الرئيسية » باب أرابيسك » نحن و”ألمانيا العظيمة” ما بين إعلاء الآخر والنظرة الدونية للذات

نحن و”ألمانيا العظيمة” ما بين إعلاء الآخر والنظرة الدونية للذات

مصطفى قره حمد، ماجستير دراسات سياسية – جامعة زيغن ألمانيا

” ألمانيا العظيمة التي نهضت بعد الحرب العالمية الثانية بقوتها وجبروتها وعظمة نسائها،استطاعت النهوض من درك الهزيمة بالحرب لمصاف أقوى الدول الصناعية.” هذه هي الرواية الرسمية للنصف الثاني من القرن العشرين في المخيال العربي عن بلاد المهجر الجرمانية، رواية لا تجافي الواقع بقدر ما أنها تجتزء منه. لا تقف هذه الرواية عند تعظيم الشعب الألماني وتاريخه، ولكنها بنفس الوقت تستمر لتقارن الوضع بالبلاد العربية المدمرة اليوم، بالوضع في المدن المدمرة في ألمانيا. نظرة تنطوي على حد كبير من جلد الذات.

لقارئ وجهات النظر هذه عدة حلول: أن يختبئ خلف هذا السرد كمبرر لفشل المجتمعات العربية، “فهم أقوياء أذكياء منظمون بالفطرة”، قادرون على تجاوز المحن ولو كانت هزيمتين متتاليتين في حربين عالميتين! بينما المنطقة العربية فيها شعوب لا تستطيع النهوض من حرب أهلية! قد يبدو ما سقناه للتو تهكماً ولكنه ليس أفكاراً عابرة، بل كلمات متداولة بين العامة. الخيار الثاني هو رد الفعل المتمثل بالإعلاء من شأن شعوب الشرق وتاريخهم، وإنزال أشد البلاء بالقول بالأعداء واتهامهم بصوغ المؤامرات.

وأمام هذين الخيارين تترنح التعليقات على الآراء المطروحة في بداية المقال. وبين هذين الرأيين لا بد من إيجاد طريق ثالث يتحرى المعرفة والتحليل.

الخطأ التاريخي:

عدد مؤرخي الحرب العالمية الثانية يكاد يكون الأكبر بين المؤرخين في الوسط الأكاديمي الغربي. على النقيض، تعاني المنطقة العربية من قصور أكاديمي، ليس فقط في التاريخ السياسي، بل في كل المجالات الإنسانية والاجتماعية. من هذا المنطلق نقع ضحايا لأخطاء تاريخية بكل سهولة.

في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقعت ألمانيا بين فكي كماشة، الهجوم السوفيتي، الذي كان دفاعاً وتحول انتصاراً ساحقاً تسابقت به أمريكا وبريطانيا وفرنسا للوصول أولاً إلى برلين. انتصر الحلفاء وانتهى حلفهم لحظة دخول أول جندي سوفيتي لبرلين، واتفقوا على اقتسام ألمانيا بين القوات المنتصرة الأربعة، توحدت أجزاء ألمانيا الواقعة تحت التأثير الأمريكي والفرنسي والبريطاني لتشكل ألمانيا الغربية، وبقيت ألمانيا الشرقية شيوعية الحكم تحت التأثير السوفيتي.

وباحتدام النزاع السياسي بين المهيمنين على جزئي ألمانيا وتطور الخلاف لما أصبح يعرف لاحقاً بالحرب الباردة، تم الاتفاق على اقتسام برلين بجدار لا يعزل الجيران عن بعضهم فحسب، بل يفصل كذلك بين عالمين، عالم يؤمن بالاشتراكية وقوة الدولة ومركزية الحكم، وعالم يؤمن بحرية الملكية وقدرة الأسواق على حكم ذاتها ومركزية الفرد وحقوقه. بإمكان المرء معرفة زيف كلا النظريتين في تطبيقهما العملي، وهيمنة المصلحة السياسية للطرفين على الآراء النظرية.

دعمت كل من أمريكا ورسيا حلفاءهما في ألمانيا الغربية والشرقية، سياسياً واستخباراتياً وعسكرياً. ولكن أمريكا  زادت على ذلك بـ”خطة مارشال”، وهي 13 مليار دولار أمريكي (مايعادل 100 مليار دولار أمريكي اليوم) أغدقتها الولايات المتحدة على القارة الأوروبية نالت منها ألمانيا 11%، وهي أموال أمريكية ماكان من الممكن أن يتم إعادة إعمار ألمانيا بدونها. وبالطبع أمريكا لم تلعب بتاريخها دور الجمعية الخيرية، لكن لهذا الدعم الاقتصادي لألمانيا بالتحديد، مصلحة استراتيجية بإعادة القوة للسوق الألماني والأوروبي للوقوف في وجه المد الشيوعي الذي كان في أشده في خمسينيات حتى سبعينيات القرن الماضي. إن وجود سوق أوروبية قوية مرتبط باستمرارية السوق في أمريكا.

