الرئيسية » باب شرقي » فادي جعفر في معرضه الفردي الأول.. حوار تأملي في الذاكرة وصيحات تحذيرية
من افتتاح معرض "العابر" للفنان فادي جعفر

فادي جعفر في معرضه الفردي الأول.. حوار تأملي في الذاكرة وصيحات تحذيرية

حاورته: علا الجاري. صحفية سورية

في معرضه الفردي الأول في لوكسيمبورغ يقدم الفنان اللبناني فادي جعفر معالجته التأملية لحمولة هائلة من الأحداث والذكريات، يحاول أن يهضم ما عايش واختبر، وأن يأخذ بيدنا لنرى هذه الأحداث بعين ذاكرته ووعيه الفني.

فادي جعفر الذي ولد وعاش في سوريا وعاين ما مر فيها من أحداث، قبل مغادرته إلى لبنان ثم لوكسمبورغ لاحقاً، والذي ابتعد نحو عام عن العمل الفني، عاد بمعرض فردي يتضمن لوحات فنية وعرضاً صوتياً يحكي أجزاء من حكايات وتجارب، تختزل مزيج الخوف والضياع والفقد والأمل وحب الحياة رغم كل شيء.

أبواب التقت الفنان فادي جعفر وحاورته قبيل افتتاح المعرض.

هل تعتبر الأعمال المنجزة مؤخراً استمراراً لرحلة معينة بدأت سابقاً، أم أن الانتقال إلى بلد جديدة والاستقرار فيها فرض أفكاراً وتجارب جديدة؟

يمكن تلخيص العلاقة بين الأعمال السابقة والحالية على النحو التالي، من حيث الموضوع: يمكنني القول أنني أعمل على نفس الفكرة من حيث الناحية الأدبية للأعمال، منذ 2004 بل منذ أواخر 2003، وهي تشييء الإنسان، مثلاً في مجموعة ”الانتظار“ تصطف الشخوص في اللوحة كأنها علب على رفوف الدكان، اصطفاف ساكن بليد، لا يوحي بأي احتمال للتحرك، كأنهم غارقون كل في عالمه المعزول، كأن غياب أحدهم لا يحدث أي أثر على الآخرين حيث يستبدل بعنصر/شخص جديد، ما يشبه تماماً انتزاع علبة من أحد رفوف الدكان، باختصار لا خصوصية لأي من هذه الشخوص.

كذلك تظهر هذه الوحدة في الموضوع المطروح في السكون السرمدي للمرأة في مجموعة ”المرأة المستلقية“.

المرأة المستلقية
المرأة المستلقية
المرأة المستلقية
المرأة المستلقية
المرأة المستلقية

هذا الوجه من الترابط مع الأعمال السابقة يشكل خلفية لكل أعمالي كفكرة أو كموضوع لتأملاتي، لكن تختلف النتيجة كلياً من الناحية البصرية، كأنني أصنع من كل مجموعة قطعة من البازل تضيف لما سبقها، وتشكل في مجموعها مادة لإنتاج قطعة بازل جديدة، فتختلف كل مجموعة عن سابقتها ولاحقتها من ناحية الشكل، فيما تشكل مع باقي المجموعات مشهداً عاماً متكاملاً يلخص ما أفكر فيه تجاه نفسي وتجاه العالم المحيط، الذي أنا جزء منه.

ورغم هذا الاختلاف الشكلي إلا أن الجسم الإنساني بقي دائماً عنصراً أساسياً في بناء اللوحة، حيث نراه كل مرة أو في كل مجموعة من الأعمال وقد خضع لعملية معالجة وتلخيص، أدت إلى نتائج مختلفة عن سابقاتها من حيث الشكل.

