لوحة "الأحصنة الضخمة الزرقاء" للرسام فرانز مارك Franz Marc - The Large Blue Horses

الحصان

موفق مسعود*

كان يحلم على الدوام أن يكون حصاناً برياً يقارع الصخور والوحوش للفوز بالمهرة الجامحة والينابيع.

وذاك الرجل الذي يسير محنيّ الظهر، كان يحلم ربما بأن يكون قرداً في الغابات المطيرة، حيث الحصول على الغذاء أمراً يلزمه اللعب. وتلك الفتاة التي تخب بين المارة، حلمت بأن تكون حمامة، وهاهي تسير كأنها سترتفع عن الجاذبية بعد خطوتين.

ذلك الشرطي، يلتفت فيقفز منه حلمه في الهواء المحيط، ها هو ضبع أملس الشعر في غابة تعج بالفوضى، وذلك التاجر العتيق على الناصية، يبدو حلمه كثعلب شاحب يتراقص في حدقتيه.. وهناك الكثير ممن عرفهم الفتى الذي حلم بأن يكون حصاناً، وكان يرى أحلامهم القصوى: فراشة، تمساح، حوت، دودة، صقر، سنونو، ضربان، سنجاب، فأر.. إلخ

الفتى الذي حلم بأن يكون حصاناً، توقف عن العدو، بدا متأملاً بسؤال طارئ، اصطدم برأسه حين نظر إلى طفل في الثالثة من عمره في الطريق وأراد مداعبته بفرح وحيوية. كان الطفل رثّ الثياب يمسك كفّ أمه مراقباً العالم بتحدٍ صاف، بينما سارت أمه المتشردة في شوارع العاصمة وهي تقبض على ربطة الخبز بيدها الأخرى كمن يقبض على قاتل.

بدا السؤال كفجوة تفضي إلى مكان آخر لا تفضي إلى هذا العالم، أوقف الصغير مداعباً:

–  بماذا تحلم يا بطل؟

–  أن آكلك.

كان رد الطفل سريعاً ومباغتاً وبلا تردد. توقف الرجل الذي حلم بأن يكون حصاناً، وأطلّ من الفجوة، كان يرى الجميع بلا استثناء يقدمون تنازلاً يائساً في أحلامهم عن الهوية البشرية، 
لا بد أن هذا العالم يائس كبير، ولا بد أن نفعل شيئاً لأجل الأحلام.. قال هذا وقفز عبر الفجوة إلى حلمه تاركاً بشريتّه دون تردد.

المدينة تعج بالضباع هذا المساء. مدينة الأحلام، تلك المدينة التي يُطّل بعض سكانها الوحوش أو الحشرات أو الأشجار أو ذلك الحصان الذي حلم به الفتى، عبر الفجوة  ذاتها، يطل الحصان من الفجوة ذاتها عن طريق الخطأ.. ليرون عبر الفجوة ذاتها الفتى الذي كان يحلم على الدوام بأن يكون حصاناً برياً، يسير على الرصيف محايداً الكون وخائفاً ومحني الظهر وقد بسط كفه أمام المارة، الحياد عن كل شيء سوى الكف المفتوحة.

موفق مسعود. كاتب من سوريا

اقرأ أيضاً للكاتب:

الهزيع الأخير

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لندع الموتى يرقدون بسلام

عمر قدور* ظهرت بعد الثورة محاولات لإعادة النظر في الثقافة السورية السابقة عليها، هي بمجملها محاولات قليلة، لم يخلُ بعضها من أسلوب صادم، وحالف بعضها الحظ فأخذت قسطاً من الجدال. كذلك كانت هناك محاولات متسرعة لتأريخ الثقافة السورية فيما بعد الثورة، ولم تغب المزاجية عنها ...