الرئيسية » باب القلب » ماذا يعني الوطن يا أنا؟
اللوحة للفنانة ريم يسّوف

ماذا يعني الوطن يا أنا؟

د. مروة مهدي عبيدو*

يبدو السؤال مريباً في اللحظة الأولى، طالما طاردته بحثاً عن إجابة. حين أستعيد ذكرياتي منذ الصغر استعيد نفاذ صبري من مطاردة الإجابات التي قد تبدو معقولة، لتتحول بعد لحظةٍ لعلامة استفهامٍ جديدةٍ تلتحق بسابقاتها!

حين كنت صغيرة جداً، كان حضن أمي هو الوطن الأكبر والأوحد، لكنه للأسف ـ وبطبيعة الحال- لم يكن متاحاً دائماً. كبرت قليلاً ليصبح صوت أبي وضحكاته التي طالما ملأت منزلنا الصغير بهجةً وطناً رحباً آمناً ومستكيناً. للأسف غيّبه الموت عنا دون استئذان.

تمر السنوات وأصل إلى عمر المراهقة بحثت عن وطن في قبول رفيقاتي لي كما أنا، بِصمْتي المريب وهدوئي الطاغي. لم تبق الرفيقات طويلاً، غيّبتهم طبيعة الحياة في طرق بعيدة عني.

كبرت وكبر معي السؤال، وزدت إصراراً في الحصول على إجابة. لم يكن الوطن أبداً حاضراً حاضناً بل ظل غياباً دائماً، واستمرت مطارداتي له في ذهني.

قررت يوماً إعادة التفكير في ما ورثته صدفة عن أهلي، اسمي بكل ما يلحقه من أسماء لا أعرفها، ديانتي التي لم تُرح قلبي أبداً، وطني المختصر في قطعة أرض، وُلدتُ فوقها دون اختيار. لقد قبلت رهانهم طويلاً، وعشت حتى لم يسعني اختصاره فقررت الرحيل.

وقفت طويلاً أمام خريطة العالم المعبّأة بالحدود المفتعلة، أبحث وأحاول أن أضع معايير للوطن كما ينبغي أن يكون. أريد وطناً يقبلني بتساؤلاتي وبِحيرتي. وطنٌ لا أُجبر فيه على المساومة بين حياتي وحياته. أحلم بوطنٍ حاضرٍ، أستطيع أن أعيشه، وليس غياباً أطارده باقي عمري.

اخترت بقعة على سطح الكرة الأرضية الواسعة، تدَّعي الحرية وقبول الآخر باختلافاته. حملت بعض همومي في حقيبة سفر، وأحلامي في قلبي، وحجزت تذكرة سفر ذات اتجاهٍ واحدٍ، ورحلت!

لن أنسى الشعور الذي انتابني وأنا أتابع ابتعاد الوطن من نافذة الطائرة. صارت الصورة تبتعد شيئاً فشيئاً، وتتضاءل حتى تحولت إلى نقطةٍ لا تُرى فوق متسع الأرض. لم أعد استطيع تمييزه لكن قلبي فعل. هذه الوخزة المؤلمة التي تصيب القلب لحظات الوداع، والتي قد تستمر أياماً وربما سنوات، وأحياناً تتجدد من تلقاء نفسها بلا مبرر يذكر. لن أستسلم لهذا الوجع، بل سأحوله إلى أمل في بناء وطنٍ جديدٍ بلا ألم.

المحطة الأولى

مطار فرانكفورت، بنظامه المعقد ومبانيه الضخمة المتسلطة. مدينةٌ باردةٌ، وجوهٌ صامتةٌ لا توحي بشيء، ليست كوجوه من أعرفهم. مشاعر مغلقة. همهماتٌ بلغةٍ غريبةٍ عني، وآمنة لديهم. كان عليّ أن استنتج من إشارات الجسد، وبعض الكلمات الانجليزية المتقطعة، أنه لابد من تفتيشي ذاتياً… لم أكن وحدي، بل رافقني بعض الركاب من ذوي البشرة البنية. لا مفر.. لابد من السماح لهم بتفتيشي، حتى يسمحوا لي بدخول وطنهم.

