in

اللاجئون السوريون في ألمانيا لحظة زوال الخطر عنهم

ضاهر عيطة

 

لم يتح للسوريين أن يختاروا مصير هجرتهم، ولا شكلها ووجهتها، فمعظم خياراتهم كانت قد طبخت على عجل، وتم ارتجالها في لحظةٍ مصيرية، تقع بين حدود الموت، وحافة النجاة، حيث وضعتهم براميل الأسد، وسكين داعش أمام خيارين، إما النزوح عن الوطن، أو الموت على أرضه، ولهذا لم يكن أمامهم إلا أن يختاروا ركوب المجهول في عرض البحر، آملينَ أن يقبضوا على ذواتهم أحياء. مع إغلاق حدود البلدان العربية في وجوههم، لم يعد لهم من ملجأ إلا الدول الأوروبية، فتوجهوا  إليها، علّهم يعثرون على كرامتهم الإنسانية فيها.

ولا يخفى على أحد، أنّ ألمانيا كانت في طليعة الدول التي فتحت أبوابها أمام اللاجئين السوريين، لاعتباراتٍ إنسانيةٍ واقتصاديةٍ تخصُّ السياسة العامة للحكومة الألمانية، ولكن لنا أن نسأل: هل وجد السوريون في ألمانيا ما كانوا يحلمون به؟

مع زوال الخطر الذي يهدد الكيان الجسدي والروحي للإنسان، سرعان ما تظهر وعلى نحو تلقائي، حاجاتٌ ورغباتٌ بقيت في حالة كمونٍ في أوقات الخطر، وكان التفكير بها أشبه ما يكون بالترف، وانطلاقا من هذه الفرضية، يتبين بوضوح، أنه ما إن نجا السوريون من المخاطر التي كانت تهدد وجودهم، وحلوا على أراضي الجمهورية الألمانية، حتى بدؤوا يفكرون في مصيرهم، مستقبلهم، وتفاصيل عيشهم اليومية، وهو أمرٌ بديهيّ بوصفهم بشرًا لديهم أحلامٌ وطموحات كباقي أبناء جلدتهم. غير أنّ الكثير من تلك الأحلام والآمال تبخرت، أو تم كبحها لتعود إلى حالة النكوص لأسبابٍ عديدة، يمكن التطرق لها على النحو التالي:

ثمة مؤشرات عديدة، تفصح عن حجم الأعباء والصعوبات التي يتعرض لها اللاجئون السوريون، وربما أولها يتعلق بالكم الهائل من الأوراق التي تصلهم سواء بالبريد أو باليد، حيث يقف اللاجئ السوري وجها لوجه في حضرتها، أمام جهله لمضامينها ووظائفها، مما يكرس عنده الشعور بالحيرة والقلق حول المصير الذي يترقبه، وبغياب المترجمين، أو  قلتهم -في أفضل الحالات- يتبرع الأفراد والمعارف والاصدقاء في تفسير محتوى ووظائف تلك الأوراق، فتختلط الأمور وتتشعب أكثر، وتبدأ المشاكل والتعقيدات، في حين لو كان هناك مترجم دائم، يرافق مجموعة محددة، لأمكن حل أغلب تلك المشاكل والتعقيدات ببساطة. ثم إن مسألة إيداع اللاجئين في مراكز الإيواء لفترات طويلة، قد تصل أحيانا إلى عشرة أشهر أو أكثر، من شانها أيضا أن تؤدي إلى مضاعفة الأزمات وتفاقمها، حيث يُترك اللاجئون هناك، دون أي فعلٍ أو نشاط، سوى انتظار تسوية أمورهم، ما بين استلام أوراقٍ وتوقيع أوراق، ويبقى هذا جُلّ ما يشغلهم، إلى حدّ أنّ بعضهم اشتكى من أن النهار كله يمضي عليهم، وهم مستغرقون في هواتفهم المحمولة، يقلبون في صفحات النت بضجرٍ وملل، وقد أصابت أجسادهم وعقولهم، حالة من الخدر والكسل نظرا للفراغ الكبير الذي يعانون منه. وتكاد هذه الحالة تنطبق على معظم اللاجئين وخصوصا الشباب منهم، والذين يشكلون النسبة الأعلى بين اللاجئين. بالطبع ندرك ونتفهم، حجم الصعوبات التي تواجه الجهات الحكومية في ألمانيا مع هذا الكمّ الهائل من المهاجرين واللاجئين، والحاجة إلى موظفين وكوادر كبيرة، ومتخصصة في إدارة أمورهم، ولكن رغم مضيّ ما يزيد عن العامين، على بدء استقبال اللاجئين، ليس هناك ما يشير إلى أنه قد تمّ إعداد كوادر بشرية متخصصة كافية، في حين كان يمكن سد ثغرات عديدة، لو تنبهت الجهات المعنية إلى إمكانية الاستفادة من كفاءة بعض الشباب والشابات السوريين المتروكين في غرفهم ومهاجعهم، في التعامل مع اللاجئين ومساعدتهم، عبر توضيح وتوصيل حقيقة الإشكاليات التي يتعرضون لها كخطوةٍ إلى الحل، وبذلك يتم استثمار طاقاتهم على نحوٍ ينعكس إيجابيا عليهم من جهة، وعلى المتطوعين والعاملين في المؤسسات الألمانية المعنية من جهة ثانية. ويساهم أيضا في تسريع عملية دمج الشباب السوري بالمجتمع الألماني، ليدركَ قيمتهم وفاعليتهم في هذا المجتمع الجديد، وبذلك يتحرر اللاجئ السوري من سلبية الانتظار والطاقات المهدورة بين جدران الغرف لأشهرٍ طويلة دون أي إنجازٍ يذكر، ويصبح مبلغ المعونة الذي يتلقاه دون مقابل، بمثابة أجرٍ للجهود التي يبذلها، مما يخفف من حالة الاغتراب التي يعيشها اللاجئ على الأرض الألمانية، وخصوصا عندما يعلم أن مبلغ المساعدة الذي يتقاضاه شهريا، هو في أساسه جزء من الضريبة التي يدفعها المواطن الألماني لحكومته، مما يشكل عبئا إضافيا ثقيلاً على اللاجئ السوريّ، وقد عبر عنه الرسام الكاريكاتيري الألماني “Gotz Wiedenroth” في إحدى لوحاته، حينما رسم السوري القادم إلى ألمانيا جالسا خلف جواله يسأله عن المنزل والسيارة، ويأتي الجواب في الرسم الكاريكاتوري “ستحصل على البيت والسيارة عندما تقوم الحكومة الألمانية الجشعة بمصادرة أموال دافعي الضرائب” وهذا الجواب يوضح مدى سخط بعض المواطنين الألمان على حكومتهم، من طريقة تعاملها مع اللاجئين، ولعله يمكن تخفيف هذا الغضب من خلال الإسراع  في تعليم اللغة الألمانية للاجئين السوريين، وزجهم في أعمالٍ تعود فوائدها بشكل مباشر على الحكومة والمواطن الألماني واللاجئ في آنٍ واحد، سيما وأنه يوجد بين اللاجئين أطباء ومحامون وكتاب وشعراء وحرفيون من شتى المجالات، وبذلك لا يعود اللاجئ السوري متسولاً لطعامه وراتبه، ويكتسب مهارات فنون العيش والاندماج في المجتمع على نحو تنتفي فيه حالة الاغتراب بين الطرفين.

محمد السعدي فنان فلسطيني يحصل على المركز الأول بمسابقة شباركاسسه.

الشاعر الطبّاخ الذي لم ينسَ أهله