الرئيسية » افتتاحيات

افتتاحيات

المنفى بوصفه نقطة انطلاق للإبداع

شهد الشهر الماضي عدّة نشاطات أدبيّة وثقافيّة في عدّة مدن ألمانية، كان المتحدّثون باللغة العربيّة جزءًا مهمّا جدًا فيها. فبدأ شهر آذار في ميونخ، حسب التقويم الخاص لهذه النشاطات، بقراءة أدبيّة وعرض كتاب الأنطولوجيا الألمانية “أن تكون راحلاً، أن تكون هنا” في بيت الأدب في مدينة ميونخ، بحضور ألماني وعربي، شاركتُ في هذه الأمسية مع الشاعر الصديق عارف حمزة، والشاعرة الصديقة لينة عطفة. بعدها بأيّام قليلة، استضافت كولونيا مهرجان “أدب من سوريا”، ثمانية أدباء وأديبات لقراءة نصوص بالعربيّة والألمانية، ولم تكد تنتهي هذه الفعالية؛ حتّى استضافتنا مكتبة “بيناتنا” المشروع العربي الجاد في برلين، أول مكتبة عربيّة عامّة، في ندوة ثقافيّة مع الكاتب والإعلامي السوري إبراهيم الجبين بمناسبة توقيع روايته “عين الشرق”. أما في مدينة أوسنابروك، فقد تم إطلاق مسرحيّة “المدينة المجهولة” للكاتب المسرحي السوري أنيس حمدون باللغة الألمانية، المدينة المجهولة التي هي “مضايا” وهي في الوقت ذاته، مدينة على شاطئ في شمال ألمانيا. كذلك، فقد استضافت العاصمة عرضين متتاليين لمسرحيّة “طريق النحل” التي يؤدّيها مونودراميًا الفنان الفلسطيني القادم من فلسطين خليفة ناطور في واحد من أهم مسارح أوروبا “شاوبونه”، ومعرضًا فنيًا للمصوّر الفلسطيني محمد بدارنة. وها هو شهر نيسان يغادر بعد أن اختتمتُه بقراءة شعريّة لمجموعة من قصائدي المترجمة إلى الإنكليزية في برلين، بمناسبة افتتاح معرض “حياة مجرّدة” للفنان الإيطالي ماريو ريزّي. وقد حدثت نشاطات ثقافيّة مهمّة أخرى بالتأكيد، لم تتح لنا معرفتها، لعدم وجود تواصل فعلي بين العاملين في الشأن الثقافي الناطقين بالعربيّة، وعدم وجود كيانات وأجسام ثقافيّة تستطيع أن تجمع وتنظّم وتحشد في هذا الاتجاه، أجسام تعمل كجسور ثقافيّة بين المبدعين أولاً، بين المبدعين والجمهور العربي ثانيًا، وبين المبدعين والجمهور العربي والمبدعين الألمان والجمهور الألماني كذلك. رامي العاشق Ramy Al-Asheq شاعر وكاتب صحافي من سوريا – فلسطين، رئيس تحرير صحيفة أبواب، صدر له “سيرًا على الأحلام” 2014، “مذ لم أمت”و “لابس تياب السفر” 2016، يعيش في ألمانيا بعد استضافته من مؤسسة هاينرش بول الألمانية في منحة تفرّغ للكتابة ...

أكمل القراءة »

