in

قرأت وسمعت عن الاندماج كثيراً.. ولكنني لم أختبره بعد

الاندماج
الاندماج

نزار ابراهيم: صحفي سوري مقيم في ألمانيا.
تقول حكمة هندية قديمة: “إنّ الحياة مشروع معنى، والمعنى يكمن في قدرة المرء على التكيّف مع نفسه ومع المحيط من حوله ومحاولة الإبداع في ظلّ هذا التكيّف”.
تنطوي هذه العبارات على حقيقة تقرّ بها دول عالمنا الحديث وتعمل حكوماتها على تعزيزها بمختلف الوسائل المتاحة ابتداءً بالدعم المادي وليس انتهاءً بالدعمين النفسي والصحّي لا سيّما للاجئين إليها من مختلف أنحاء دول العالم الثالث. فهل ما تقوم به هذه الحكومات كافٍ لتحقيق معادلة المعنى والتكيّف عند المغتربين؟ 

في هذا التحقيق نثير عدة تساؤلات حول الآثار السلبية للاغتراب على الصحّة النفسية للاجئين؛ متخذين من ألمانيا نموذجاً حيّاً على مشروع اندماج ضخم ومتكامل، فيه تسعى الحكومة وغيرها من المنظّمات المعنية بالأمر إلى دمج ما يقارب مليوني لاجئ من مختلف أنحاء العالم، منذ عام 2015 ولغاية اليوم، في المجتمع الألماني.
تشغل فئة الشباب من مجمل أعداد اللاجئين في ألمانيا الشريحة الأوسع والأكثر فاعلية في مختلف مراحل برنامج الاندماج الألماني، من أوّل مستوى في تعلّم اللغة لغاية دخول سوق العمل. وغالباً ما تكون الدراسة الجامعية أو الدراسات العليا هي الهدف الأساسي لهجرة هؤلاء الشباب إلى جانب النجاة من ويلات الحروب والأزمات الاقتصادية الطاحنة في بلدانهم الأمّ.

اقرأ/ي أيضاً: إعادة تصميم دورات الاندماج في ألمانيا من أجل تحسين تعلم اللغة..

يارا (22 عاماً)، طالبة علم اجتماع في جامعة (Otto Friedrich Universität Bamberg)، تعاني يارا بعد خمس سنوات من وصولها لألمانيا، من شعور عميق بالوحدة والخوف المرضي من المستقبل، وماتزال إلى اليوم غير قادرة على بناء علاقات تتعدّى المستوى الإنساني العابر أو مستوى الزمالة الجامعية مع الطلبة الألمان، وعن هذا العجز تقول: “لم أتيقَّن من معاناتي من الوحدة والخوف المرضيّ من المستقبل إلا مع دخولي إلى الجامعة، قبل هذه المرحلة كنت أعزو مشاعري إلى قلّة خبرتي بالحياة والثقافة واللغة الألمانية؛ ما يشكّل حاجزاً بيني وبين زملائي.”
“في الجامعة أمضي معظم وقتي جيئةً وذهاباً بين قاعات المحاضرات والمكتبة، بينما يتحلّق بقيّة الزملاء في حلقاتٍ تمتدّ وتتقلّص لاعتباراتٍ أجهلها، ولطالما كنت بأمسّ الحاجة إلى هذه الحلقات التي كانوا يناقشون فيها محتوى المحاضرات ولكن كان ذلك غاية في الصعوبة، لأنّه _للأمانة_ لم أشعر قطّ بأنّه مرحَّب بي من قبلهم”.

اقرأ/ي أيضاً: التبرع بالأعضاء في ألمانيا.. أين يقف المهاجرون ما بين الدين، القانون، والاندماج؟

تتابع يارا: “شعوري بالوحدة في الجامعة لم يقتصر على فترات الاستراحة، ولكن في المحاضرات أيضاً، فكلّما دخلت إلى المحاضرة انتابني صداع بسبب تهافت المعاني والمصطلحات الجديدة على رأسي، فأنشغل جزئياً عن الشرح، ولا أجدني أستطيع المشاركة أو طرح الأسئلة؛ هذا ما يجعل مني مجرّد آلة تسجيل رديئة لكلّ ما يقوله البروفيسور ويشرحه، فضلاً عن عدم مشاركتي في الإجابة على الأسئلة أو أيّ نشاط تفاعلي في المحاضرة”.
ومن خلال تجربة يارا وملاحظاتها في الحياة والجامعة وجدت أنها ليست هي فقط من تعاني الوحدة: “بعد انخراطي ببعض الجماعات السورية الناشطة في المجالات الاجتماعية على وسائل التواصل الاجتماعي وهنا في المدينة، اكتشفت أنّ معظم الفتيات والشبّان السوريين يفضّلون صداقة أقرانهم السوريين، أو على الأقلّ أن يكون أصدقاؤهم الجدد عرباً”.

