الرئيسية » باب القلب » بيوغرافي فنان العدد- السوري بطرس المعرّي: العمق الإنساني وراء التفاصيل الساذجة

بيوغرافي فنان العدد- السوري بطرس المعرّي: العمق الإنساني وراء التفاصيل الساذجة

تسميه الناقدة الفرنسية “آنيك شانتراك ليلوك”: “فنان الشظايا”، وتكتب عن مجموعته “دفتر إقامة” التي يصوّر فيها تفاصيل باريس الصغيرة: “نظرة الفنان تعمل كمصفاة ساخرة، إذ يتوقف عند مشاهد من حياة الشارع الباريسي.. أما من زاوية أكثر اتساعاً فالفنان يسخر من الحياة، حين يتحوّل الإنسان إلى دمية تسلّم زمام أمورها لأخلاقية متقطّعة أو للاأخلاقية المظاهر، سمة المجتمعات الاستهلاكية”.

السخرية، البساطة المحمّلة بالأفكار، السذاجة والمباشرة التي تكتنف العمق، سمات أساسية في لوحات الفنان السوري “بطرس المعري” المولود بدمشق 1968، كأنه رهان على البساطة المخادعة لإيصال الشحنة البصرية للآخر!

وا حبيبتي – ثلاثية( 2019)

 

تأثير الحكايات:

الحكايات التي سكنت روح “المعري” سكنت لوحاته أيضاً، فلوحاته قصص عن بساطة العيش والناس أكثر منها قطع فنية جامدة. البداية كانت برسمه للحكواتي ولأناس المقاهي، فكانت شخوص البدايات بدون تعابير محدّدة أو بتفاصيل ممحية! هذه الشخصيات صارت تتطور وتتخذ مع الزمن أشكالاً أخرى. لكن الحكايات الشعبية والفن الشعبي ظلّت موجودة في لوحاته تتطور مع تطورها، فنرى لوحات مستقاة من الكتب المقدسة كالعشاء الأخير والقربان والبراق وآدم وحواء، ومثلها كمثل رسومات الفنان بسيطة ومليئة بالمعاني المخفية.

تخرّج “بطرس المعري” من كلية الفنون/ قسم الحفر بجامعة دمشق1991 قبل أن يكمل دراسته في فرنسا، ولم يعد إلى سوريا إلا العام 2008 بعد أن نال شهادة الدكتوراه، ليدرّس في كلية الفنون لمدة 4 سنوات قبل أن يهاجر من جديد العام 2013 إلى هامبورغ الألمانية ويستقر فيها.

وربما من هنا من دراسته للحفر استقر الأبيض والأسود في لوحاته، وظلت عينه ترى الرماديات أولاً، ورغم أن اللون تسلّل مع الزمن إلى أعماله لكنه بقي كدخيل خجول ليظل الأساس: الأسود والأبيض.

شآم ما المجد 2016

رسومات الآخرين:

في معرض دراسته لفنّ الكتاب المصور اطلع “المعري” على الكثير من كتب التصاوير الشعبية في الشرق الأوسط، وخصوصاً سوريا، وكانت الكتب التراثية العربية كألف ليلة وليلة، والتصاوير الآتية من إيران وتركيا ومصر منهله الأساسي. مع الزمن صار هذا العالم عالمه الذي راح يغوص فيه أكثر فأكثر.

“لا يوجد فن شعبي في دمشق بدون أبو صبحي التيناوي، ومن ثم ناجي عبيد وهو بين البينين لا هو شعبي ولا أكاديمي”، يقول “المعري”، وكان عليه أن يجد مقابلاً للتيناوي في زماننا، فكان الفنان “برهان كركوتلي” من ينهل من التراث والقصص الشعبية، واختاره كموضوع للماجستير الذي قدمه في باريس.

يشرح “المعري”: “سحرتني عوالم أبو صبحي التيناوي وبرهان كركوتلي وثبّتت حبي الشديد للشام. بالاستفادة منهما وبالتفارق عنهما أيضاً راحت الرسومات الشعبية تسكن أعمالي، استمدّيت من روحهما البساطة والمباشرة والسذاجة في بعض الأحيان، ولكن بمستوى آخر. فأنا لا أتقاطع مع التيناوي في سوية التعليم، وأنتمي إلى جيل مختلف عن جيل كركوتلي، تختلف تقنياتنا ومواد تعبيرنا، ولكنهما حفرا عميقاً في فني”.

