتهم ودليلهم ولا دليل سواها، هي من ترش على الحقد الأسود عنبرها السحري فتفوح رائحة تنسيك الهول. من لم يذق طعمها لم يعش، ومن لم يغرف من كنوزها لم يعش. والطيبة هنا، عصية، يغطيها الدمار، لكنها عصب الأرض وسرها.

يتجول شاري الكلمات الجديد، هو الحب إذاً؟ هنا؟ من عمق الموت وأزيز الرصاص؟ هاهو يأتيك وقد ظننت القلب قد تعفّن، مجرداً، مطلقاً، محفزاً، تحفر الأرض تستنبطه، تعيد للمرة المليون، اختراع الياسمين.

هو الحب إذاً، شتلة التين، الوجه الذي يتقبل كل الوجوه وابتسامة اللؤلؤ على شفاه عاشقة.

يتجول شاري الكلمات الجديد، لا كلمات تُشرى، هي كلمة واحدة، تحمل الكون مذ كان وتمنع السماء من السقوط.

شريف الرفاعي* كاتب ومعماري سوري مقيم في باريس

اقرأ/ي أيضاً:

ثلاثة مشاهد باريسية…
حياتنا بدون أماكن ثابتة
احتفالات الهدنة وآلة الحروب التي لن تتوقف

الشفاء من كورونا

الشفاء من كورونا: متى نقول عن المصاب بفيروس كوفيد 19 أنه تعافى تماماً؟

صندوق النقد الدولي يطلق اسم جديد على أزمة كورونا الاقتصادية 2020