العمل الفني: عمر إبراهيم Instagram: Omar.i.art

سقوط حر…

محمد زادة*

لا أعرف كيف سأشرح لك أشياء لا يجوز شرحها. القصة لا تتعلق بأن هناك أشياء يكمن جمالها في غموضها فكيف سأشرح لك مغبة اللحظة الأولى والنظرة الأولى التي لم تستغرق سوى ثلاث ثواني، والتي ما زالت حتى اليوم تشغل مساحة سنين في الذاكرة.

لا أعرف كيف سيستطيع رجل ضعيف أن يدفع دبابةً نحو قمة جبل دون أن يفكر بك، فالقصة لا تتعلق بأنك تشعلين أعواد الثقاب كلما تسللتِ مع الشهيق الخفيف إلى رئتي، ولا بأنك تتجاهلين قانون الجاذبية رغم أنك تعرفين أن الخطأ كان فقط في التوقيت، فلو أنني جئت للحياة في العام 1966، ورآني نيوتن كيف أسقط منك بشكل مستقيم نحو الهاوية، لكنت أنا التفاحة التي غيّرت مسار البشرية بسقوطها الحر.

المسافة بيننا أقل من ساعتين ولكن فارق الزمن أكبر بكثير، فأنت تعيشين في العام 2019 أما أنا فلم أصل بعد، لا زلت في العام 2017 أحاول تفسير الأشياء التي لا يمكن تفسيرها، فالقصة لا تتعلق بأن متجر الأزهار الذي يقع في طريق المقبرة، تعمل فيه أمرأة سبعينية ضاع زوجها قبل عشرين عام في رحلة إلى جزر القمر، فعادت وحدها وفتحت متجرآ للأزهار وكلما أشتري منها وردآ تقول لي بصوت خافت “رجلٌ طوله متر وستة وسبعين يضيع .. هل تصدق”

أفكر أحيانآ بأن أصير قويآ فقط لأركل تلك الدبابة المتربصة على قمة الجبل وأتأملها وهي تتدحرج ككرة نحو الوادي. ففي طفولتي كنت قويآ وذات ليلة أسقطت نجمة بتسديدة من سبابتي.

ستقولين أن النجمة سقطت نتيجة خطأ ميكانيكي كما يحدث عندما يُسقط الثوار طائرة حربية ببندقية بدائية. القصة ليست كيف ولماذا سقطت تفاحتي.. الحدث أنها سقطت ولكن ليس بشكل مستقيم بل كانت تتأرجح وتحترق في سقوطها البطيء.

في طفولتي لم أكن طفلآ بل كنت رجلآ صغيرآ يفكر بمشاكل والده وبأحلام أمه، ولهذا لم أكبر كما الآخرين الذين سبقوني الى النهايات بل درّبت نفسي على العودة للوراء وعدتُ في الزمن حتى وصلت كل البدايات.

لا علاقة لآينشالين بفكرتي، أنا أردت فقط أن أجرّب السفر عبر الزمن وبسرعة تفوق سرعة الضوء بخمس مرات. الآن.. الآن وبلحظة قصيرة كجزء من ثانية أعود في الزمن ثلاثين عامآ للوراء، وأصل المكان الذي كان لي ثم أعود منه عشرة أعوام أخرى تسبقه مارّآ بمئات الأصدقاء، كل هذا يحدث في أقل من ربع ثانية وأنا جالس هنا في منزل لا أملكه ولا أفكر حتى في أمتلاكه.

كانت أمي تضربني لو رأت في يديّ أعواد الثقاب وهي تحاول أن تشرح لي ماهو الأحتراق وكم هو مؤلم أن ترى أصابعك وهي تحترق وأنت عاجز عن فعل أي شي، تمامآ كما أحترقت نوتردام أمام أعينهم أو كما أحترقت تلك البلاد الجميلة أمام أعين العالم.

ولكن ما علاقة كل هذا بالأشياء التي قلت عنها بأنها عصية على الشرح مثلآ أن تشرح لسائح أمريكي على شاطئ البحر الميت بأنك أصبحت بلا بيت بلا وطن بلا حبيبة بلا أقرباء يجتمعون في بيت العائلة، بلا مقبرة صغيرة تخص أفراد العائلة، وصار لك في كل بلد مقبرة فيها صديق أو قريب دفن هناك.

والأهم من كل هذا هو أنك بلا مستقبل، ومنذ زمن وأنت تعيش في ماضيك وتستريح فيه. فكيف سأشرح لك الآن فكرة إقتلاع شجرة تفاح من حلب وزرعها في بلد بعيد، فكرة أن الجذور ستظل تحاول تثبيت الشجرة في تربة غريبة وفكرة أنها ستحمل تفاحآ لا طعم له لكنه تفاح.. كيف سأشرح لك فكرة الوطن والدبابة لازالت واقفة هناك، كيف سأفسر لك قصة الحب وقانون الجاذبية يحكم عليها بالسقوط، كيف سأحدد أنتمائي وأنا لازلت في حالة سقوط .

*شاعر سوري مقيم في ألمانيا

إقرأ/ي أيضاً:

الكتابة بمخيلة الرسام: حوار مع الشاعر السوري محمد سليمان زادة

أنوثة الشعر ج2- المصائر الشعرية

عندما لا يكفى الحب! Wenn Liebe nicht reicht


عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

بيوغرافي فنان العدد: حازم الحموي من الجنون لوناً إلى حوارٍ عميقٍ مع اللوحة

تحتضن برلين هذه الأيام معرض الفنان السوري حازم الحموي “نحو اللون- Nach Färben”، ويضم أعمالاً بالأبيض والأسود بدأها منذ 2011، وأعمال جديدة من بينها مجموعة (الفقدان). حيث ثمة أجزاء “ناقصة” من العمل، يقول عنها الفنان حازم الحموي “هذا الفراغ هو جزء من العمل. إنه الفقدان ...