مع الزمن راح يتبلور أسلوب “المعري” الخاص جداً في الرسم، وراحت بصمة مختلفة للغاية تظهر في شخوصه. فبالإضافة إلى دراسته النظرية حاول الفنان أن يشتغل على الكتاب المصور المطبوعillustration  فأخذ مجموعة من القصص وأعاد صياغتها ككتب مصوّرة للأطفال، ثم أكملها بنشر ثلاثة كتب تعليمية للأطفال باللغتين الفرنسية والعربية صدرت بدور نشر فرنسية.

السوري (ثلاثية) 2017

عن باريس:

بعد حصوله على الماجستير راح “بطرس المعري” يحضّر للدكتوراه، وهنا أتى السؤال: هل صحيح أن الفن الشعبي هو أساس اللوحة السورية؟ وهل الفن السوري الحديث، بتقنيات الزيتي والأكليريك مثلاً، يملك أساساً شعبياً؟!

تطور البحث عن الإشكالية هذه ليكون سؤالاً وعنواناً لأطروحة الدكتوراه: البحث عن هوية!

هناك في باريس راحت الكتابة الصحفية عن الفنون تستهوي “المعري” أيضاً، فكتب عديد البورتريهات عن فنانين سوريين في الصحافة الفرنسية، وابتداء من 2012 بشكل دوري في الجرائد العربية.

يقول خليل صويلح في إحدى مقالاته عن أعمال المعري: “ليست علاقته طارئة في التحريض على أهمية الفنون الشعبية في الفضاء التشكيلي، بل إنه يستدعي بلاغة الشارع، وبسطات الأرصفة، وذاكرة الحكواتي بخطوط حيوية وتعليقات ساخرة تعرّي العمل الفني من رصانته”.

بالفعل السخرية لا تغيب عن أعماله وأحيانا العبث، وترتدي الرؤوس الشرقية في لوحاته الطربوش أو القلنسوة، ومدينته مسوّرة بالحنين والزمن الماضي وحكايات الحارات القديمة! فالفنان يعيد كل الازمان إلى الزمن العثماني في الشرق. فيقول: “كل الاحداث الكبيرة حدثت في ذلك العصر. أنا متوقف عند العهد العثماني، أنسى الحدث وأخترع الشكل”.

وسائل أخرى:

رغم أن “المعري” يعتقد بأن وسائل التواصل الاجتماعي لا تؤخذ كثيراً على محمل الجد، لكنه استخدم الفيسبوك كوسيلة لنشر رسوماته على نطاق واسع. بالرسم يحاول أن يهدئ النفوس الغاضبة، على حدّ تعبيره. فاخترع شخصيات “أبو عذاب أند فريندز”، وهم ناس من ورق يحكون قصصاً للترفيه أحياناً أو كرسائل سلام وحب في زمن الحروب أحياناً أخرى، أشبه برسالة توعوية اجتماعية موجهة للشباب، وآتية من قناعته بأن أحداً لا يستطيع إلغاء الآخر.

مؤخراً صدر كتابه “كيوبيد الدمشقي”، رسالة حب في زمن الكره، نصوص ورسومات تتسم بالبساطة التي تحملها لوحاته، الشام حاضرة فيها كما دوماً. كأنه أعاد تدوير الأسطورة الرومانية ليقدّم نسخةً دمشقية من كيوبيد، مجنّحة مع فاكهة الكبّاد تطوف فوق بيوت الشام القديمة.

أقام “بطرس المعري” عشرات المعارض الفردية في دمشق وباريس وألمانيا والإسكندرية، آخرها 2018 معرضه بصالة أوروبيا بباريس بعنوان: “فلتر قهوة”، كما شارك في الكثير من المعارض المشتركة. ولوحاته مقتناة في معهد العالم العربي بباريس.

 

الموقع الإلكتروني للفنان http://almaari.net/

خاص أبواب

 

اقرأ/ي أيضاً:

بيوغرافي فنان العدد: العراقي رياض نعمة.. التعبير الأكثر جمالاً عن مأساة البشر

بيوغرافي فنان العدد – الفنانة السورية نغم حديفة : الأخضر يعمّ بدهشته على العالم

بيوغرافي فنان العدد 35: الفنان السوري عبدالكريم مجدل البيك

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحميل العدد 38 من جريدة أبواب بصيغة PDF…

يمكنم تحميل العدد 38 من أبواب بصيغة PDF بالضغط هنا. تقرأون في العدد 38 من جريدة أبواب: افتتاحية العدد 38  “اللغة الأم في المنفى!” بقلم علياء أحمد  باب ألمانيا: إعداد أحمد الرفاعي: ميركل امرأة المفاجآت.. على خشبة المسرح ربع كاثوليك ألمانيا ابتعدوا عن كنيستهم غالبية الألمان يشكون ...