الرئيسية » باب أرابيسك » أخيراً، أصبح لي جناحان بين أنغبورغ باخمان ومجموعة 47
Totem on Wall - العمل الفني عبدالكريم مجدل البيك

أخيراً، أصبح لي جناحان بين أنغبورغ باخمان ومجموعة 47

وداد نبي

نشر هذا النص بالألمانية بعنوان: Ich habe Flügel, endlich على موقع Zeit Online

في شباط 2014 كان رأسي يتدحرجُ ككرة قدم على أحد شوارع حلب، فيما عيناي تنغلقان بقوةٍ. أردت الموت بشدة، كان الدم يسيل من أنفي فيما كلمات “أنغبورغ باخمان” تقفزُ في رأسي المدمى على الأسفلت: “كل شخص يسقط لديه أجنحة.”

كنتُ أسقط في موتي الذي اخترته، منتظرة الجناحين اللذين سيطيران بي لعالم أخر أكثر عدالة وإنسانية، عالم لا وجود لقسوة الحب فيه. كنتُ أريد إنهاء حياتي تحت عجلات السيارة العسكرية التي لم أنتبه لهويتها إلا بعد أن رميت بنفسي أمامها، إنهاء حياتي التي سرقتها مني الحرب، الحب غير المحقق، الحواجز العسكرية، الخوف من الاعتقال، القصف اليومي، اليأس، انقطاع الكهرباء والماء يومياً لساعات طويلة، هجرة معظم الأصدقاء والعائلة، وكل التفاصيل الصغيرة غير المتوفرة في مدينة تعيش تحت قبضة الحرب الهائلة. 

أردت أن أضع حداً لحياتي القاسية لذا ذهبت للانتحار، لكن الموت رفضني، قذفني خارج أرضه، أهانني وأذلني حين وضعني بين يدي الجندي الذي كنت أهرب منه، وأرفع صوتي عالياً في المظاهرات ضده، ذلك الجندي من دهسني بالسيارة العسكرية حينما قرّرت الموت! كانت إحدى سخريات القدر، إذ حملني بين ذراعيه من الشارع فيما كعب بندقيته يلامس جبيني. فتحت عينيّ للحظات، لمحت كعب البندقية، أغلقتهما وعدت مرة ثانية لـ”أنغبورغ باخمان”، أسألها: لماذا الألم قاسٍ يا باخمان، لماذا؟ كيف نجا قلبك بالاحتراق؟ ولماذا لا أنجح مثلك؟

خرجتُ حينها من المشفى بكسرٍ في الحوض، أقعدني في السرير ثلاثة أشهر. ضحكة الطبيب وكلماته في أذني: “هذه أول حالة تأتيني منذ عامين بحادث سير، هناك جرحى بسبب قذيفة، صاروخ، قصف، رصاصة قناص، جرة غاز، أما أن يأتيني أحد بسبب حادث سير فهو عجب العجاب في حلب”، وأطلق ضحكة طويلة.

كدت أخبره بأنه ليس حادث سير، إنما محاولة انتحار للخلاص من بؤس الحياة في هذه المدينة، لكنني قرّرت الصمت، وعدت لقصيدة باخمان: “لكل شخص يسقط جناحان”، وأنا الآن بلا أجنحة أسقط في هاوية اليأس والألم.

في السرير ممددة على ظهري عدت لقراءة “أنغبورغ باخمان”: كنتِ أريد أن أنجو بالشِعر، تعاطفت مع علاقتها الغرامية بباول تسيلان، وماكس فريش ورسائلها إليهما، ألمها الممتد على سنوات عمرها، حتى السيجارة الأخيرة التي أحرقت حياتها بها.

كانت “باخمان” في تلك المرحلة الصعبة والطويلة في حلب جناحي الأول الذي عثرت عليه، وساعدني على المشي مجدداً. كنتُ أعرجُ بسبب الكسر في الحوض، لكن قصائدها خفّفت الألم والعرج، وهي ترافقني وأنا أحاول التمرّن على المشي مجدداً في مشتل الورد بالحي الذي أقيم فيه، ولربما لا تزال القصائد هناك تنمو في أصص الزهور في مشتل الورد بعد أن توقفت الحرب في حلب.

مرّ عام على تلك الحادثة، نجوت من الموت بجناحٍ واحد، كان من صنع “باخمان”، فقد كانت سبباً مهماً لهذه النجاة.