ساعاتٌ طويلةٌ وهم يتفقدون حقائبي، وتفاصيل اصطحبتها من وطني هناك، كانت غريبة عليهم. كلماتٌ متراميةٌ هنا وهناك، نظراتٌ غاضبةٌ وأخرى مواسيةٌ، وأخيراً سمحوا لي بالدخول.

أنا هنا الآن وخطواتٌ قليلةٌ تفصلني عن حلم الوطن؛ بلادٌ حرةٌ منمّقةٌ منظمةٌ بقسوة، كلوحةٍ مرسومةٍ بمعايير هندسيةٍ دقيقة، تبدو عبقرية ولكنها تفتقر للروح. الصوت بداخلي يؤنبني: “لا تقارني، لهم مفرداتٌ أخرى، عليك أن تتخلصي من عبء تراكمات الوطن الفوضوية بداخلك. مفتاح نجاحك هو اللغة لابد من تعلم لغتهم عليكِ أن تثبتي لهم أنك تستحقين الحياة بينهم”.

المحطة الثانية

حجرةٌ صغيرةٌ جداً بمدينةٍ كبيرةٍ جداً، لا تحمل ذكريات ولا رائحة مميزة، فارغةٌ كقلبي، أذكر هذا اليوم جيداً، حين فتحت نافذة حجرتي صباحاً ليدخل النهار لتواجهني عيون جارتي الزرقاء، وهي تجلس عاريةً في الحديقة الخلفية للبيت. لم ابتسم على غير العادة، بل نظرت إليها في ذهولٍ فرض نفسه عليّ وأنا أحاول فصل حدود الحلم عن الواقع. اخترق صوتها دهشتي: “الشمس لا تسطع هنا إلا نادراً، وأنا أحاول منذ أكثر من أربعين عاماً، أن يكون لي لونٌ مثل لونك.. ربما لا تشعرين بقيمته لأن الطبيعة أهدته إليكِ بلا مقابل”.

ابتسمتُ خجلاً وعدتُ إلى نفسي استعيد كلماتها. لوني هو هدية الوطن إلي، أحمله معي رغماً عني، ولا أستطيع هجْره لم يكن أبداً غائباً بل أعيشه كل لحظةٍ، ولكنه ليس آمناً دائماً.

المحطة الثالثة

سنواتٌ من الرحيل والبحث الدائم عن حلم الوطن الآمن، الذي كلما تصورت اقترابي منه ابتعد عني. لن أستطيع أن أُغيّر لون بشرتي لأكون مثلهم، لن يستطيعوا أن يغيّروا لونهم ليكونوا مثلي.

لكنتي التي تغلبني رغم إتقاني للغتهم، الوجوه الحية السمراء التي تطاردني دوماً، رائحة الشوارع والبيوت القديمة القابعة في عمق الذاكرة، هذا الحنين الذي طالما هزمني رغم محاولات الهرب.

المحطة الرابعة

صديقي العراقيّ الأصل يواجهني: “وطني هو ذكرياتي التي أحملها أينما ارتحلت” ربما يكون على حق. تواً بدأت ابني ذكرياتٍ جديدةٍ لهذه الشوارع المكسوّة بالبياض، تواً بدأتُ أفهم ما تُخبؤه الوجوه القاسية وتواً بدأتْ المعادلة في الاتزان. لو حُوّلت لأرقام ستكون القسمة عادلة؛ نفس المدة التي قضيتها هنا تتساوى بالتقريب مع مدة حياتي هناك.

سنواتٌ مرّت، أحاول فيها قتل الذكريات، التي تحفر لتتجدد دائماً، أحاول أن استبدل الكلمات والنكات ونوتات الموسيقى والراوئح بغيرها. سنواتٌ من النضال للانتصار على خيانة الحنين، لذكرياتٍ من تلك البقعة البعيدة القريبة. على أمل أن يكون قتل الحنين أول حجرٍ في بناء الوطن الحلم هنا.

المحطة الخامسة

في أحد شوارع مدينة برلين التي أحبها وأبحث يومياً بداخلها عن ملامح التشابه مع ذكرياتي.. عن هناك. ثلاثة رجال يتغامزون فيما بينهم بلكنة محلية لم أتقنها، ابتمستُ من وقع عيونهم عليّ رغم شعوري بقرب الخطر، لون بشرتي أخبرهم عني… وبقسوة لم أعهدها، يقررون طردي من وطنهم. أفيق على آلام جسدية مبرحة وجرحٍ عميقٍ في قلب الوطن. تواجهني الغربة بعيون متسعة وتقف أمامي في تحدٍ صارخ لحلمي.

