إرث

 وجيهة عبد الرحمن | كاتبة سورية

كنتُ لا أزال في خريف العشرين، أمسك بتلابيب الوريقات المصفرَّة الساقطة تلو بعضها البعض من شجرة الحياة، أخبرتهم حينذاك بأنَّني لست منطوية على ذاتي، وكالخفَّاش ليس خروجي إلا ليلاً. كتبتُ بخط أسود عريض على لوحة البداية بأنَّني لم أغنّ لأنَّ صوتي جميل بل لأنَّني أجيد الغناء، ولا لقبحي استخدمت المساحيق، فأنا قبيحة بلا شك، أنفي المغولي يشي بي دومًا، أما عيناي كحبَّتي زيتون أسود صغير،  توضَّعتا كيفما اتفق على صفحة وجهي، تحت حاجبين قصيرين.

 

بعدئذ راحوا يشبِّهونني بجدِّي الأعرج، جدي لأمي، أنا من مواليد برج الدلو، يقولون إنَّ الذين من مواليد برج الدلو لهم حظ حلو. ولكن، هل أنتمي إلى قائمة أولئك “حظهم حلو”؟.

 

في قادم الأيام ستخلو ذاكرتي من كلِّ ما حلَّ بي، فقد استهلكتها كلَّها في تذكُّر ما آل بي إلى ما أنا عليه الآن.

 

لذا قبل أن أفقد ذاكرتي بألمها ونزيف الوجع فيها، سأعود قليلاً إلى الوراء الذي جاء بي إلى هنا اليوم.

كنتُ ابنتها الوحيدة، أمي الجميلة، تفنَّنوا في إقناعها بأنَّها جميلة كساعة القبطان، ولكنَّها كانت جميلة حقًا، وأنا لمَ كانت البشاعة من نصيبي؟!.

 

ماذا سأروي اليوم من حكايات ذاكرتي، التي فاض عنها الوجع، وهل بإمكاني استحضار ألبوم الصور مذ وضعتني أمي مولودًا بشعًا أُصدرُ همهمة التمساح حين أبكي؟.

 

كنتُ كبطة سوداء لا تنتمي إلى مجموعتها البيضاء، هكذا كنت أبدو وأنا ألعب مع الصبية والفتيات في حيّنا المتاخم للنهر الوحيد في البلدة.

 

والجميلة أمي، كم كرهتها بما كانت تفعله بيَّ كل مساء، فقد كانت تؤويني إلى الفراش باكرًا، بعد أن تسقيني منقوع اليانسون، وعدة قطرات من علبة دواء لم أعرف مهمتها إلا مؤخرًا، فأرقد في فراشي دون حراك، وهكذا كانت تمضي أيامي المريعة بين استيقاظ مبكِّر، ونوم مبكِّر، لكنَّ الزمن شاهدُ عيَّان على أفعالنا، لا يفلت أحدٌ من عقاله.

 

مضى بي العمر، حتى وقفت ذات يوم قبالة سفرجلة فجَّة في المرآة، أنظر إلى نفسي، أتحسس جسدي، فإذا بالزهرتين قد تفتقتا عن برعميهما،  واكتنزت شفتاي بعصير الخوخ، اندهشت من رؤيتي للماثلة أمامي في المرآة، نسيت لوهلة أمر البطة القبيحة.

 

واظبت أمي على عملها الليلي لتدفعني إلى النوم باكرًا حتى أدمنتُ الحالة، حينها عجزتْ مناقيع أمي الجميلة، عن بثّ النوم في أجفاني.

 

مرارًا تظاهرتُ بالنوم بعد توبيخ مؤلم منها بأن آوي إلى سريري.

 

كانت الأشباح تتوافد على منزلنا ذي الغرفتين كلَّ ليلة، أشكالها اختلفت إذ أختلس النظر إليها.

