الرئيسية » باب أرابيسك » قاعدة الخوف الذهبية
اللوحة للفنان عبد الكريم مجدل البيك

قاعدة الخوف الذهبية

 

دلير يوسف*

حين أحسّ عادل بالجوع، بسبب انتظاره الطويل أمام بيت عارف الجيغاني أخرج فأراً من أذنه، بإدخال أصبعه الأوسط عميقاً في أذنه اليسرى، جامعاً أكبر قدر ممكن من الصملاخ ومحولاً إياه إلى فأر.

كان يمضغ لقمته الأولى بعد أن وضع رأس الفأر الحيّ في فمه مبقياً باقي الجسد والذيل في يده حين خرج  السيد عارف الجيغاني، الطبيب المعروف ورئيس المحكمة القاضية بأحكام الموت في الجزيرة، متوجهاً إلى مكتبه من أجل مقابلة خاصة في وقت غير اعتيادي له، فهو لم يعتد الذهاب إلى مكتبه بعد الساعة الخامسة عصراً، لكنّه يخرج اليوم في الساعة الثامنة مساءً من أجل لقاء موفد الجزيرة المجاورة للبحث والمشاورة في شؤون الخارجين عن أمر حاكمي الجزيرتين، الأمر القاضي بمنع المواطنين من السفر بين الجزيرتين.

قفز عارف إلى الوراء مرتعباً حين رأى ذيل الفأر متحركاً موحياً بوميض من الحياة ما زال متبقياً في جسد الحيوان الصغير. صاح بالرجل الواقف أمامه: “ما هذا؟ أرمِ هذا الشيء بعيداً، من أنت ماذا تريد؟”. أخفى عادل بقايا الفأر في جيب معطفه الأزرق الكبير الداخلي مرتبكاً وخائفاً. وقال بتلعثم: “أنا هنا يا سيد جيغاني من أجل قضية أخي باسل الذي حكمتم عليهم بالشنق غداً صباحاً، أؤكد لكم يا سيدي إنّه بريء تماماً من كلّ التهم المُوجهة له، فهو لم ينادي بموت مولانا الحاكم، ولم يشتم زوجة حضرته ولو لمرة واحدة، وإن كلّ ما قيل عن صراخه في الحقل، أقصد حين تحدث بصوت عالٍ عن رغبته في ترك الجزيرة والسفر إلى ما وراء البحر، كذب محض، كنت أريد أن أقول لكم ذلك في مكتبكم اليوم صباحاً، لكن عناصر الشرطة لم تسمح لي بذلك، اعذرني يا سيدي لكن كلّ ما قالوه عن أخي كذب وافتراء، وكلّ من يعرف باسل عن قرب يعرف تعلقه بالجزيرة وحبه لسيدي الحاكم”.

لم يكن عارف الجيغاني يستمع لما يقوله غريب الأطوار الذي يقف أمامه، كان خائفاً من نصف الفأر الذي رآه قبل قليل ولم ينتبه إلى أنّ سائق سيارته قد فتح الباب بانتظار صعوده. كان يفكر في خوفه الدائم من الفئران حين قال له سائقه بعد أن ابتل حتى ثيابه الداخلية بفعل أمطار الربيع التي لا تتوقف: “تفضل يا سيدي”. حينها انتبه عارف الجيغاني إلى محدّثه آكل الفأر، فـقال بسرعة وهو يصعد إلى سيارته مبتلاً: “لقد صدر الحكم، لا أستطيع أن أفعل شيئاً بعد الآن”. تحركت السيارة بسرعة كبيرة تاركة عادل وحيداً أمام منزل القاضي.

