الرئيسية » باب أرابيسك » شمس تحولت إلى عصفور
اللوحة للفنانة هبة العقاد Facebook /Heba.Alakkad.Art

شمس تحولت إلى عصفور

قصائد

علي جازو*

 حماية ماراثونية

حمَت الأقدامَ الصغيرة من البرد، حمَتْ أواني المطبخ العتيقة إذ وجدت معنى حياتها الرتيبة جميلةً، حمتِ الرياح الوديعة تطفو على السياج والأودية الموسيقية، خلف العيون، حمتْ سعادةً لها هيئة الفجر، حمت الدفءَ الذي جمّد قلبها في عينيها، حمت الانتظار الطويل المبكي.

حمتِ العزلة حمتِ الخوف حمتِ النهاية والصمت والثلج، حمتِ الصباح.

 كانت تذبلُ

كانت تذبلُ سواء نظرتْ في الماء أم زرعتْ نفسها في بذور الفاكهة. كانت تذبل سواءٌ صرخت بالدموع في لحم الغيوم أم جذبت الأفق إلى يدها، كانت تذبل سواء سكنتِ المرآة أم غرقتْ في نار البحيرة. كانت تذبل سواء حوّلتِ الليل إلى صلاةٍ فاجرة أم رمَتِ النهار بتراب الأفئدة. كانت تذبل سواء التهمتِ الورودَ أم سدَّتْ شقوق النافذة.

 تَحَمُّل النور

في وحدةٍ بلا منفذ، تقف مثل ريحٍ تعثرتْ بستارةٍ داخل نافذة. لا يجاورك شيء إلا يزيدك قرباً إلى ما يتساقط، ومثلما تتفادى البذورُ الأنيقةُ الصخبَ، تجد من يعينك على تَحَمُّل النور. كل شيء يلائمك ويناديك ويمحوك، ومثل بحيرة أرجوانية تغمض عينيك، لكنّ حوافَّك تبقى متموجة مصغية.

 طريق إلى المتاحف

يبحثُ الماءُ عني، من دون أن يراني يضمني بين عينيه المفتوحتين أبداً. ليس صغيراً حتى يضيع، ولا ضعيفاً كي يبكي أو يرجو. يُحوّلني الماءُ من دون أن يرغمني على أي شيء. ربما كنت ابنَهُ الأعمى السعيد، كنت كهفَهُ المغلق بالعشب الجاد، وطريقه المتواري الصاعد إلى متاحف الملائكة.

 شمسٌ تحولت إلى عصفور

شاخت الجذورُ، سريعاً، يدي تنادي جناحها الأزرق الطافي. أقبلت الأمّهات، جلبنَ الطرق معهنَّ، كلَّ الطرق التي اخضرَّت فيها البيوضُ والزوارقُ.

شمسٌ أصيلة هناك، بنتْ عشاً، من الأرق تحولت إلى عصفور.

 في الصمت في الحجر

ماذا أفعل بفمي، أهو لي حتى أمنحه، مثلما يفتح صبيٌّ يديه أمام أمّه كي يريها مرآةَ حياتها؟

تلك كانت خطوتي، متعثرة خجولة وبطيئة، متردّدة؛ كأنني أغرقتها في الوحل، في الخطأ، في الغناء المرير، في الصمت في الحجر؛ ذاك الذي يسند ألفَ ألفَ بيتٍ.

على نارٍ على جبلٍ

نحن أثرٌ من آثار الشمس؛ لا تبالي بأحدٍ، وتظل تخدم بلا صوت ولا دعاء، وكما لو كانت هدية، تكتبُ رحيقها على جلودنا، وداخل بياض عظامنا.

يا للصّمت! يا لصمت الشمس! يا للأعجوبة ذاتها؛ كم مرة كانت، وهي الآن هنا، للجميع مثل نسمةٍ، مثل ذكرى تشتعل في أغنية، أو مثل يدٍ تزحف على نارٍ تطوي جبلاً.

اللّسان

يا نيزكاً من لحمٍ، ماذا جاء بك إلى داخل فمي، ماذا تفعل وحيداً كضمير يتيم؟ مُدَّني بالمسافة الأولى، بدرب العودة التي جعلتكَ الأقربَ الأبعدَ.

الفم

زهرةٌ مقطوفةٌ أنتَ، على الدوام مقطوفة باقيةٌ، تتقد في الإطار الشجاع لآلاف التبدلات الضئيلة، وما من أحدٍ لا يصعب عليه الاقتراب من صمتك الأخضر، من حرارتك السرية.

العين

تنظرينَ غائرةً داخل الأشياء، كما لو كنت تتغطين بها، كي تحميك وتدفئك. هناك تستأنفين العمل الأبهى، تنضجين على مهل، كي تولدي طفلة انعكاساتك.

اليد

قِدَم المياه والصخور، قديمةٌ أفعالُكِ، قديمةٌ، لكنّكِ بخفّة تدخلين الميزان الأسود الآن. أمامك شبكة من المياه. لن تغرقي سوى أنك من النور تنشلين جثث النهار. قديمة أفعالك.

الوقت

سُلَّمٌ أخضر يدور حول ريحٍ من مرآة. اصعدِ الوقتَ ترَ الغابة، انظرِ الوقتَ تتحولْ إليه. ها هو يعودُ مثل حجرٍ وفيّ. الدائرة انغلقت من جديد، الآن أتذكره؛ ذاك الرجل الليليّ المعمّر، بلحيته، بقلبه الصغير. هي لك، أيها الوقت، أيها الحجر، المرأةُ المسنّة التي أضاءت غبارَ الجنود، وحيدةً وقفت على الدرب، كانت ثيابُها أليفةً مثل بيتٍ.

اليد واللهب

بحثتُ طويلاً عن اللهب الناجي، وجدتُ سهولاً ترتجف تحت لحوم الفقر الجليدية. كانت المغارة أقرب وأصلح من ضوء شمعة طويلة نحيلة، ولم تكن الريح لتسمح برفيق آخر سوى التقلّب على الجمر. يدُكِ الصغيرة، لا الشمعة، حملت النور إلى عيني.

علي جازو. شاعر سوري مقيم في بيروت

اقرأ أيضاً:

قراءة في ” يوميّات وقصائد ” علي جازو

قصائد جديدة تنال حريتها – أشرف فياض: الشاعر المنسي في أقبية الظلام

لا الوقت و لا الشجر و لا المجازات

 

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لندع الموتى يرقدون بسلام

عمر قدور* ظهرت بعد الثورة محاولات لإعادة النظر في الثقافة السورية السابقة عليها، هي بمجملها محاولات قليلة، لم يخلُ بعضها من أسلوب صادم، وحالف بعضها الحظ فأخذت قسطاً من الجدال. كذلك كانت هناك محاولات متسرعة لتأريخ الثقافة السورية فيما بعد الثورة، ولم تغب المزاجية عنها ...