الرئيسية » باب مفتوح » عن الدبس بطحينة وشياطين أخرى
الصورة من موقع www.cookpad.com

عن الدبس بطحينة وشياطين أخرى

خالد ابراهيم

ربما تعتقد أن شهور الشتاء مرت، أو على وشك المرور، لكنك مازلت في البدايات يا صديقي القارئ، البرد بدأ للتو، ومن يعرف الشتاء الألماني فعلاً سيخبرك بأنه ربما لم يبدأ بعد.

لا أفصد إحباطك ولكن أريد فقط أن أحثك لتقرأ مقالتي الأولى في هذا المجال.. الطبخ، بصراحة تجربتي متواضعة جداً، وجمهوري لا يتعدى عائلة كبيرة منحتني أكثر من عشرين من الخالات والعمات وضعفي هذا العدد من أبنائهن وبناتهنّ.

قد تبدو مصادفة غريبة ولكن الحقيقة هي أن كلا جدَّي لوالدي ووالدتي كانا مكثرين في التكاثر رغبةً في الصبية ولكن القدر أكثرهما بالبنات. وهكذا كبرت محاطاً بنساءٍ متنافساتٍ أحياناً قليلة، ومستعجلاتٍ غالباً في كل شيء.

كنت ضيفاً دائماً على بيوت العائلة باعتباري يتيم الأم، وكان أسلوب الاهتمام الموحد بين جميع الأمهات في عائلتي قائماً على إطعامي، كبرت ولداً سميناً نوعاً ما وساهم في ذلك أن جميع الأولاد كانوا مجبرين على اللعب معي بخفة كيلا أتعب ولا أتعرض لأي نوعٍ من الأذى مما ساهم في ترسيخ أكلات أمهاتهم في جسدي.

شكل الاهتمام الآخر كان وقايتي المبالغ بها من البرد، لا أحد يريدني أن أمرض فمن سيسهر بجانبي عندما ترتفع حرارتي بينما والدي مشغول بأحزانه أو بحب جديد. بالنتيجة وجدت نفسي بناءً على المعطيات السابقة خبيراً في الأكلات الشتوية، وأردت مشاركة ذلك معكم.


وباعتباري سورياً بالمولد فسأبدأ أولاً بسرد غرامياتي مع الأكلات القريبة من “الصوبيا” مدفأة المازوت العزيزة على قلوبنا وملهبة النوستالجيا التي لم نجد في غربتنا عوضاً عنها بعد.

الخبز المحمص

الخبز المحمص: التوستر هو مجرد بدعة، فنكهة التصاق الرغيف على جدار الصوبيا الملتهبة لا شيء يضاهيها، لاسيما عند الفطور، ومهما حاول الآخرون إنكار اختراعي الآتي فإنني أصر وباعتزاز على أنني مخترع عملية تبليل الرغيف بالشاي الحلو ليلتصق أكثر على الصوبيا قبل أن يسقط فجأة محمصاً محمراً وحلواً بطريقة ساحرة.. لتبدأ الوجبة الساحرة بعدها مباشرة هذا الخبز مع المكدوس أو الشنكليش.. عليّ أن أعترف الآن بأن هذه هي الذكرى والطعم الأقرب إلى قلبي من سوريا كلها.

الكشك

وتحت “كوع الصوبيا” نفسها ولكن بعد عدة ساعات سيكون الغداء قد حلّ أوانه، وعبقت الغرفة بحموضة الكشك ورغيف محمص آخر تفتته إحدى أمهاتي في الصحن الكبير العميق أمامي كي لا أحرق أصابعي قبل أن ينسكب الكشك الكثيف فوقه ببطء، بينما أمٌ أخرى تضرب بصلةً يابسة بأسفل رسغها ليندفع القلب قليلاً خارجها فتناولني إياه بسرعة وهي تلاعبني نفس اللعبة غير المضحكة “خذها بسرعة قبل ما يسبقوك وياكلوها” لا أحد في الحقيقة كان يسابق ليأكل قلب البصلة ولا حتى صحن الكشك. كانت تلك الأكلة إلزامية في الشتاء ولا سبيل لنا برفضها.

حين كبرت قليلاً وصرت قادراً على التمرد وفرض رغباتي توقفت تماماً عن الانصياع لطابخات الكشك.. الغريب أنني الآن وبعد أكثر من 23 سنة على تمردي ذلك صرت مغرماً بتلك الأكلة حتى أنني قد أسست مجموعة من “الكشك فانز”، لم أبنِ علاقةً شبيهة سواء في مرحلة الكره أو الحب مع شوربة العدس، التي كانت موجودة على الصوبيا يومياً في واحدٍ على الأقل من بيوت العائلة إن لم يكن أكثر.