اللوحة للفنان عبد الكريم مجدل البيك

حدّث عادل الجيغاني نفسه: “كل الناس في هذه الجزيرة تخاف مني وأنا أخاف من فأر صغير، يا لغرائب الدنيا”، ثم بصوت مسموع سأل سائقه: “قل لي يا حسن، ماذا تعرف عن الخوف”. التفت السائق الخمسيني نصف التفاتة نحو سيده وقال له: “عشت عمراً طويلاً يا سيدي مسربلاً بالخوف، الخوف من كلّ شيء، من الموت، من الحكومة، من فقدان الراتب، من عقوق الأبناء، من أن أصاب بالزكام، من غضبك، من كلّ شيء يا سيدي، لكنّني ومنذ خمس سنوات لم أعد أخاف من شيء”. “لماذا؟” سأله الطبيب القاضي بفضول. أجابه السائق وهو يشق بسيارته طرقات الجزيرة الغارقة بالمياه: “قابلت منذ خمس سنوات عجوزاً قال لي لا تخف من شيء، ما تخاف منه سيقتلك، لذلك يا سيدي لم أعد أخاف الزكام لأنّني لا أريد أن أموت بنزلة برد شديدة، متى أتى المرض سأستقبله بصدر رحب، وكذلك غضبك يا سيدي لم أعد أخافه”. قال السيد بعصبية واضحة: “اصمت وتابع القيادة، نكاد نتأخر”.

لم يتابع رئيس المحكمة القاضية بأحكام الموت اجتماعه بانتباه كامل، كان يفكر بما قاله سائقه حسن: “ما تخاف منه سيقتلك”، لم تفارقه هذه العبارة طوال الأمسية مما جعله يعود إلى البيت بعد الاجتماع مباشرة ويعتذر عن طعام العشاء بحجة نوبة من نوبات مرضه المعوي.

في حمامه الخاص في الطابق الثاني من بيته الواسع الذي يعيش فيه إلى جانب ثلاثة خدم وطباخ وحدائقيّ يشغلون غرف الطابق الأرضي، نظر إلى نفسه في المرآة مطولاً، حدّث نفسه مثلما يفعل كلّ ليلة: “أنا عارف الجيغاني، الرجل الأقوى في هذه الجزيرة، حتى حاكم الجزيرة يهابني، وقريباً سيهابني حكّام باقي الجزر المجاورة، سوف أسيطر على كلّ الأرخبيل أنا عارف الجيغاني”، لكنّه أضاف اليوم هذه العبارة: “لكنني أخاف من هذا الفأر الحقير”.

حين نطق هذه الجملة خرج له فأر من صنبور المياه مندفعاً مع المياه المتدفقة بقوة. قفز الرجل إلى الوراء بفزع فرأى خمسة فئران في زاوية الحمام تنظر إليه، اتجه هارباً نحو الباب فوجد فأراً ينتظره هناك. نظر حوله، كانت الفئران في كلّ مكان. لم يعرف من أين أتت كلّ هذه الفئران، ولماذا! كانت أعداد الفئران تزداد بسرعة كبيرة. حاول الصراخ لكن صوته اختفى مع ظهور الخوف واحتلاله لجسده المترهل.

اقترب منه أحد الفئران وصعد على قدمه ومن ثم تسلّق ساقه، لم يستطع عارف أن يحرّك ساكناً لشدّة الخوف. انسحب لونه البشري وكأنّ بروحه قد خرجت من جسده. وصل الفأر إلى وجهه وعضّه من شفته السفلى، وكأنّ هذه العضّة كانت الإشارة التي انتظرها باقي الفئران من أجل الهجوم على الرجل. نهشت الفئران لحم عارف الجيغاني خلال دقيقة ونصف، ولم يبق منه سوى العظام المرميّة على أرض حمام بيته الكبير.

في الصباح التالي جمع الخدم عظامه بأمرٍ من الحاكم، وقاموا بتنظيف البيت جيداً وحرق كلّ الأشياء المتعلقة بعارف الجيغاني تحضيراً لاستقبال رئيس المحكمة القاضية بأحكام الموت الجديد، السيد عابد الحيفاق.

دلير يوسف. كاتب سوري مقيم في برلين

 

اقرأ أيضاً

شعر الخضر شودار: الحب في غرفة سلفادور دالي…

شمس تحولت إلى عصفور

المنفى الوحيد كان الوطن… كوابيس لاجئ سوري 2

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لندع الموتى يرقدون بسلام

عمر قدور* ظهرت بعد الثورة محاولات لإعادة النظر في الثقافة السورية السابقة عليها، هي بمجملها محاولات قليلة، لم يخلُ بعضها من أسلوب صادم، وحالف بعضها الحظ فأخذت قسطاً من الجدال. كذلك كانت هناك محاولات متسرعة لتأريخ الثقافة السورية فيما بعد الثورة، ولم تغب المزاجية عنها ...