الرئيسية » باب مفتوح » المساواة أمام القانون وحظر التمييز في الدستور الألماني

المساواة أمام القانون وحظر التمييز في الدستور الألماني

عبد الكريم الريحاوي

 

كفل الدستور الألماني المساواة أمام القانون لجميع الأفراد ومنع التمييز بين الأفراد على أسس عرقيه أو جنسية أو دينية أو سياسية أو بسبب الإعاقه. فقد نصت المادة الثالثة من الدستور الألماني في فقرتها الأولى على أن: “كل البشر سواسية أمام القانون”.

ومن اللافت هنا استخدام المشرع الألماني لكلمة (البشر) بدلا من المواطنين التي ترد عادة في دساتير أخرى، باعتبارها كلمة شاملة لكل البشر الذين يعيشون ضمن حدود الولاية القضائية والدستورية لجمهورية ألمانيا الاتحادية، وهذا يتضمن جميع الفئات من مواطنين ومهاجرين وزائرين ومقيمين من كلا الجنسين.

كما خصص المشرع الفقرة الثانية من المادة الثالثة من الدستور الألماني للتأكيد على مبدأ المساواة التامة في الحقوق بين النساء والرجال والتي جاء فيها: “الرجال والنساء متساوون في الحقوق. وتشجع الدولة التطبيق الحقيقي للمساواة بين النساء والرجال وتسعى جاهدةً لإزالة أي غبن قائم في هذا المجال”.

المساواة بين الرجل والمرأة التي نص عليها الدستور الألماني قطعت في ألمانيا -كما في المجتمعات المتقدمة الأخرى- خطوات كبيرة نحو الأمام، وهكذا لم تتمكن البنات في مجال التعليم على سبيل المثال من اللحاق بالشبان وحسب، بل وتجاوزنهم في الكثير من الأحيان، ففي المدارس الثانوية (غومنازيوم) مثلا، تبلغ نسبة الإناث من المتخرجين الحاصلين على الشهادة الثانوية 56%. وتصل نسبة الإناث بين مبتدئي الدراسة الجامعية في الفصل الدراسي الأول إلى 50% ، كما أن 42% من شهادات الدكتوراه تكون من نصيب السيدات.

وتزداد أعداد النساء اللاتي ينخرطن في الحياة العملية باستمرار، ومما زاد أهمية الحصول على عمل بالنسبة للمرأة أيضا قانون حق الرعاية والنفقة في حالات الطلاق الجديد، والذي دخل حيز التطبيق في العام 2008. حيث تبلغ نسبة العاملات الآن حوالي 70% من النساء، وبينما يميل الرجال عادة للعمل بدوام كامل، تفضل النساء، وخاصة الأمهات لأطفال صغار في سن المدارس العمل بدوام جزئي، أيضا في مجال الدخل ما زالت الفوارق الكبيرة بين الجنسين موجودة حيث تكسب السيدات العاملات بدوام كامل وسطيا 77% من دخل زملائهن من الرجال، وفي مستويات المناصب العليا تصل هذه النسبة إلى 73% فقط ، وحتى عندما يزداد اقتحام السيدات لعالم المناصب العليا، فإنهن يواجهن صعوبات مهنية جمة، وفي مجال الدراسات العليا ورغم أن نصف الدارسين من النساء فإن نسبة العلماء من السيدات لا تتجاوز الثلث، بينما لا تتجاوز نسبة السيدات اللواتي يحملن لقب بروفيسور 17% من مجمل حاملي هذا اللقب.

وتبدو فكرة المساواة أمام القانون دون التأكيد على عدم التمييز بالتمتع بحقوق المساواة والحماية ناقصة إلى حد كبير، لذلك جاءت الفقرة الثالثة من المادة الثالثة للدستور الألماني للتأكيد على مبدأ عدم التمييز بين البشر في الحق في المساوة:

“لايجوز التمييز أو إلحاق الغبن بأحد بسبب جنسه، منبته، عرقه، لغته، وطنه، أصله، عقيدته أو رؤيته الدينية أو السياسية، ولا يجوز إلحاق الغبن بأحد بسبب إعاقةٍ فيه“.

