الرئيسية » باب مفتوح » ردًا على إيزابيل شاياني: الاندماج حاجة.. وليس عرضًا

ردًا على إيزابيل شاياني: الاندماج حاجة.. وليس عرضًا

بداية أشكر السيدة شاياني على ردّها لأنه يتيح مجالاً للحوار والنقاش، وبالتالي عدم ادعاء امتلاك الحقيقة من قبل أي طرف، وأودّ التنويه أني أًكِنّ لها كل الاحترام والمودّة، وأنه لا يوجد أي خلاف شخصي بيننا، ولكن يبدو لي واضحًا أن هناك بعض النقاط في مقالي قد أسيء فهمها، لذلك سأحاول في هذا الردّ إعادة شرح بعض النقاط الإشكالية، كما سأحاول الإشارة إلى الأخطاء التي وقع فيها مقال السيدة شاياني. قبل ذلك أودّ الاعتذار لأنّ ردّي تأخر، وذلك لأن السيدة شاياني كتبت ردّها بالألمانية ونشرته مع مقالي المترجم من العربية، ولم أستطع قراءة الردّ على مقالي إلّا مؤخرًا.

 

 اقرأ: رامي العاشق: هذا الاندماج كذبة كبرى

 

خطآن في العنوان

كنت قد عنونت مقالي بـ “هذا الاندماج كذبة كبرى” وحين أقول (هذا) يعني أنني أتحدّث عن أشياء محددة تم ذكرها في المقال، تتعلّق بفهم المصطلح والعمليّة، فلا يجوز أن يكون الردّ عامًا وفضفاضًا كما عنونتْ السيدة شاياني “الاندماج عرض صادق” فالحديث عن محدد يجب أن يردّ عليه بمحدد.

الخطأ الثاني في العنوان هو قولها بأن الاندماج “عرض” وأنا لا أرى هذا صحيحًا أبدًا، فالاندماج ليس عرضًا، بل هو “حاجة” لكلا المجتمعين، المحلّي والقادم حديثًا، والحديث عن “عرض” مقدم من قبل شخص ما، هو تكريس لخطاب استعلائي رائج حاليًا، يفترض أن هناك من هو أقوى، أغنى، أذكى وأكثر حضارة، وبالتالي عليه أن يقدم “عروضًا” من الأعلى إلى الأسفل لهؤلاء الذين هم أدنى منه.

لنكن واقعيين، عن أيّ عرضٍ نتحدّث؟ هل يُفرضُ العرضُ فرضًا ويعاقب من يتوانى عن الالتزام به؟ “قانون الاندماج الجديد ينص على تخفيض المساعدات عن من لا يذهب إلى دورة “الاندماج” وعدم منحهم الإقامة الدائمة” وأنا هنا لا أدافع عن الذين لا يذهبون إلى الدورة، لكنني فقط أنفي تمامًا أنه “عرض” فالعرض لا يمكن أن يكون إلزاميًا، العرض يمكنك قبوله أو رفضه.

 

اقرأ: رد على رامي العاشق: الاندماج عرض صادق

 

من قال إن اللغة ليست مهمّة؟؟

تقول السيدة شاياني: “يدّعي رامي أن الحكومة الألمانية تعتبر دورة اللغة من 600 ساعة، ودورة الثقافة من 60 ساعة هما الاندماج” وأنا لا “أدعي ذلك” فما يسمّى بـ “دورة الاندماج” هو “600 ساعة للغة و60 ساعة للثقافة” ولست أنا من سمّاها كذلك!. وتتابع ردّها وكأنني قد قلت إننا لا نريد أن نتعلّم اللغة، أو إن اللغة ليست مهمة، وهذا غير صحيح، أنا قلت إنها ليست كافية، بذلك، قدّمني مقال السيدة شاياني أمام القارئ الألماني وكأنني أرفض تعلّم اللغة!، وأحرّض اللاجئين على رفضها!

