الرئيسية » باب القلب » زاوية يوميات مهاجرة 13: باريس وأبوابها السبعون …!

زاوية يوميات مهاجرة 13: باريس وأبوابها السبعون …!

د. نعمت أتاسي. كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس

في الدائرة التاسعة عشر، وتحديداً منطقة porte Clignancourt، يصعب عليك أن تصدق أنك ما زلت في باريس ، مدينة الأضواء والحب والموضة.

هناك، الحب ترف غير متاح للجميع. والموضة عالم مستقل، يستوحي أزياءه من طبيعة المكان وقاطنيه، لا علاقة له بتغير الفصول، فهو زيٌ واحد صيفاً وشتاءً، ويصلح أيضاً لليل والنهار، فكما تعلمون: للضرورة أحكام.

إن ذهبت بالمترو، ستعرفها بمجرد أن ترى اختلاف الوجوه والأمكنة حولك. فهناك محطات المترو مختلفة، لا ملصقات تجارية على الجدران ولا إعلانات، مجرد حجارة بدون دهان. أعمال الصيانة بدأت منذ دهر ولم تنته بعد، ولا يبدو أنها ستنتهي أصلاً.

تخرج من المترو لتطالعك وجوه رجال كالحة، من الصعب تحديدها عمرها فهي نتاج وشقاء ومعاناة أعمار متواصلة.

إن أردت أن تسمع اللغة الفرنسية، فلا يُنصح بالذهاب إلى هناك، لأنك قد تسمع كل اللغات الأفريقية والعربية والشرق آسيوية، ما عدا الفرنسية فهي غير مسموعة وغير محكية.

إن رغبت بالكلام ولم يكن معك أحد، لا تخجل من الكلام مع نفسك بصوت عال، الكل يمشي ويحدث نفسه، يبث همه لربه أو يروي أخباره لنفسه ويتجادل معها بحثاً عن حل مشكلة ما.

انتبه وأنت تمشي على الرصيف، لا لكثرة المقاهي المنتشرة عليها كباقي دوائر العاصمة الفرنسية، وإنما لكثرة قاطنيها، فعليها يقضون لياليهم على فرشة بالية ومن كان محظوظاً منهم ينام تحت خيمة صغيرة تتسع لشخص واحد.

تكثر في تلك المنطقة مخازن بيع الشعر المستعار، لا أدري لماذا، ربما هناك مقولة أنه من غيًر شعره ووضع شعراً مستعاراً قد يخطئه قدره المكتوب ولا يعرفه فيتغير نصيبه وتتغير معه أيامه ولم لا.. حياته كلها.

تمشي في Barbès وتنسى حنينك إلى بلدك، فكأنك تمشي في السوق المسقوف في حمص أو حي الصالحية في دمشق. تنوء واجهات الثياب بثقل معروضاتها من أثواب مطرزة وملونة بكل ألوان الحياة والفرح.

 إن كنت رجلاً، فيجب أن تتوقع وأنت تمشي أن يقترب منك أحدهم ويخرج من جيبه بكل خفية آيفون حديث ليبيعك إياه بأرخص الأسعار. أما أنتِ سيدتي فسيقترب منك نفس الرجل ويخرج من جيبه الثاني زجاجة عطر شانيل 5 ويبيعك إياها على أنها الأصلية.

عندما تدخل باريس من أحد أبوابها السبعين، فإنك تدخل عالماً مختلفاً كل مرة. وهكذا عندما تدخلها من باب Clignancourt فسيدهشك أن كل أسماء المخازن تنتهي بكلمة حلال، بدءاً من اللحمة والدجاج ومروراً بالخضار.

فجأة تنتقل من مخازن الحلال إلى مخازن المتعة، لتعرف أنك وصلت لساحة “بيغال” حيث تنتشر أماكن بيع المتعة الجنسية وأدواتها.

يكفيك أن تمشي قليلاً، لتجد نفسك في عالم أليس للعجائب، تجتاز الشارع لتحل ضيفاً على شارع الموضة Faubourg Saint Honoré.

قد تتفاجأ وتتغير عليك الألوان والروائح، وتتساءل: “ماذا حصل؟ أين أنا؟” 

لا تجزع فقد دخلت عالم باريس الثاني حيث يختلف كل شيء بدءاً بواجهات المخازن التي بالكاد تعرض شيئاً واحداً، إن كان محفظة يد أو حذاء، ونادراً ما تجد الشيئين معروضين في واجهة واحدة، يحصل كثيراً أن تقف مطولاً أمام واجهة وأنت تبحث عن السلعة المعروضة لتجدها معلقة وحيدة في الأعلى.

إن أردت الغوص أكثر في عالم التناقضات، فما عليك سوى أن تقطع ساحة الكونكورد وتتجه نحو جادة Montaigne، لتدخل عالم باريس السحري، وخصوصاً إن صادفك الحظ – أو قلة الحظ– وكان ذلك خلال أسبوع الموضة.

قد يدهشك هنا كما هناك، ملامح السيدات المارات أمامك، فهن محملات بأكياس، ليست كأكياس قاطني الأبواب الأخرى من باريس التي قد تحوي كل ممتلكاتهم الشخصية، هذه الأكياس قد تحوي حذاءً أو محفظة يكفي سعرها لإطعام مخيم كامل.

إن كانت ليالي قاطني أو زائري الدائرة 16 الباريسية بيضاء من السهر في الحفلات الصاخبة في الفنادق الفخمة حيث يلتقي مصممو الأزياء المشهورين مع معجباتهم، فإن ليالي قاطني وزائري الدائرة 19 الباريسية هي أيضاً بيضاء، باختلاف بسيط وهو أنهم يقضون ليلتهم واقفين على الرصيف ليشكلوا الطابور الصباحي لطالبي اللجوء أمام مركز الشرطة المختص.

مدينة واحدة، أبواب مختلفة، وعدة محطات مترو تكفي لخلق تناقضات بحجم الفراغ الأزلي ما بين السماء والأرض. إن قُدر عليك أن تعيشها فما عليك سوى خيارين: إما أن تعجز عن تقبلها وتضع نظارات سوداء وتطلب من ربك أن يحملك بعيداً. أو أن تتقبلها وتعيشها بكل جوارحك، تبتسم لكل من يمر أمامك وتقول: إنها باريس يا صديقي.

يوميات أُخرى:

زاوية يوميات مهاجرة 12: للمنفى قصص تطول…!

زاوية يوميات مهاجرة 11 : صباح يوم غير عادي …!

زاوية يوميات مهاجرة 10: وطن …!

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سكانيا..

محمد زاده. شاعر سوري مقيم في ألمانيا في طفولتي كنتُ مهووساً بالشاحنات كان أبي يحلم بأن أصير طبيباً مثل عمي الدكتور محمد والذي أحمل اسمه، بينما كنت أحلم بأن أجلس مكان أبي خلف مقود شاحنته الطويلة من ماركة سكانيا. كان أبي يغيب فجأةً لشهور ويعود ...