الرئيسية » باب أرابيسك » بيوغرافي فنان العدد – الفنانة السورية نغم حديفة : الأخضر يعمّ بدهشته على العالم
أوفيليا 2016

بيوغرافي فنان العدد – الفنانة السورية نغم حديفة : الأخضر يعمّ بدهشته على العالم

بقدر ما يبدو واضحاً شغف الفنانة التشكيلية السورية “نغم حديفة” بالرسم وتقنياته المبتكرة، بقدر ما تشغلها بحوثها في الفنون وتاريخها، وبقدر ما يشغلها المعنى والمفهوم الفني والأخلاقي للعمل، بقدر ما يبدو هاجس التكنيك حاضراً في عملها، هي التي تصنع ألوانها بنفسها خالطة زيت الكتان بالصمغ والألوان وصباغ الجوز وغيرها من المكونات لتخلق ألواناً لها بصمة خاصة بها.

ولدت “نغم حديفة” العام 1981 في قرية الكفر التابعة للسويداء جنوب سوريا، ودرست الفنون الجميلة في دمشق وكذلك الدراسات العليا (قسم التصوير)، قبل أن تغادر إلى فرنسا لتكمل هناك دراسة تاريخ الفن وتنال الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون بباريس. شغفها البحثي جعلها تقضي سنوات في دراسة مفصلة عن الوجوه لدى الفنان السوري العالمي “مروان قصاب باشي”، وعليها نالت شهادة الدكتوراه بامتياز شرف مع شهادة تقدير بالإجماع من قبل اللجنة المحكّمة العام 2015، وقد نشرت رسالة الدكتوراه في كتاب طبع بالفرنسية وحمل اسم: “مروان وجهاً لوجه” عن دار “بيتر لانغه Peter Lang International Academic Publishers” بسويسرا العام 2018.

في السنوات التي قضتها “نغم حديفة” تحضّر لرسالتها انشغلت ببحث فني آخر، لا يقلّ إثارة، وهي دراسة مقارنة بين الشرق الأوسط والغرب بما يتعلّق بموضوعة الوجوه، ليس بمنحى فلسفي وفني فحسب بل بمنحى أنثروبولوجي، بمعنى نبش تاريخ الوجه كتيمة قديمة قدم فنون البشر، تلتصق بالجنائزية والموت والخلق! كما تلتصق بثقافات المنطقة، كاكتشافات الوجوه الجصّية وتماثيل الوجوه في تل الرماد الأثري بسوريا.

أثّرت الدراسات الفنية النظرية كثيراً على تطوّر الأداء الفني لـ”نغم حديفة” هي التي تعتبر الثقافة الفنية مغنية للفنان ولكن خطيرة، لأنها قد تهدّد عفوية العمل الفني، الأمر الذي يجب ألا يتنازل عنه أي فنان. لكن ذلك الإصرار على العفوية لم يمنعها من الاشتغال لسنوات على بعض لوحاتها، فظلت تشتغل على لوحتها “قميص نوم 2” مثلاً لأكثر من 11 عاماً، واستمرت بعض مشاريعها لسنوات، لتتنقّل معها من وطنها سوريا إلى باريس.


قفّاز-2018

منذ العام 2002 وحتى 2006 انشغلت نغم برسم أدوات الرسم، لتتوّج عمل تلك السنوات بمشروع أطلقت عليه: “عصارات ألوان، ضروريات الفنان” لتحتفل بالأدوات، قبل أن تبدأ مشروعها الأضخم والذي سيستمر لسنوات طويلة قادمة: مشروع اللوحات البانورامية في سوريا، وهو عبارة عن مجموعة من اللوحات الكبيرة تتصل مع بعضها تكاملياً ليبلغ عرضها 10 أمتار، يسيطر عليها اللون الأخضر الصارخ، اللون الأخضر ذو الدلالة الخاصة والقريب من قلبها، والذي يرمز للدهشة والطبيعة والفرح، كذلك الحقل الذي شكل لها صدمة من السعادة حين رأته لأول مرة في رحلة مدرسية. واستمرت على هذا المشروع بعد انتقالها إلى فرنسا لتقيم معرضها الفني الفردي في مدينة ليون 2006 بعنوان: “الفارغ والممتلئ” والثاني 2007، وأول معرض فني فردي في باريس 2008 بعنوان “مقدمة”.