برأيكم، كم هو شاسع ذاك الفرق بين “اللغة ليست مهمّة” وبين “عدد الساعات ليس كافٍ”؟

 

البوسترات التعليمية

تقول السيدة شاياني إن “استخدام الكتيّبات بسبب العجز” أي أن المنظمات الألمانية تستعمل المنشورات بسبب عدم وجود لغة تواصل بينهم وبين اللاجئين، وأنا لم أعترض على إصدار المنشورات، بل على محتوى بعضها المسيء، وتضيف: “يجدها اللاجئ مطوية على الرفوف بشكلها الأنيق في قاعات الانتظار” وأنا أيضًا لم أتحدّث عن كتيّبات مطويّة، بل تحدثت عن منشورات تعلّم اللاجئين استعمال المرحاض، بطريقة مهينة استعلائية، وتتابع معتبرة أن هذه المنشورات: “محاولة بناءة لفتح آفاق أمام اللاجئين إلينا فرارًا من بلدانهم. إنها ترسل الإشارة التالية للاجئين: نريد العيش معكم”، وأنا أريد أن أسأل: هل الحديث مع الآخر بلغة استعلائية يقول “نريد العيش معكم”؟ التعامل مع الهارب من الحرب كشخص متخلّف قادم من الأدغال لا يعرف كيف ينظّف نفسه، هل هذا يقول “نريد العيش معكم”؟ هل حقًا لا يعرف القادم من الريف كيف يستعمل المرحاض؟ ولنفترض جدلاً أن شخصًا ما، قادم من الأدغال، لا يعرف ذلك، هل الحل أن أضع بوسترًا لجميع اللاجئين أعلمهم فيه ذلك!؟

أجدني مضطرًا لأن أقول: في سوريا والبلدان العربية نستعمل الماء في المرحاض للتنظيف، والمناديل الورقية للتنشيف، لنفترض مثلاً أن مجموعة من الألمان والفرنسيين والسويديين جاؤوا إلى سوريا وهي في ظروف طبيعية دون حرب، -وشخصيًا أتمنى أن تأتوا إلينا دون أن تحصل حروب في بلدانكم، ودون أن تهربوا- ثم وجدنا “مشكلة” أن الأوروبيين القادمين إلينا لا يستعملون الماء في المرحاض، ماذا سنفعل؟ هل سنقوم بصناعة فيديوهات تعليمية وبوسترات لتعليم استعمال الماء؟ هل هذا منطقي؟ إن كان عليّ أن أجيب على هذا السؤال، سأقول: سأحرص دائمًا على وجود مناديل ورقية في المرحاض، ربّما سأزيد أعدادها فقط!.

 

نعم عزيزاتي وأعزائي القراء، لدي مشكلة كبيرة في التعامل مع اللاجئين على أساس الصورة النمطية، ولدي مشكلة كبيرة في وضع مجموعات مختلفة من البشر والجنسيات والثقافات والأديان والمستوى التعليمي في “سلّة واحدة” بحسب تعبير السيدة شاياني، ولدي مشكلة في تعميم أي خطأ فردي على جميع اللاجئين، ولدي مشكلة في التعامل مع اللجوء كهوية، لا كحالة استثنائية اضطر الإنسان لأن يعيشها، ولم تكن خياره.

إن كان علينا أن نكون جميعًا في سلّة واحدة، لا مشكلة، ولكن لتكن هذه السلة هي الإنسانية وحقوق الإنسان.

 

أعود لمقال السيدة شاياني، فقد ردّت فقط على القسمين المتعلقين بالحكومة الألمانية والمنظمات غير الحكومية، فيما تجاهلت ما نوّهت إليه في مجتمعات اللاجئين، كنت قد قلت إن هذه العقلية التعليمية قسمت اللاجئين إلى قسمين، الأول قبل مرغمًا، ووافق على “التعايش” بين المجتمعين، وهو خيار غير حر، كمن يتعايش مع ندبة في وجهه، أو مرض في جسده، وهذا بالضرورة سيشكل “غيتو” ومجتمعات داخل مجتمعات مفصولة عن محيطها ورافضة له، بينما الأفضل هو الخيار الحر بـ “العيش” سويةً باحترام، رغم كل اختلافاتنا. أما القسم الثاني فقد تبنّى هذه العقلية، واعتقد أنه كلّما أصبح متعاليًا وعنصريًا ضد بقية اللاجئين، كلما أصبح مندمجًا أكثر.

 

الاندماج مجددًا

بحسب السيدة شاياني، فإن الاندماج هو أن ترى “الأجانب” يعملون خلف صناديق دفع الحساب (كاشير)، وكأطباء أسنان ومعلمي لغة إنكليزية: “عندما يرى المرء هؤلاء يعملون، لا يستطيع أن يقول إن الاندماج كذبة” وهنا تعود المشكلة التي ظهرت بالعنوان مجددًا، فأنا لم أتحدث عن الاندماج بشكل عام أنه كذبة، بل قلت هذا الاندماج، ما تسميه الحكومة الآن بالاندماج، وما تقوم به بعض المنظمات دون معرفة بالآخر، وهذه الصور النمطية التي يحملها كلا المجتمعين، وتبنّاها مقال السيدة شاياني، الاندماج وفق هذه المعطيات هو كذبة بالتأكيد.