“الدوسير”

أما الحلوى\الديزيرت الأثير على قلبي أو ما كان يسميه أبي “الدوسير” فكان دبس العنب أو الزبيب مع الطحينة، ربما يتذكر كثيرون هذه الوجبة الحلوة الدافئة، لكنني كنت أهتم بطريقة التقديم أكثر.. فبالنسبة لي كان يجب أن يوضع الخليط في “زبدية\سلطانية\قصعة” أو لا أعرف ما اسمها.. المهم أن تكون عميقة كفاية كي أغمس فيها كسرة الخبز المحمص تلك وأرفعها عالياً بينما ينساب ذلك السائل القرميدي على أصابعي وكامل كفي ثم فمي وذقني ثم وجوه الأطفال الآخرين حولي.

في المرتبة الثانية كان اختراع الطحينة المخفوقة بالسكر في تقليد بيتي للحلاوة الطحينية التي يصعب أن تشتريها عائلتنا ذات العدد اللانهائي من الأفواه الشرهة المتقاربة الأعمار، الطحينة بحد ذاتها لم تكن رخيصة أيضاً ولكنها عظيمة كحلوى نهربها دون أن تشاهدنا الأمهات. 

العشاء

غالباً ما يكون العشاء شبيهاً بالفطور.. وأحياناً تغلب اللبنة والزيتون لأن المكدوس الأثير على كل القلوب والجيوب لا يجوز أن يكون وجبةً يومية وبالطبع ليس وجبة يومية دوبل (صباح ومسا) إلا في حالة وجود ضيفٍ وعشاء احتفالي، وفي عشاءٍ فاخر من هذا النوع، قد يصدف أن نجد طبقاً كان لسنوات طويلة يعتبر نادراً جداً.. إنه السردين، نعم أربع سردينات صغيرات مصفوفات بعناية في صحن كبير مع قدرٍ مبالغ به من حمض الليمون الصناعي وعصرة ليمون للنكهة، غالباً يتمركز صحن كهذا في وسط السفرة الدائرية بحيث تصله أيادي الكبار بتمهل ونوعٍ من اللامبالاة المقصودة ترفعاً، بينما تعجز أيادي الصغار عن بلوغه ويكتفون بالعربشة قرب آذان أمهاتهم هامسين “اعطيني لقمة”..

أنا لم أحتج يوماً لهذا الطلب، كانت القم تأتيني كل بضعة دقائق من خالٍ هنا أو عمة هناك.. وأحياناً من الضيف مع ترحمٍ خافت ونظرة حزن مشفقة.. مضحكة في الحقيقة كما أراها الآن. فلطالما أثارت غيرة وحنق آخرين. المهم في أشهرٍ كهذه تقتصر العشاءات في أواخر الشهر على الخبز المحمص على الصوبيا ذاتها ولكن مغموساً بالشاي.

في أغلب الأحيان كنت أنال “سناك” سري دوناً عن الآخرين، فقد أحصل على سندويشة شيءٍ ما، أي شيء.. بصل أخضر بزيت مثلاً مع رشة ملح وعصرة ليمون كانت كفيلة بإشعاري بالسعادة طوال اليوم، سودا مشوية بالشوكة على الغاز، أثناء الإعداد لطبخة الغداء ودون أن ينتبه الباقون، هبول التين (تين مجفف)، كمشة بذور قرع محمصة، ربع أو خمس موزة فغالباً ما كان للموز حظوة لدى الجميع أكثر مني ويجب تقاسمه بالعدل مع باقي الأطفال.

أما خاتمة هذه السهرة من النوستالجيا فهي مفاجآت الأيام المميزة التي تصلني تهريباً من نساء العائلة الحنونات، قرص كبة مشوية مخبأة من آخر حفلة كبة منذ عدة أشهر، علبة جبنة مثلثات، ولا تهم الماركة سواء كانت البقرة الضاحكة أو أبو الولد أوغيرها طالما أن النتيجة هي ولد ضاحك جداً.. كما أنا الآن.

اقرأ/ي أيضاً:

مطبخ من غربتي.. من مونتريال.. “قوت القلب خبزة ولبنة”

زاوية: مطبخ من غربتي… تجارب السوريين الغذائية والمطبخية في بلدان المهجر 1

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل نجوتَِ؟؟ عن مفهوم النجاة والهروب لدى لاجئين سوريين في ألمانيا

إعداد: سعاد عباس. رئيسة التحرير ضمن ملف هذا العدد من أبواب الذي يتناول موضوع النجاة، وفي محاولة العثور على إجابات على تساؤل قد يبدو بسيطاً “هل نجوتَِ”، أجرت أبواب لقاءاتٍ مع 47 لاجئ ولاجئة سوريين يقيمون في أماكن متعددة من ألمانيا، بعضهم يدرس أو يعمل ...