منخوليا 2012

العيش في باريس وفي المدينة الدولية الجامعية بين عشرات الجنسيات والثقافات والألوان المختلفة جعل “نغم حديفة” تنفتح على عالم جديد غني ومتنوّع، أثّر للغاية في رؤيتها الفنية ومشاريعها، فبدأت في 2009 مجموعة من المشاريع الفنية ذات الاختصاصات المتعددة استخدمت فيها اللوحات البانورامية، حيث تتناغم فيها اللوحات مع الموسيقا بمصاحبة الراقصات اللواتي يتحاورن بأجسادهن مع ألوان اللوحات وتشكيلاتها ليخرج مزيج فني خلّاب، جعل نغم تتطلع إلى مفهوم مغاير للجسد وجمالياته، وتصقل ثقافتها الفنية من خلال العمل مع الآخرين. هذه المشاريع الفنية المشتركة تنوعّت بالاشتراك مع وسائط فنية متباينة كالفيديوهات وغناء الأوبرا والرقص والموسيقا والتمثيل الإيمائي، وفي عمل سنة 2010 بدأ الحاضرون برسم اللوحة باللون الأخضر بمرافقة مغنية أوبرا يابانية وراقص إفريقي، وبعد سنوات من العمل عليها خرجت اللوحة ذاتها سنة 2013 باسم “قميص نوم 2”. وهنا يبدو كم أن الوقت أمر لا قيمة جليلة له في التطوّر الفني لنغم، حيث قد تمضي سنوات طويلة وهي تعمل على عمل فني واحد.

الخروج من المرآة 2012

في تلك المرحلة راح اشتغالها ينصبّ على الجسد والقماش، وبدأت تتبلور رؤيتها للجسد المتحرك الراقص، لتبدأ في العام 2015 العمل على مشروع “القفازات”، الذي كانت قد بدأته في العام 2012، القفازات باعتبارها مثاراً للفرح، ماسكات للأيدي تماماً كماسكات الوجوه التي عملت عليها مراراً، اليد التي تبني وتهدم، الفاعلة والخالقة لعلاقة الفرد مع العالم.

تيمة قميص النوم التي تعود “نغم حديفة” دوماً إليها، والتي بدأت 2009 حين أهدتها جدتها لأمها وقت السفر قميص نوم، ترتبط عميقاً لديها بتيمة الأغطية والقمصان، تلك الحميمية العميقة للجسد المسترخي في بيته، والتي لا تبتعد عن الطبيعة الأم، التي سنعود إليها يوماً ونتمازج بترابها كجزء حيوي منها. ويظهر هذا واضحاً في لوحاتها “الخروج من المرآة 2012″ و”منخوليا 2012” والمقتناة في متحف العالم العربي بباريس.

تستخدم نغم في اللوحة نفسها تقنيات متنوعة ومختلفة من حفر وزيت وإكرليك وألوان ترابية وحبر وألوان مائية وصباغ جوز وترسم على الورق والقماش.

 

اقرأ/ي أيضاً:

بيوغرافي فنان العدد 35: الفنان السوري عبدالكريم مجدل البيك

بيوغرافي فنان العدد 34 من جريدة أبواب المطبوعة: الفنان السوري عمران يونس

بيوغرافي فنان العدد 33 من جريدة أبواب المطبوعة: رندة مداح

بيوغرافي فنان العدد 32: محمد عمران

 

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

السينما الألمانية: معالجات جريئة للواقع والتاريخ ج2

يكتبها محمد عبيدو* عبر هذه السلسلة من المقالات التي يكتبها الكاتب والناقد السينمائي السوري محمد عبيدو سنسلط الضوء على تفاصيل السينما الألمانية تاريخها وواقعها واه أفلامها ومخرجيها. وهذه المقالات ستنشر في كتاب سيصدر قريباً.   بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت السينما الألمانية في المرتبة الرابعة ...