in

الانتخابات الأوروبية، ما الذي يميز هذه الانتخابات عن سابقاتها؟

د. هاني حرب – باحث ومحاضر في جامعة هارفرد – USA / مؤسس الجمعية الألمانية – السورية للبحث العلمي وأمين سرها

تختلف هذه الانتخابات جذرياً عن ما سبقها بسبب المتنافسين السياسيين فيها، كمشاركة بريطانيا بهذه الانتخابات رغم قرار البريكسيت الذي مر عليه أكثر من عامين، وصعود اليمين المتطرف في عدة دول أوروبية، وامّحاء الصبغة الاشتراكية التوحدية الأوروبية ضمن هذا الاتحاد.

في الانتخابات السابقة كان الصراع السياسي بين جهتين؛ الاشتراكيين من جهة واتحاد أحزاب اليمين ويمين الوسط من جهة أخرى. وكانت الأحزاب المتطرفة اليسارية واليمينية طرفاً متفرجاً، لا تزيد حصتها عن ١-٣٪ من الأصوات.

عام ٢٠١٠ نجح فيكتور أوربان في الانتخابات الهنغارية وكان هذا المسمار الأول في سلم صعود اليمين المتطرف رويداً رويداً في أوروبا إلى السلطة.

ومع بدء الربيع العربي عام ٢٠١١، ومن ثمّ الموجات المتعاقبة من الهجرة واللجوء نحو أوروبا والتي انتهت تقريباً نهاية عام ٢٠١٧، والتبعات الديموغرافية والاقتصادية المرافقة، إضافةً إلى المشاكل التي بدأت مع الانهيار الاقتصادي عام ٢٠٠٩، ظهرت ردود فعل مختلفة في الدول الأوروبية؛ ففي إيطاليا نجح حزب النجوم الخمسة ولا ليغا اليمينيان المتطرفان في الانتخابات الأخيرة ليسيطروا تماماً على الحكومة الإيطالية، والتي قامت بتغيير جذري في سياساتها بعيداً عن الاتحاد الأوروبي.

في النمسا وبولندا والتشيك وسلوفاكيا وبلغاريا نجح اليمين المتطرف في السيطرة على البرلمانات والحكومات. في ألمانيا، نجح حزب البديل من أجل ألمانيا في أن يكون أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان وأزاح في الفترة من نهاية ٢٠١٨ وبداية ٢٠١٩ الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن المرتبة الثانية من حيث القوة السياسية.

أما في فرنسا، فكان نجاح ماكرون في الانتخابات الفرنسية الأخيرة السد المنيع الأخير ضد هذه الأحزاب حيث وصلت ماري لوبين إلى الجزء الأخير من الانتخابات مطيحةً أيضاً بمرشحي حزب اليمين الوسط وكذلك الحزب الاشتراكي بكل سهولة خلال الانتخابات. ولا ننسى أيضاً أن البريكسيت وتبعات خروج بريطانيا أدى لتبعات كثيرة ضمن الساحة السياسية الأوروبية.

إن صعود اليمين المتطرف بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، جعل تكتل هذه الأحزاب مع وجود الدعم الروسي الخفي عنصراً هاماً وفعالاً لتغيير الديموغرافية السياسية في البرلمان الأوروبي في هذه الانتخابات.

في هذه الانتخابات ليس هنالك معسكران متنافسان، بل ثلاثة معسكرات أو حتى أربعة مع اعتبارنا أحزاب الخضر والأحزاب اليسارية ضمن هذه المعمعة السياسية.

ما الذي حدث؟ ما الذي سيمكن الأحزاب الاشتراكية من العودة إلى الساحة السياسية؟

قبل حوالي شهرين، نجح الحزب الاشتراكي في إسبانيا في الانتخابات المحلية. كان هذا أول ضوء مشرق للاشتراكيين في أوروبا منذ عدة سنوات. تبع ذلك تغيير في بعض سياسات الحزب الاشتراكي في ألمانيا، والذي يشكل مع الحزب الديمقراطي المسيحي (يمين) الحكومة الألمانية الحالية بقيادة أنغيلا ميركل. إن الضغط السياسي الحالي لمشاريع كالتقاعد للجميع، التأمين الصحي، وغيرها من المشاريع التي جعلت الحزب الاشتراكي الديمقراطي مشهوراً سابقاً، أدى لاستعادة هذا الحزب مكانته بين الناخبين الألمان.

فضيحة أيبيزا

الذي أدى برأيي لتغيير الدفة كاملةً وقلب موازين الأمور هو فضيحة أيبيزا (مدينة إسبانية على شواطئ مايوركا)، والتي كان بطلها هاينز كريستيان شتراخه، رئيس حزب التحرير سابقاً اليميني المتطرف، حيث وعد شتراخه الروس بتقديم تسهيلات استثماريه لهم في النمسا مقابل مبالغ كبيرة لدعم حملته الانتخابية. هذه الفضيحة أدت لاستقالة شتراخه الذي كان حتى الفضيحة نائباً للمستشار النمساوي ورئيساً لحزب التحرير. تبع ذلك استقالة كل وزراء حزب التحرير من الحكومة النمساوية والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

خارطة أوروبا إلى أين؟

 اليمين الشعبوي جاء أولاً في كل من فرنسا (حزب مارين لوبين)، إيطاليا (حزب الرابطة) والمملكة المتحدة (حزب نايجل فاراج)، ورغم الخسارة الكبيرة للائتلاف الحاكم في ألمانيا، إلا أن شعبويي ألمانيا جاؤوا في المرتبة الرابعة، فهل سيتمكن هؤلاء من تغيير خارطة أوروبا مع توجه أحزاب الوسط نحو الانهيار؟

على أية حال ورغم خسارة الأحزاب التقليدية (المحافظة والاشتراكية) في هذه الانتخابات إلا أنها بقيت تشكل أكبر كتلتين في البرلمان الأوروبي. كما أن تراجع كل من المحافظين والاشتراكيين في كثير من البلدان، ترافق مع فوز رائع لحزب “الخضر” بموضوع البيئة والاهتمام بأوروبا اجتماعية تحمي حقوق مواطنيها في كل أنحاء الاتحاد الأوروبي. من جهةٍ أخرى فإن ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات الأوروبية تؤكد ازدياد اهتمام الناس بالاتحاد وبقضاياه.

ما الذي ينتظر أوروبا بعد هذه الانتخابات؟

من المؤكد أن وجه أوروبا الحالي سيتغير تماماً بعد هذه الانتخابات. وإن كان التغيير سيعود بالإيجابية على المهاجرين والأقليات في أوروبا أم لا، فهذا الأمر علينا أن نتابعه لاحقاً.

مواد أخرى للكاتب:

بعيداً عن تأثير الدين: اللغة العربية لأطفال المهاجرين… الأهمية والمصاعب!

أنغيلا ميركل: كيف قتلها شغفها للمساعدة سياسياَ؟

سياسة الأطفال التي ينتهجها “زيهوفر” ونتائجها

ألمانيا… تمديد تعليق ترحيل اللاجئين السوريين حتى نهاية 2019

القضاء الألماني يصدرُ حكماً بالسجن مدى الحياة على الممرض الذي قتل 85 مريضاً