منذ بداية المساء تبدأ أمي في هندسة جسدها وتبرُّجها، كرهتُ الليل الذي حمل إلى بيتنا رجالاً من كلِّ جهة، أراهم يندسون في سرير أمي ويعبثون بجسدها، ثم يغادرون تاركين أبواب البيت مفتوحة على مصاريعها، وسيل من الدموع يجتر نضارة وجهها.

 

تساءلت مرارًا، لمَ أبواب بيتنا كانت دومًا مفتوحة؟! كانت الأقفال تخدع أمي، حينما تبحث عنها بذريعة أنَّها أضاعت المفاتيح، ولكنَّها كانت تفقدها دومًا بينما تودِّع أحدهم، فتنسى أن تغلق الباب، أو هم من كانوا يتركونه مفتوحًا، مشرعًا لغيرهم ومستباحًا.

 

كبرتُ كالسنبلة قبل أواني، وفتحت ذراعي للريح تحملني إلى عوالم أمي.

 

عاشت أمي سنينها بألم وحدتها المقفرة، صحراء روحها المليئة بالأشواك مذ ظلَّت وحيدة، بعد أن خانها القدر مع حلمها، أصدرت العائلة حينذاك قرارها الحاسم بإهدار دمها إذ علمت بفقدها لميثاق الشرف، غشاء فتحة صغيرة مابين فخذيها، وحين تناهت إلى مسمعها نسائم خفيفة من هواء القرار أطلقت للحياة روحها، هاربةً من قدرها الماجن بلوثة الطهارة، ولليل المظلم فكَّت أزرار قلبها المفعم بلوعة الجرح في روحها، سارت بخطاها على مسالك القفر، ربما حينذاك كنتُ ما  أزال نقطة دم في أحشائها.

 

استقرَّ بها المقام بعيدًا عن أعين الهررة المتلصصة، والنصال التي استباحت لذيذ دمها.

وهناك حيث استقرت، سكنت في بلدة كالضباب، لا تظهر سوى النور، استسلمت إلى الوحدة التي نهشت ذاكرتها فيما بعد، أباحت صحراء روحها لفحولة القدر، ولأن الجوع كافر، سليط اللسان، كان

لابدَّ من إسكاته بجرعة من اللّذة تقدِّمها عصارة روحها الحزينة، وهكذا دواليك باتت تعصر روحها وتقطِّر دمها، لتسكبه في قوارير من ساعات الليل، لإشباع نهمهم.

 

الخطيئة الأولى، ليست خطوة إلى الوراء، وإنما تمتد أوزارها إلى الأبد…

 

باتت خطيئتها شهادة تخرُّج، علَّقتها على سور حديقة بيتها. وبعد مضي السنين، وأنا البطة القبيحة التي خرجت من قارورة الخطيئة، وجدت نفسي أحتلُّ مكانها، بعد أن نالت منها الهبات التي قدمتها من جسدها، فباتت على مشارف عمرٍ يعافها من توافد عليها حين كانت جميلة وفتية.

نال منها المرض، نشب مخالبه في عظامها، بعد أن زلَّت قدمها ذات صباح جليدي وأصبحت مقعدة، استمر قعودها سنوات عدة، انطفأ بريق عينيها، وشحب لونها، ولم يمض وقت طويل عليها وقد أعياها المرض، حين استسلمت أخيرًا ورفعت الراية، فغادرت الحياة، لتترك لي إرثها.

وحيدة تركتني بين أنياب سنيني العشرين، لأبقي بدوري على الأبواب مفتوحة كما في السابق، وعلى شهادة تخرجها في أكاديمية الخطيئة الأولى معلَّقة على سور الحديقة.

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

شخصية العدد: جين أوستن كثافة التعقيد تحت سطح الحياة البسيطة

واحدة من أهم الروائيات الإنكليزيات في القرن التاسع عشر، والتي ساهمت مع غيرها من الكاتبات في تلك الفترة في صنع ما اصطلح على تسميته: الرواية النسائية الإنكليزية، في الوقت الذي لم تكن فيه الكاتبات قد دخلن بشكل مؤثر عالم كتابة الرواية. ثمة تماثل واضح بين ...