in

سأخبرك

الصورة للفنان أيهم مليشو İstanbul 2016

فرح يوسف.

يأتي على كل فتاة وقت تحتاج فيه لاستعراض مهاراتها في فن الإنشاءات الأنثوية، في هذه الأوقات تشعر بجدوى كل الفيديوهات التعليمية التي شاهدتها ولم تجرّبها بعد، وتشعر بقيمة إنفاق نصف دخلها على دورة التجميل حتى إن لم تجرّب بعد أيًّا من التقنيات التي تعلّمتها.

أين سترتدي فتاة مثلي طبقات سميكة من مساحيق التجميل لتحصل على “المظهر الطبيعي”؟؟ ألم أخبركَ أنني عشتُ سنين الحرب خمسًا بكلّ هولها، ونزعت مساحيق الوجه حدادًا مرتين؟

حسناً سأخبرك، أنا فرح، عشت سنين الحرب خمسًا بكلّ هولها، ونزعتُ مساحيق الوجه حدادًا مرتين.. لنعد الآن إلى موضوعنا.

تزامن وصولي إلى أوروبا مع عيد الهالوين، وتأكّدت حقيقة أنّ للقدر هواية “مجاكرتي”.

كمحاولة للاندماج شاركت في الاحتفالات، وكأوروبية لطيفة خرجت لأمارس تسوّق “العيد”، إلّا أنّ الزي الذي اخترته لم يكن مزينًا بكلمة “sale”، صرخ خواء محفظتي في وجهي، ولم تسكت حتى أعادتني مجبرة إلى المنزل.

جلست أمام المرآة، فردت غنائمي، وبدأت بطبقة سميكة من خافي العيوب حول عيني، في محاولة لإقصاء المغارتين المعتمتين أسفل عيني من الزي، طبقة من كريم الأساس الوردي، هذا الشحوب الجنائزي ليس جزءًا من المظهر المطلوب أيضًا، الكثير من أحمر الخدود لتفاحتي خدّين غير مسمومتين، وصفٌّ من الأظافر الصناعية لتغلق فم الوشاية، هذه الأظافر المقضومة تشبه نهاية إصبع اتهام سمج، وأخيرًا جينز ممزق يسمح لهواء كانون أن يسرح ويمرح، وكنزة سوداء رقيقة تشبه قليلاً ملابس حدادي.

طرقات على الباب، أطفالٌ صاخبون: “?des bonbons ou on sort”..  حلوى أو لعنة؟

لماذا لم يطلب الموت “تحليته” قبل أن يصبّ علينا لعناته في بلادي؟

يحدّق فيّ “سبايدر مان” الصغير بملامح لاعب بوكر متمرس، وتسكت “سنو وايت” تمامًا، أعطيهم الحلوى وأدرك أنّ هذه الكارثة التي أحدثتها في ميزانيتي لم تكفِ، ما يزال مظهري مرعبًا أكثر من المطلوب.

أعود إلى المرآة، ما زالت الليالي الطويلة من الأرق باديةً، لم أنجح بإخفاء انتظاري لطيار “متقّل بالفودكا” يضلّ طريقه عن أطفال بلادي ويجيء بحمولته إلى حيث أنا، ومازالت فوبيا البرد تهزّني، أشعر بالبرد حتى وأنا أذوب كمنحوتة جليدية بائسة في آب، ومازال وقع أخبار الصباح حاضرًا في شحوبي.

هل يعلم العالم أنّ شابًا في بلادي تنكّر بجثة في مشرحة كلية الطب ليفاجئ أخته في الهالوين؟ هل يعلم العالم أن المزحة كانت ستبدو مضحكة لو أنّها كانت مزحة بالفعل؟ لماذا لا يقوم الأموات في بلادي ككل “الزومبي”؟

عليك أن تعذر تشتتي، فعلى الرغم من تمرّسي لـ 1825 يومٍ على “الهالوين” في بلادي يبدو هذا اليوم صعبًا في هذه البلاد، ما زلت أرى لون الدم على شفاهي، حسنًا لنعتبره جزءًا من المظهر المطلوب، فتاة عادية في مساء خريفي في أوروبا، بإمكاني العمل مع شفاه حمراء، طبقة من الروج النبيذي الداكن، محاولة واثنتان لفرد ظهري، محاولة واثنتان وثلاثة لابتسامة وادعة، وطرقات الباب:

“Des bonbons ou on sort?? ” .. الحلوى أو اللعنة؟؟

مجددًا، لماذا لم يطلب الموت “تحليته” قبل أن يصبّ علينا لعناته في بلادي؟

يأخذ “باتمان” الحلوى، تبتسم اليقطينة التي لا تعرف بعد حواجز اللغة، تأخذ حلواها وتعانقني، تدور سندريلا ضاحكة حول نفسها عدة مرات وتشكرني.

أميل عليها، وأهمس: “أنت جميلة جدًا.. أجمل من أي سندريلا”

وبهذا يكتمل تنكري، فتاة عادية في مساء خريفي في أوروبا، فتاة عادية في مساء خريفي في أوروبا قادرة أيضًا على الإحساس بالجمال، نعم، قادرة على الإحساس.

اترك تعليقاً

فيتامين الشمس

خلافًا للتوقعات، اليمين المتطرف مهزومًا في النمسا