 

نعم، العمل جزء من الاندماج ولكنه ليس الاندماج، الاندماج عليه أن يكون في عدة مراحل ومستويات، اندماج اقتصادي، اندماج ثقافي، اندماج سياسي واجتماعي، الاندماج الاقتصادي وحده لا يكفي، هناك مئات الآلاف من العمّال الآسيويين في السعودية، يعملون ويعيشون هناك منذ سنوات، هل هم مندمجون مع المجتمع السعودي؟ هل هم جزء منه؟ هل هم مؤثرون في القرار السياسي؟ هل هم فاعلون في الثقافة السعودية؟ العمل مهم جدًا، واللغة مهمة جدًا كذلك، لكن أعيد القول، لا يكفي، وبهذه العقلية التعليمية، لن نحقق أفضل.

 

تختتم السيدة شاياني مقالها بـ: “لا يجب على المرء أن ينتظر من المجتمع المستقبل للاجئين أن ينكر ذاته”، ومن طلب ذلك؟! كل ما طالبت به أن نعامَل كبشر متساوين، لا أدنى ولا أعلى، وقلت إن الاندماج لن يتم إلا بالمعرفة بالآخر وثقافته، ولن يتم إلا بالتأثير المتبادل، والتعلم والتعليم المتبادل، وبالاحترام وبالدفاع عن حق الآخر بأن يكون مختلفًا، وإن الاندماج هو عملية باتجاهين لا باتجاه واحد، ولا يجب أن يطالب أحد بالانسلاخ عن ثقافته، هل هذا يعني أن ينكر المجتمع الألماني ذاته؟

 

كي لا يكون ردّي مجرّد ردّ لتوضيح سوء الفهم، سأفكر بصوت عالٍ ببعض الحلول لسوء الفهم هذا:

  • الاندماج ليس عرضًا، بل هو حاجة أساسية للمجتمعين، وعلينا جميعًا البحث عن أبواب نفتحها على الآخر بكل حب، ونسعى للعيش سويّة، وأن يسأل كل شخص منا، كم عدد أصدقائي من المجتمع الآخر؟ هل أشعر حقًا بالانتماء لهم؟ هل ينتمون لي؟
  • 600 ساعة لغة، و60 ساعة ثقافة ليست كافية، ما الحل؟ زيادة عدد الساعات، وتحديدًا المتعلقة بالثقافة والتاريخ والمجتمع والقانون، وإيجاد فرص عمل جديدة لمعلمين، يشارك فيها اللاجئون أيضًا، خاصة أولئك الذين وصلوا قبل فترة.
  • عوضًا عن استعمال المنشورات المتعالية، وتكاليف طباعتها، وعوضًا عن الفيديوهات المسيئة، والبرامج غير المفيدة، يمكنكم أن تدعموا مشاريع صغيرة للاجئين، ربما تكاليف خراطيم المياه في المراحيض (مثلاً) أقل كلفة من طباعة البوسترات وصناعة الفيديوهات.
  • عوضًا عن السلة الواحدة، تعالوا لنتعامل مع كل إنسان على أنه إنسان مفرد يختلف عن بقية الناس وله هويته وعمله وثقافته.

هناك الكثير من الحلول البسيطة، نحتاج فقط أن نفكر فيها بانفتاح على الآخر، لا بصورة نمطية وهلع من اللاجئين.

أخيرًا، السيدة شاياني، استعملت اسمي الأول في مقال ردّها ولم تقل “العاشق” كما هو الحال في ألمانيا، وقالت: “يدّعي رامي” وهذا ربّما لأنها تكنّ لي مودّة شخصية، أو ربّما لأنها تراني أدنى أو أصغر منها، أو ربّما لأنها من أصول مهاجرة أيضًا، فهل هذا يعني أنها لم تندمج بعد!؟

عن

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المكتبات العامة في ألمانيا – الجزء الثاني

ياسمين عيّود – باحثة في مجال التربية وعلم الاجتماع المكتبات العامة في ألمانيا – الجزء الثاني أنت طالب جامعة تسكن مع أهلك، لكن الجو العام لا يسمح لك بالتركيز في الدراسة أو العمل؟ أنت طالبة تعيشين في سكن مشترك، الموسيقى فوق المستوى الطبيعي بشكل دائم؟ ...