ربما سيستبين الوطن، حين أعرف معنى الغربة، هما نقيضان بلا مواربة. يستعيد السؤال المُريب وجهه الآخر باحثاً عن معنى الغربة.

فقد تكون الغربة في ألا تفهم ما يقال حولك، هي غياب المعلومة عن ذاكرتك. ربما هي أن تختار بإرادة كاملة أن تنتمي للأقلية، تاركاً سعة صدر الانتماء للأغلبية. هي محاولاتك الدائمة لخيانة ذكرياتك لصالح ذكرياتٍ جديدةٍ. ربما هي إعلان نفيك عن المجموعة، حين تُلفظ وتُجبر للخروج، وتحدي الموت وحدك دون رفقة. كل ما اعتقدت أنه كان يوماً وطناً، صار في لحظةٍ غير محسوبةٍ غربةً ومنفى.

المحطة السادسة

ليست هناك أوطانٌ مكتملةٌ، سأعود حيث تعيش أمي في تلك المدينة المعبأة بأنفاس ملايين البشر، المتداخلة مع روائح الأسوار والسجون، إلى تلك اللوحة المرسومة عشوائياً في فوضى منتظمة، حيث روحٌ خفيةٌ غير مرئيةٍ تقبع في مركز الصورة، لتنبض في كل تفاصيلها.

عدتُ للبقعة الجغرافية التي قذفني إليها العالم، واليوم باختياري الكامل لم أعد أنا التي كانت هنا منذ سنوات، ولم تعد هذه البقعة الجغرافية، مثلما كانت في ذاكرتي جميلةً ونبيلة ليضيع الوطن بين حلمٍ غير مكتملٍ وحضن لم يعد متاحاً.

المحطة ما قبل الأخيرة

لم يبق لي سوى مساحة البين بين. لم أستطع أن أعود لأنتمي لوطني القديم، الذي تركته بحثاًعن وطن اختاره، وبدا لي استحالة أن أنتمي له كليةً في وطني الاختياري.

لا مفرَّ من الاعتراف، لم يبق لي من “هناك” سوى ضحكة أبي الغائب، تزورني في أحلامي بين الحين والآخر، حضن أمي الذي تزداد المسافة بيني وبينه يوماً بعد يوم، روائح الشوارع التي لم تعد موجودة، ومكانٌ مفقودٌ في قلوب أناس لم أعد أعرف شيئاً عنهم، سلسة من الغيابات المتواصلة المتداخلة بين “هناك وهنا”. هذا الشعور المزيّف بالرضا والذي استعيده حين أعود إلى “هنا”. ابتساماتُ الجيران التي تبدو دافئةً مقارنةً ببرودة الشتاء هنا. بعض الشوارع التي أصبحت تعرفني بعد سنوات من المحاولة، لكنة ابنتي الخالية من العوار وابتسامتها التي ترافق وحدتي. خوفي المستمر بأن تواجهني يوما بهذا السؤال: ماذا يعني “الوطن” يا أمي؟.

مروة مهدي عبيدو. أستاذة في المسرح والدراما والنقد المسرحي، مصرية مقيمة في برلين

اقرأ أيضاً من ملف الوطن:

من لا يغادرهم الوطن حتى لو فارقوه: الكاتب رفيق شامي مثالاً

بالاحترام والأمان والاستفادة من الفرص .. هكذا يجد الوطن طريقه إلينا

“الهوية الوطنية” الإشكالية المتجددة

 

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيف صارت الخيمة اليونانية جزءاً من حياتي! قصتي في مساعدة اللاجئين في اليونان

غياث الجندي قبل ثلاث سنوات دفعني خبر عن مركب غرق في بحر إيجه للذهاب إلى اليونان والتطوع لمساعدة اللاجئين واللاجئات على شواطئه. كان قراراً سريعاً وحاسماً ولم يحتج الكثير من التخطيط ، فلم أستطع أن أبقى متفرجاً على المأساة الإنسانية. في اليوم التالي وصلت إلى ...