لا تقتصر صعوبات الاندماج على الشباب من اللاجئين في ألمانيا، فهناك أيضاً شريحة من الرجال والنساء (35 إلى 55 عاماً)  ممَّن يعانون من مشكلات فعلية بسبب تغيّر أسلوب ومناخ حياتهم هنا في ألمانيا. 
فالأستاذ مضر العلي(43 عاماً)، لاجئ سوري في ألمانيا ومدرِّس ابتدائية سابق، يحاول منذ وصوله إلى هنا البحث عن معنى لوجودهِ في هذه البلاد، ولعلّ خطّته المعطّلة للعيش مع زوجتهِ وابنتهما لميس (9 أعوام) في بيت صغير في ألمانيا هي أكثر ما يحبطه ويجعله أكثر ميلاً للانعزال عن المجتمع، فيقول لأبواب: “أعيش، منذ قدومي إلى ألمانيا، حالة من الترقّب لوصول عائلتي يرافقها انفصال تام عن الواقع والمجتمع هنا، تقدّمت في دراسة اللغة الألمانية B2، وخضعت بعد ذلك لتدريب مهني في مجال الحلاقة (Praktikum als friseur) في مدينة (Köln)، وأعمل الآن في محل للحلاقة. كلّ ذلك لم يسعفني في تقبّل حياتي التي أعيشها الآن دون عائلتي وأصدقائي عدا عن أولئك الذين على السوشال ميديا.” 

تتسبب مشكلة لمّ الشمل بالنسبة إلى مضر بالكثير من الضغط النفسي الناجم عن حالة الترقب الدائمة التي يعيشها: “زرت مستشارة نفسية بعد أن تفاقم وضعي (انقطاع الشهية، فقدان الوزن)، بدأنا جلسات الاستشارة فشخّصت مشكلتي على أنّها اكتئاب شديد نتيجة وجودي في مكان لا أستطيع الاندماج فيه مبعداً عن عائلتي التي مازالت أترقب مجيئها إلى ألمانيا منذ 5 سنوات.”
يعترف مضر بأن عائلته واظبت على تقديم دعمها المعنوي: “لكني لم أعرف كيفية توظيف هذا الدعم في التعافي وتخطّي الأزمة. فأنا أشعر بأن حياتي منقوصة تقتصر على المكالمات الهاتفية، وأعمال رتيبة تتكرّر على مدار الأسبوع.” 

وخلال هذه السنوات التي أمضاها في ألمانيا طرأت تغيرات ولاشك على علاقته بالعائلة، يقول مضر: “دائماً ما تحاول زوجتي إقحامي في أدقّ التفاصيل والمتغيّرات التي تحصل معهم في سوريا، إلا أن هذا لا يحول بيني وبين الشعور بأني ما عدت فرداً من هذه العائلة؛ فأنا لا أستطيع مشاركتهم أفراحهم وأتراحهم إلا عبر شاشة الهاتف المحمول”. ويضيف: “إن تفكيري في عائلتي يعزز شعور الوحدة وعدم الأمان الدائمين؛ أفكر أحياناً بأنهم اعتادوا غيابي حتى أصبح وجودي بينهم غير مرغوبٍ به. وأنا لا أعرف مصدر هذا الشعور لأنّهم حريصون دائماً على التعبير عن أشواقهم، وإخباري بأنّهم سيأتون للعيش معي عاجلاً أم آجلاً.”.

كورونا: الوكالة الأوروبية للأدوية توصي باستخدام لقاح أسترازينيكا دون قيود

كورونا: الوكالة الأوروبية للأدوية توصي باستخدام لقاح أسترازينيكا دون قيود!

التربية الجنسية المدرسة

ماذا يتعلم أولادنا في المدارس الأوروبية؟ عن قلق بعض الأهالي حول مناهج التربية الجنسية المدرسية