مع الحريّة ضد الفاشيّة

  رامي العاشق | رئيس التحرير حين بدأت الثورة السورية في آذار 2011 لم يكن يخطر في بال أحدنا أن تتحوّل سوريا إلى ملعب لكل القوى الدوليّة والمجموعات الإرهابية التي تتقاتل كلّ لمصلحتها. وها نحن ندخل العام السابع بعد أوّل قطرة دماء سالت في درعا لتشعل البلاد ثورة شعبيّة مستمرة ضد نظام ديكتاتوريّ موغل في التوحّش، بل الأكثر توحّش في العصر الحديث، والمقتلة السوريّة أصبحت الأكثر دموية بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب حرب الإبادة التي شنّها النظام السوري وحلفاؤه على الشعب الطامح للحرية والكرامة ودولة ديمقراطية حديثة تقوم على أساس المواطنة. ستّة أعوامٍ انقضت ولم يتوقف شلال الدم السوري، تهجّر أكثر من نصف الشعب، وخسرنا مئات الآلاف من القتلى وأصبح دمنا وهروبنا وأشلاؤنا مواضيع الكتب والدراسات، والمعارض الدولية، ومهرجانات السينما، وحديث الشاشات والساسة، ولم يفعل العالم شيئًا لنا، وكأننا لا ننتمي لهذا العالم الذي لا يتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان والإنسانية. ستّة أعوامٍ ذهبت بأهلنا وذكرياتنا وكثير من أحلامنا. قبل انقضاء هذه الأعوام الستة بأيام، ومع استمرار المجازر التي يقوم بها النظام وعصاباته، وتنظيم الدولة الإسلامية وأشباهه، وروسيا وطائراتها، وأمريكا والتحالف الدولي، حدثت جريمة جديدة في غوطة دمشق الشرقية، إذ قامت سلطات الأمر الواقع التابعة لميليشيا “جيش الإسلام” التي تسيطر على الغوطة الشرقيّة سيطرة عسكريّة دينيّة، وتمارس فاشيّتها العسكرية والدينية على المدنيين، وتتصارع مع المليشيات الأخرى على ثروة الأنفاق شأنها شأن أي عصابة لأمراء حرب، قامت بإغلاق مجلّة “طلعنا عالحرية”، المجلّة الثورية المشهود لها، بسبب مقال رأي، وبغض النظر عن جودة المقال ومحتواه، فقد استعملت سلطات الأمر الواقع المقال ذريعة لتقضي على صوت مدني ديمقراطي حرّ، عن طريق تحريض الناس ضد الصحيفة وفريقها، هذه السلطة ذاتها المتهمة باختطاف أربعة من أهم ناشطي الثورة السورية المدنيين وهم: “رزان زيتونة، سميرة خليل، وائل حمادة، وناظم حمادي”. إننا في صحيفة أبواب، نعلن تضامننا الكامل مع مجلّة طلعنا عالحرية، وفريقها من الزملاء الصحافيين، ونسعى بكل جهدنا، في أي منبر، وأي مناسبة -رغم بعدنا وعدم ...

أكمل القراءة »

كتابات النساء: في تدوير زوايا العالم

  روزا ياسين حسن| رئيسة التحرير تعرّضت المرأة خلال تاريخ الكتابة الطويل إلى محاولات حثيثة لإقصاء صوتها. فلطالما تسلّط الرجل على اللغة، والمتسلّط على اللغة متسلّط على المعنى، ينتجه على هواه وديدنه، والأهم أنه ينتجه حسب مقولاته التي يدفع بها ويكرّسها بالكتابة/ اللغة. هذا ما فعلته بالضبط السلطة البطريركية (الذكورية) على مرّ تاريخ الكتابة، حين عملت على إنتاج معناها المكرّس، بتحكمها المطلق بدفّة الكتابة. دخول المرأة إلى عالم الكتابة جعل العالم يعرف صوتًا مختلفًا، كان آخر همّ له أن يعرفه أو يسمعه، وبذلك تحوّلت المرأة من موضوع لكتابات الرجل إلى ذات إبداعية منتجة. الكتابة، كفعل ثقافي، جزء لا يتجزأ من الممارسة الفاعلة للمرأة، باعتبارها محاولة لإعادة كتابة التاريخ والواقع بعيون مغايرة وقلم مغاير: قلم أنثى. على هذا سنعرف، من خلال الكتابة النسائية الجديدة، وجهات نظر جديدة لم نقرأها بعد، وسنتحسّس لغة جديدة لم تكتب بعد. ليست وجهة النظر القديمة، حيث سجنت الكتابة النسائية في مواضيع محدّدة ولغة ساذجة، بل وجهة النظر الراسخة والعميقة في كل شيء، ابتداء بالدهشة والحب، وليس انتهاء بالحرب ونظام الكون. الكتابة نضال من نوع مغاير يختصّ باللحظة الإبداعية، نضال هادئ وطويل الأمد ومتخلّص من الأوهام. من أهم الصرخات التي أطلقتها مدارس ما بعد الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين، هي تلك التي تدعونا للاستماع إلى كل صوت سبق وأجبر على الصمت، أن نستمع إلى الهامش بكل أطيافه المتفاوتة عرقيًا وأقواميًا ودينيًا وطبقيًا وجنسانيًا. والنساء هن أكبر مساحات الهامش الجنساني وأكثرها تحييدًا، وربما كانت الكتابة عنهن أو بألسنتهن نوعًا من حرف الضوء إلى الجانب المعتم، أو نوعًا من الغوص في عوالم لم تُكتشف بعد ومازالت حتى اليوم على هامش الكتابة. إنها مجرد دعوة للانتقال من موقع المفعول إلى موقع الفاعل عبر كتابة الحكاية بعيونهن أو برؤيتهن. على هذا فتكريس الكتابة النسوية هو تكريس لكتابات الهامش. وأقصد بالنسوية (في الكتابة) كمصطلح يعنى بالكتابة ضد السلطة والثابت والمغلق، أي إنها كتابة تتنصر للهامشي والبري والمنفتح. من هنا جاءت ...