للنسويات

نشرت عدة صفحات نسوية صورأً من مدينة برلين لنساءٍ يقمن بنقل الأنقاض بطريقة منظمة.لا خلاف على الجوهر والهدف بقدر ما يقع الخلاف على الطريقة والحجة. ففي البداية شاركت النساء في ألمانيا في إيصال الحزب النازي للحكم، فللمرأة الحق في التصويت منذ عام 1919. مع أن نسبة تأييد الرجال الألمان للحزب النازي كانت أكبر، ففي انتخابات عام 1932صوتت 26% من نساء الرايخ الثالث لهتلر.

إننا عندما نغفل دور النساء في الفظائع ونبرز دورهنّ بعد الحرب، فكل ما نفعله أننا نحنط دور المرأة في المجتمع، فهو ليس دور حيوي يخطئ ويصيب، بل إنه صورة مثالية لفنان أو مقطوعة كلاسيكية لا تشوبها شائبة. النساء ساهمن بدمار ألمانيا كما ساهمن لاحقاً بإعمارها، ساهمن في تربية الأجيال التي اعتنقت الفكر العنفي وهنّ تاريخياً يقعن تحت المنطق النقدي للمجتمع الألماني ككل.

وفي المقابل، فإن النسوة في ألمانيا عانين من الفكر العنفي في فترة الحرب العالمية الثانية وتوابعها. تعرضت آلاف النساء الألمانيات للاغتصاب وهو جريمة ذكورية بحتة. ولكن حجة قوة نساء ألمانيا وجوهرية دورهن بإعادة إعمار البلاد حجة فردانية، تغفل عدداً من الحقائق، فهذا العمل كان مفروضاً على السكان في تلك الفترة من المسيطرين على برلين من المنتصرين، عمل يومي مقابل الخبز والماء. هذا لا يعني أن كل الفتيات والنساء المشاركات كنَ مدفوعات بالحاجة اليومية للطعام والماء، ولكنه لا يعني كذلك تفوقهن وشعورهن العالي بالمسؤولية، بل يعني أنهن أدين دوراً هاماً في لحظة تاريخية، ويمكن الجدال حوالها إذا ما فعلن ذلك طوعاً أم قصراً.

الدافع

لا يُحَبذ القفز لدوافع مؤامراتية مدسوسة على الوعي العربي، فبهذا نعود لأصل المشكلة المطروحة في هذا المقال، وهي عدم تقصي الحقائق والقفز للاستنتاجات غير المبرهنة. لا يمكن الجزم بدوافع ناشري هذه الدعاية الرافعة من شأن الآخر على الأقل، الكارهة للذات بعض الأحيان؛ غالباً أصحابها يحملون نوايا طيبة، متعلقة بتحفيز القراء من باب التعلم من الآخر، نقد أنظمة الحكم أو الثقافة الشعبية في البلاد العربية، أو من باب الاحتذاء بمثال المرأة الغربية المتحررة المساهمة في مجتمعها في حالة الصفحات النسوية.

ويكفي النقاش هنا، أن الهدف لا يتحقق بالدخول من هذا الباب، فالمتصفح لصفحات التواصل الاجتماعية باللغة العربية، يستشعر هزيمة فكرية واجتماعية بحاجة لوقفة عادلة، وقفة لا تنكر الواقع، ولكنها أيضاً لا تساهم بالمبالغة في رسم درجة انحطاطه من خلال مقارنات ينقصها المعرفة، النظرة النقدية للتاريخ، والنظرة النقدية للحاضر، بطريقة لا تدفع الواقع إلى الأمام ولا تخدم الهدف المفترض، ألا وهو تحسين الوعي/الواقع العربي، بل تزيده يأساً.


إقرأ/ي أيضاً:

ماذا يكره الألمان؟ عن بعض العادات الاجتماعية والثقافية التي يتحاشاها السواح في ألمانيا

نعرف عن الألمان الدقة بالمواعيد. ما هي العادات التي تميزهم أيضاً في مكاتب العمل؟

بالصور: ألمانيا بلد المستأجرين… معلومات وعادات حول المسكن والإيجارات

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“لاجئون مسنون في برلين”.. ندوة حوارية عن أحوال كبار السن من الوافدين الجدد

تتشرف منظمة سيدة سوريا بدعوتكم لحضور الندوة والجلسة الحوارية الشهرية الثامنة ل”المنتدى الثقافي للمناصرة والتغيير” بعنوان “لاجئين مسنين في برلين بين الحقوق المفترضة والواقع المعاش”. يجتمع المتحاورون في الندوة للحديث عن الصعوبات والمعاناة التي يعيشها كبار السن من الوافدين الجدد إلى ألمانيا والتركيز على ذوي ...