in

لا أحدَ يصدّق حزني يا الله!

اللوحة للفنان صفوان داحول

نيرمينة الرفاعي*

خلقَ الله وجهي بابتسامة مقوّسة نحو الأعلى دائمًا، وكأنَّه بعدما انتهى من صنعي رغبَ بتسديد سهم للأرض ثم عَدَلَ عن رأيه، هذا القوس الذي لم يجد سهمه قط، جعلَ من الصعب جدًّا على الناس أن يأخذوا حزني على محمل الجدّ. لا أحدَ يصدّق حزني يا الله! أنا حزينة لأسباب مبهمة لا أستطيعُ تفسيرها تمامًا، أو ربما لأسباب واضحة لا أستطيعُ تخبئتها أيضًا. لن أحكي عن القتل والجوع والخراب، لن أتكلَّم عن ترابٍ أنهكهُ الدم والعظام الطرّية. أنا أتحدّث عن حزني الخاص، حزني الذي يخصني أنا وحدي، حزني الذي لا شريك له، لبيّته وأنا أطوفُ حاملة على ظهري عتمة قلبي المشدود إلى رئتي كحقيبة مدرسية أرتديها بالمقلوب. همومي الشخصية كثيرة، تضايقني الكرة الأرضية الأكبرُ من اللزوم، تزعجني الخرائط المرسومة على طريقة لعبة “سلّم حيّة”، ويخيفني طول خطوط الحياة في كفّي الفارغ.

عن الحزن بتفاصيله الغزيرة أتحدّث، عن خيام عرجاء غير متساوية الساقين، عن خواتم نصف قطرها لا يكفي لإتمام قبلة، عن غرفٍ مربّعة تخرمُ أضلاعَها نوافذُ مغلقة وشراشفُ فردية، عن الصور التي لم أستطع تعليقها إلّا بعد أن غرزْتُ مسمارَ غدرٍ في منتصفِ ظهرها، عن رائحة جثث الناموس الملتصقة أجنحتها بأجهزة طرد الحشرات الكهربائية، عن جدار المطبخ ولطخة الفانيلا التي تركتها المرأة التي سكنت البيت قبلي، عن سقوف المستشفيات المضاءة بالمصابيح الموفرّة للطاقة، عن الأسرّة الفارغة، وانعكاسات أرواح المرضى عن مباضع الأطباء، عن الحزن البعيد أتحدّث، عن القراصنة الذين لم يتقاسموا معي صناديق الفلفل والزعفران، ورفضوا تغطية عيني اليسار وتركوني أبكي بعينين اثنتين كاملتين.

أبكاءُ القراصنة أخفُّ وطأة يا الله؟ أمن الصعب أن أبكي بعين واحدة مثلهم؟ أمن الصعب أن تقسمَ دمعي، أو وجهي؟ مرَّ العمر ولم يقسمني أحد!

عن العمر الكامل، والحزن الكامل أتحدّث، عن الرهانات الفاشلة التي خضتها بحصان أجبن من أن يقطعَ شريطَ النهاية، فبقي عالقًا فوق الحاجز الخشبي، عن القرارات الخاطئة التي أصررتُ على المضي بها قُدمًا كي لا يتهمني أحدٌ بأنني تراجعت أو انسحبت، عن الوقت الذي هدرته وأنا واثقة بأنني قوية لدرجة أنني سأغيّر الأشياء، لأكتشف لاحقًا أنَّ أصغر الأشياء غيرتني، ليتني لم أكن واثقة بقوتي!

عن الناس أتحدّث، عن أولئك الذين يراهنون على قدرتي على الاحتمال فيتركونني لوحدتي دون أن يخطرَ ببالهم أن يسألوا عن ضعفي، وعن أولئك الذين يراهنون على انكساري فيسألون عنّي بلهفة الباحث عن زلّة، الناسُ لا يأخذون حزني بجدّية، يتركون على جداري الافتراضي الكثير من الوجوه الصفراء بأفواه تقهقه دون صوت، يعاتبونني على الاتصالات التي لم أجب عليها، وعلى الرسائل المذيّلة بدليل المشاهدة، يشيرون إلي في الشارع بأيديهم نحو الأماكن السياحية ولافتات مطاعم الوجبات السريعة، يذكرونني بمواعيد إقلاع السفن والطائرات، ثم يتركونني مثبّتة بأقدامي إلى البلاد الطينية.

عن انفصام فمي الذي مازال مقوّسًا نحو الأعلى أتحدّث، عن حسدي للقراصنة وعيونهم القليلة وأنا أفكّر كم كان يمكن للحياة أن تكونَ أسهل لو استطعتُ على الأقل أن أختبئ في صندوق فلفل أبكي فيه بعينين اثنتين كاملتين، كاملتين كحزن هذه البلاد..!

 

*كاتبة وروائية أردنية

اترك تعليقاً

قنّاص ورصاصة ووردة

الاغتراب اللغوي في بلاد اللجوء: عقبة أم عتبة