in

برلينيات –الجزء الثالث

اللوحة للفنان باسم دحدوح

راما جرمقاني.

-1-
لا أحب الأكل وحيدة، تعتريني كآبة مدوية عند ممارسة هذا الطقس، وأخجل أن أعترف بالحقيقة، لا أقوى على وضع حبّ كبير في طبق لأتشاركه مع نفسي، عادة ما انتهت بي المرات التي طبخت خلالها برمي ما طبخت في سلة المهملات، لا لمذاقه السيء، إنما لعدم قدرتي على اجترار روحي التي وضعت بعضًا منها في الطبق!
-2-
أخاف أن يمر يوم وأنا بمفردي، أن تنقضي الأربع وعشرون ساعة وأنا لم أجد شخصًا يخصني يقول لي “كيفك؟”… ألّا أتبادل حديثًا تافهًا مع أي شخص، وهذه المدينة جسدت لي مخاوفي، وجعلتني أعيشها دون أن أتخلص منها.. أخاف الوحدة!

-3-
أخجل من كلمات أمي في كل مرة أتحدث معها، أخجل من نفسي وأنا أحاول الهروب منها، أشعر بالراحة عندما ينقضي يومي وقد تمكنت من الهروب من صوتها، يخنقني صوت أمي القادم من بعيد، أخجل وأنا أقول لها إنه لا جديد، ولا شيء تغير. أمنع نفسي من أن أدخل في سماعة الهاتف لأرتمي بحضنها، وأقول لها كم أحتاجها.
-4-
منذ خمسة أشهر وأنا أعيش كشخص آخر، لا أعرف أيهما أنا، الحالية أم السابقة… ولا أقوى على التفكير، أو لا أرغب. استمتع بالشخصية الجديدة التي ركبت عليها قليلاً من الماضي وبعضًا من الأحلام لأقدمها أمام من لا يعرفوني سابقًا. البدء من جديد له فوائد كالتعامل مع من ليس لديهم خبرة سابقة عنك. يمكنني أن أكون نفسي بالطريقة التي أحب. أختار الغلاف المناسب وأقدمها مرتبة للناس.

-5-
تعود إلي مشاعر خلت أني نسيتها منذ المراهقة، لا أدري هل هي عادت أم أنا استحضرتها، استمتع بها كثيرًا حتى بالسيء منها. أنا شخصية مازوشية هذا ما اكتشفته هنا.
-6-
لست حزينة أبدًا، ولا كئيبة، وكل ما أدعيه ليس موجودًا، أدعيه فقط لأبقي نفسي مشغولة، ولأتوقع سؤال أحدهم عني، كل الكوارث التي أدعيها فقط لتجعل الآخرين يهتمون لأمري.. لأني ومجددًا أخاف الوحدة… كم أنا مثيرة للشفقة!!
-7-
لم تصلني أي رسالة مهمة على أي من وسائل التواصل الاجتماعي منذ أيام. أقوم بالتحديث كل عشر دقائق.. وأحيانًا أجبر نفسي على النسيان لساعة لعلي أتفاجأ عندما أفتح هاتفي، لكن لا شيء تغير… وما زلت أحاول..

-8-
لم تصدقني ربما، لكن عندما رأيتك أحسست أني وأخيرًا لدي ما يخصني في هذا البلد الغريب.. أن جزءًا من أناي القديمة أعيد للحياة…
-9-
لم تعد تعنيني تفاصيل هناك، ولا تثير اهتمامي تفاصيل هنا، ضائعة أنا بين عالمين.. أبحث عن نفسي بينهما.. وأبحث عنك..
-10-
أعتذر من كل الناس لكنّي لا استطيع أن أظهر مأساة سوريا في حديثي، تزعجني نظرة الشفقة في عيون الناس عند سماع أني سورية، لا أحزن ولا أخجل.. أنزعج فقط.. لست مثيرة للشفقة لهذا السبب لدي أسباب كثيرة يحزنون لأجلي عليها غير جنسيتي.. كـ “هو” مثلاً!!!

مواضيع ذات صلة

برلينيات (الجزء الأول)

برلينيات –الجزء الثاني-

بورتريه: راما جرمقاني

اترك تعليقاً

ضلي اضحكي يا ريم..

نداءٌ لا يقرَبُ الغبار