في الحقيقة تعتبر هذه الفقرة ركيزة أساسية لتحقيق مبدأ المساواة العادلة في المجتمع، وتتكامل مع الفقرتين الأولى والثانية من المادة الثالثة في الدستور والتي تتطابق بشكل كبير مع المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي جاء فيها:

الناس جميعًا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز”.

 

التمييز على أساس الأصول العنصرية أو العرقية ما يزال مشكلة كبرى في وقتنا الحاضر ويتجلى في عدد من الأشكال. ففي النصف الأول من القرن الماضي، شهدت البشرية آثار النظريات العنصرية المعادية للسامية، والتي توجت بمحاولة النازية إبادة اليهود، بالإضافة إلى الجرائم الأخرى التي ترتكبها الأنظمة الإقطاعية ضد الإنسانية.

عند نهاية القرن الماضي شهدت البشرية “التطهير العرقي” في يوغوسلافيا السابقة، والقتل الجماعي المستمر في رواندا. وهذان مثالان من بين العديد من حالات الوحشية التي ترتكب في النزاعات العرقية أو العنصرية في جميع قارات العالم.

في القرون القديمة، وكجزء من التوسع الاستعماري والإمبريالي، مارست العديد من الدول القوية السياسات الضارة للفوقية العنصرية والتمييز ضد الشعوب التابعة. وتتكرر هذه المشاعر في مظاهر جديدة العنصرية والخوف من الأجانب في دول أوروبا. ويعاني الملايين من العمال المهاجرين واللاجئين والمهجرين والأجانب والأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية تعيش في أوروبا أو في دول أخرى من أنماط السلوك التمييزي والعنف الضار والاستغلال. وأعداد المتطرفين اليمينيين في ارتفاع، وهم ينشرون مبادئ العنصرية العسكرية والقومية المتطرفة.

ورغم أن القانون الألماني يعاقب على السلوك المتطرف والعنصري، فلا تزال مشاعر الكراهية والتمييز ضد الأجانب واضحة في حالات كثيرة وبشكل خاص تجاه الأجانب وطالبي اللجوء، إلا أنها بشكل عام محدودة ومحصورة بفئة قليلة من أصحاب انتماءات سياسية يمينية، وتحاول الحكومة الألمانية احتواءها والحد منها.

الدستور الألماني متوفرٌ الآن باللغة العربية على الرابط التالي بصيغة PDF :

http://www.bpb.de/system/files/dokument_pdf/Arabisch_aktuellste_Fassung_OK.pdf

كما يمكنكم طلب الحصول على نسخة مطبوعة مجاناً عبر الرابط التالي :

http://www.bpb.de/shop/buecher/grundgesetz/215136/grundgesetz-auf-arabisch

*الأرقام والإحصائيات الواردة في هذا المقال، من كتاب حقائق عن ألمانيا الذي ترجمه سامي شمعون، والصادر عن مكتبة المدينة – القاهرة.

عبدالكريم الريحاوي

ناشط ومدافع عن حقوق الإنسان، رئيس الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان، مدير مركز لاهاي لملاحقة المجرمين ضد الإنسانية في سوريا، مدير المنظمة العربية للاصلاح الجنائي في سوريا.

عن عبدالكريم الريحاوي

عبدالكريم الريحاوي
ناشط ومدافع عن حقوق الإنسان، رئيس الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان، مدير مركز لاهاي لملاحقة المجرمين ضد الإنسانية في سوريا، مدير المنظمة العربية للاصلاح الجنائي في سوريا.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات 9: أزمة الذكورة الجنسية وتفاعلاتها الجنسانية الاجتماعية – الجزء الأول

د. بسام عويل اختصاصي علم النفس العيادي والصحة النفسية والجنسية في ظل التغيرات الاجتماعية التي طرأت على تنظيم الحياة الاقتصادية في العقود الخمسة الماضية، جراء التوزيع الجديد للأدوار الاجتماعية الذي فرضه النظام الإنتاجي الحديث، وما رافقها من مسيرة تحرر المرأة وتعلمها، ودخولها سوق العمل ومنافستها ...