عادة ما أبدأ العمل على بناء اللوحة من خلال التجريب على عدد كبير من الاسكتشات، يبدأ فيها الجسم أو أحد أجزاء الجسم الإنساني بمظهر أقرب إلى التفصيل في الرسم، وينتهي بالاستقرار على تلخيص أو تبسيط قد يصل إلى وجود خط واحد متعرج يوحي بانحناءات الجسم أو بعض أجزائه على طريقة القاعدة القانونية الفرنسية ”لا أكثر مما هو ضروري، ولا أكثر مما هو مفيد“.

في هذه المجموعة تمت نفس المراحل، ورأيت في النهاية أنه لا بد من الإبقاء على الشكل العام المعتاد للجسد، ما يساهم حسب رأيي بإظهار الحالة المستكينة الحيادية لهذه الأجساد، التي نراها معلقة كأنها في حالة سقوط، أو كأنها تسبح عابرة الفضاء بكل حياد، كأنها غير مقصودة، غير معنية بكل ما يجري حولها، أو ربما أن الوجود هو من قرر تجاهلها وتهميشها.

تتموضع الأجساد هذه الأجساد أيضاً كما في المجموعات السابقة بطريقة مريبة، فلا وجود لأجساد في وضعية اعتيادية، أو في وضعية تشبه من يتهيأ لالتقاط صورة له، باختصار هذه المجموعة هي استمرار أو امتداد لما سبقها، هي وجه جديد لما أعتقد أنني ضده وضد كل ما يسببه، كأنني أحاول أن أطلق صيحات تحذيرية بتصويري الجشع والبشاعة والقهر من زوايا مختلفة بأسلوب تأملي.

هل واجهت أي تحديات في التحضير للمعرض خاصة في ظل ظروف الانتقال والاستقرار في مكان جديد؟

انتقالي للعيش في لوكسيمبورغ أثر بالتأكيد على أعمالي، خاصة أنّ هذا الانتقال كلفني التوقف عن العمل مدة تزيد عن أحد عشر شهراً، فكانت المرة الأولى منذ وقت طويل.

عدت للعمل وكنت محظوظاً بأن أجد مكاناً أعمل فيه، في جمعية HRIKO، كنت كمن وجد المصباح السحري!

عدت للعمل لأجد نفسي أمام سيل هائل من الأفكار عن الماضي، خصوصاً، فالمرحلة السابقة، بغض النظر عن موقفنا مما يجري في بلادنا والعالم، وما حملته من أحداث وتحوّلات تشكل سبباً أساسياً وخلفية لجميع تطورات وتغييرات مسار حياتنا.

في بدايات الأحداث في بلدي تجاهلت أو أنكرت في عملي كل ما يدور حولي، ليس لأنني أنا نفسي في حالة إنكار لما يجري أو عدم استيعاب، بل لأنني رأيت أعمالاً فنية مقدمة على أنها لوحة فنية، لكن كنت أراها مثل ”بوستر“ لحدث تنتهي بانتهائه، كما بحت لأحد الأصدقاء الفنانين.

وقلت لنفسي أنني لا أقلل من قيمة هذه الأعمال، بل أراها جزءاً من جسم الثورة في عقول الفنانين، ولم أكن أمتلك هذا النوع من ردود الفعل، فغرقت في رسم اسكتشات عن علاقتي بالمكان متجاهلاً كل ما حولي.

أعتقد أن تفكيري لم يكن سريعاً كفاية لاستيعاب ما يحدث، لم أكن قادراُ، ولم يكن ملائماً لطريقتي الفنية، أن أرسم بوستر على شكل لوحة.

استمريت على هذا الحال من 2011 حتى خروجي من لبنان إلى لوكسيمبورغ نهاية 2017.

إذاً بدأت العمل مجدداً ووجدت نفسي أمام سيل من الأفكار عن الماضي وما حدث، وجدت نفسي أعمل على اسكتشات ولوحات لمواضيع مختلفة وعناصر مختلفة، وجوه لغرقى مجهولين، نساء مستلقيات، أشجار وحيوانات وأشياء أخرى.