وصلتُ برلين وأنا أحمل إرثاً ثقيلاً من تجربتي الشخصية في الحرب والحب والصراع لأجل البقاء. اكتشفت إنني لازلتُ أعرج، لازلت بكسر غير مرئي لكن هذه المرة ليس في الحوض إنما في القلب، كسر لم أستطع معرفة كنهه إلا أثناء حديث لي مع صديق عن “أنغبورغ باخمان” وعلاقتها مع “ماكس فريش”، ذلك الحديث دفعني مرة أخرى للبحث عنها، هذه المرة بالألمانية القليلة التي أجيدها. كنت أريدها أن تنقذني من الوحدة، من مشاكل الهوية التي بدأت أعاني منها في البلد الجديد كما في بلدي، هويات عديدة تتشكّل داخلي دون أن أستطيع الانحياز لإحداها، إحساس بعدم وجود عدالة على الأرض، أردتُ لـ”أنغبورغ” أن تمنحني الطاقة والأمل للبدء من جديد في الكتابة والحياة.

وكانت المفاجأة اكتشافي علاقتها مع مجموعة 47، حين قرأت لأول مرة عن هذه المجموعة، عن الأدب الحديث الذي كتبوه، عن رؤيتهم الجديدة للحياة والكتابة والنقد في زمن كان صعباً جداً بالنسبة لهم، كيف هدموا القديم وتخلصوا من أنقاض الماضي، ذلك  الدفاع الشرس عن الحرية والديمقراطية والقضايا العادلة في كل مكان على الأرض، كل ذلك فتح نافذة ضوء صغيرة في عتمة المنفى البرليني الجميل، فهنا في هذه البلاد وقبل أكثر من ٥٠ عاماً وُجد مجموعة كتاب وشعراء عانوا ما أعانيه الآن!

هؤلاء من كنت أرغب أن أولد معهم، أن أعيد معهم اكتشاف لغتي ومفرداتي، أن أغيّر الذهنية التي أفكر وأكتب بها، أن أعود لإيماني القديم بأننا من خلال الأدب يمكن أن نغيّر شيئاً من بشاعة هذا العالم، مجموعة 47 كانت جناحي الثاني الذي أفتقدته طوال الفترة الماضية بعد نجاتي من محاولة الانتحار، هذه المجموعة التي تذكرتها حين كنت أقف بيأس أمام حافة نهر شبريه، أبكي هشاشتي وعدم قدرتي على مواجهة المسؤوليات الجديدة التي ينبغي أن أقوم بها وحدي في هذه المدينة التي بالكاد أعرف لغتها، رغبتي المتواصلة بالموت كحل وخلاص، عدم قدرتي على المشي بقدمين حديديتين على هذه الأرض التي تبيّن لي أنها أقسى مما كنت أتوقعهُ، أنقاض الماضي وأشباحه، صعوبات الحاضر والبدء من جديد وحيدة بلا عائلة، بلا أصدقاء، بلا موطن، من أنا لأقاوم كل هذا الدمار والألم والقسوة!

كان السؤال يدور في ذهني حين بدأ أعضاء مجموعة 47 يظهرون لي الواحد بعد الآخر، جلسوا حولي على ضفة النهر، من “أنغبورغ باخمان” إلى “هنريش بول” فـ”غونتر غراس” و”هانس ماغنوس” و”ماكس فريش” وآخرون لا أعرفهم. كان صوتهم واحداً وقوياً: “الكتابة ستشفيك، ستساعدك على المضي قدماً، على تعلم المشي والابتسامة من جديد”.

“صدقتهم”، ألم يكتبوا الأدب الألماني الحديث من الصفر؟ ألم يشطبوا كل ما سبقهم؟ ألم يصنعوا عالمهم الخاص رغم من كل الصعاب؟ 

منذ أيام في مكتبة ببرلين شاهدت كتاباً لـ”أنغبورغ”، على الغلاف كانت صورتها، نظرت لعينيها المنكسرتين تحت تأثير الفقدان، ولكن القويتان بنفس اللحظة، همستُ لها برقة: أخيراً أصبح لدي جناحان.

 

اقرأ/ي أيضاً:

العودة ج1

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج1

 

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

احتفالات الهدنة وآلة الحروب التي لن تتوقف

شريف الرفاعي* فيما كنت أتابع قبل أيام الاحتفالات الفرنسية بذكرى الهدنة والذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، تذكرت رواية اسمها: صبر العصافير اللامتناهي وهي تخرج عن المألوف في صياغتها وموضوعها، يروي كاتبها الأسترالي دافيد معلوف (وهو من أب لبناني وأم بريطانية) قصة شاب استرالي مولع ...