كنت كمن يتقيأ محاولاً التخلص من شيء يلاحقه، وكلما حولت هذا السيل من الأفكار إلى مواد بصرية ملموسة أستطيع التحديق بها، كلما أصبحت أكثر قدرة على ترتيب داخلي، إلى أن أدركت وجعي أو موضع ألمي، فكان مشروعي الحالي الذي أعرضه ”العابر“، بشخوصه غير المستقرة وأوراق الأشجار المبعثرة بانتظام كأنها تحت تأثير قوة جارفة، ما يعزز حالة الشخوص أو يؤكد على حالة الشخوص، طبعاً أوراق الشجر المنفصلة عن أصلها، إضافة لما لها من دلالات فإنها بحد ذاتها عنصر فيه من القوة في الشكل والقدرة على اختزان التفاصيل المتراكمة لتكون بنياناً متيناً، لا تقل بالنسبة إلي أهمية عن العنصر الأول وهو الجسد الإنساني.

عندما وصلت الأفكار في ذهني إلى درجة كافية من الوضوح اخترت أن أستبدل الألوان الزيتية بألوان الأكريليك، التي كنت أستخدمها دائماً، لأنني وجدت في الألوان الزيتية ما يساعدني على العمل بتأنٍ وبطء، كأني لا أسعى أبداً لإنهاء العمل.

”العابر“ شخص انتزع قسراً من المكان الذي كان قرر أن يعيش ويموت فيه، فأصبح عابراً لا يكترث للأماكن ولا تكترث له.

العابر
العابر

يتضمن المعرض مقطعين صوتيين لرجل وامرأة، من هما ولماذا اخترت أن يكونا حاضرين؟

الناجي، بداية عام 2017 وبمحض الصدفة اطلعت على تجربة الشخصين اللذين نسمع صوتهما في الفيديو كل على حدى، وفي إحدى الليالي استيقظت وكتبت الحلم الذي كنت غارقاً فيه، كان حلمي هو هذا المشروع، بالتفصيل كما هو معروض الآن، كان حلمي مزيجاً من أفكاري عن علاقتي بالأماكن والأشخاص، والخيبة والخوف ومواجهة الموت، لكن أيضاً عن الأمل وحب الحياة، وكلها أفكار تقاطعت بها الشخصيتان في الفيديو.

الناجي1:

الناجي2:

يقول فادي جعفر عن مشروعه: ”أريد أن تكون أعمالي إلهاماً لمواجهة الظلم وكل ما هو غير عادل“، ويضيف: ”حصيلتي الفنية 1600 عمل نتاج 19 عاماً من العمل، وأظن أنه لا يزال أمامي الكثير لأقوم به“.

افتتح معرض الفنان فادي جعفر يوم السبت 26 تشرين الأول/أكتوبر الساعة الخامسة وحتى الثامنة مساءً، واستمر حتى الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، ثم يفتتح يومي 9-10 تشرين الثاني، ويومي 16-17 تشرين الثاني بنفس التوقيت. لتنظيم زيارات خاصة في الايام الاخرى يرجى الضغط هنا.

العنوان: 17, Garerebierg
L-3334 Hellange
Luxemburg

بوستر المعرض

خاص أبواب

اقرأ/ي أيضاً:

“بيني وبينك / Zwischen mir und dir” .. معرض للفن التشكيلي في برلين

معرض “مدينتي حلب”.. أين يبدأ الحب؟

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

في قراءة سريعة لأحداث لبنان.. هل يستكمل لبنان الربيع العربي؟

شاهد ناجي. باحث لبناني مقيم في ألمانيا في قراءةٍ سريعة للأحداث التي تجري في لبنان لا بد من التوقف عند نقطة أساسية فاجأت العالم بأسره وأحرجت النظام اللبناني القائم حالياً، ألا وهي إجماع المعتصمين على مبدأ الخروج عن الدائرة الطائفية الضيقة التي لطالما استعملها السياسيون ...