أكمل القراءة »

ضحايا الدرجة الثانية

  ضحاياهم وضحايانا، قتلاهم وقتلانا، دائمًا ما نجد هذا التفضيل بين متماثلين، وغالبًا ضمير الملكية هو الذي يعطي القضيّة بعدًا آخر، وإننا نسمّي القاتل قاتلاً حين يقتلنا، ولكن حين يقتل من يختلف عنا، فتصبح القضية وجهة نظر! وهذا ينطبق على كثير من المجتمعات، بدءًا منا، إلى شعوب ما يسمى بالعالم المتقدم. في كلّ المجتمعات يوجد من يصفق للمجرم، مصفقون لبشار لأسد، وأبيه من قبله، لصدام حسين، لهتلر، لإسرائيل، ومصفقون لداعش.. إلخ. أمّا الضحايا، فهذا يعتمد على هوية الضحية، هل هي ضحيتنا أم ضحيتهم؟ فمثلاً: لم تُحدِث جريمة 11/9 في نفوس العرب والمسلمين، الألم ذاته الذي أحدثته في نفوس الغرب، ولم يعتبر معظم العرب والمسلمين أن هؤلاء الضحايا ضحاياهم أيضًا، كذلك، اكترث العالم المتقدم بجريمة شارلي إبدو أكثر بكثير من مجازر حلب ودير الزور وغيرها من الجرائم التي تحصل اليوم أمام أعين العالم. هذا التقسيم المقيت للضحايا وللمجرمين بحسب هوياتهم، وبحسب قربهم منا أو من “أعدائنا” ليس من “الإنسانيّة” بشيء. يفرح مسلمون بتهدّم ملهىً ليليٍّ، ويفرح غيرهم بتهدّم مسجد! مع أن الضحايا في الحالتين من المدنيين العزل، إلّا أن المعيار هنا ليس الضحية بل انتماؤها. كلّ هذا يمكن فهمه، ولا يعني أنه يمكننا تبريره. أما الذي لا يمكن فهمه ولا تخيّله، هو أن تكون المفاضلة بين ضحيّتين على أساس جنسية القاتل، بحيث لا تعود الأهمية المطلقة متركزة على هول الجريمة، وفظاعتها، وتداعياتها، ولا حتى على الضحية، وما حصل لها، وما تأثير هذه الجريمة على ضحايا محتملين، كل هذا ليس مهمًّا، المهمّ: هو جنسية الجاني بالدرجة الأولى، وأي شيء غيره يأتي لاحقًا. فإذا أتينا بحادثتين متماثلتين، الضحيّة فيهما ذات بشرة بيضاء، أوروبية، غير مسلمة، في كلتا الجريمتين، ولكن في الجريمة الأولى، كان القاتل أوروبيًا، أبيضَ البشرة، غير مسلم، وفي الثانية، لاجئًا أو مسلمًا. سيتم التعاطي مع الجريمتين بطريقة مختلفة، سيركز الإعلام والشرطة وغيرهما على الجريمة الثانية، وعلى جنسية الجاني، وعلى لون بشرته، وموطنه الأصلي حتى جده الرابع. أما الأولى، فستمر بهدوء، لن ...

أكمل القراءة »

عام على الحلم

أن تمسكَ الحلم، أن تسعى لتكون صوتًا، وبيتًا، أن تفتح الـ”أبواب”. هكذا بدأ المشروع، تجمّعًا لأصوات صحفيين وكتاب وفنانين تركوا بلادهم تحت وطأة مخاطر الضغط الأمني، والحرب، ليبدؤوا حياتهم غرباء في بلاد غريبة، باحثين عن منبرٍ، لهم، ولمئات آلاف اللاجئين، الباحثين أيضًا عمّن يوصل صوتهم. بدأت أبواب كمشروع تطوعيّ، يعتمد التمويل الذاتي، والإيمان بحق اللاجئ في إيصال صوته، والتعبير عنه، وحقه في المعرفة، وفهم القوانين، والاستفادة من الفرص التي تتيحها البلاد التي لجأ إليها، بدأت: بخمسة وأربعين ألف نسخة، وست عشرة كاتبةً وكاتب، وتستعد لاستقبال عامها الثاني، بذات القيم، بـسبعين ألف نسخة، ومساهمة أكثر من خمسين كاتبة وكاتب. اعتمدت أبواب طوال العام الماضي سياسة الباب المفتوح، فمساهمات الجميع موضع ترحيب، والأراء البنّاءة كلها تجد مكانًا في الصحيفة، مهما كانت متباينة، أو حتى متناقضة، والقارئ وحده هو الحكم، لأن أبواب تؤمن أنّ عليها مسؤولية كبرى في تمكينه من الاطلاع على كل الأراء، واتخاذ ما يراه الموقف المناسب. مع بداية العام الثاني، يشعر فريق أبواب بثقل المسؤولية الملقاة على كاهله، فصوت الصحيفة صار مسموعًا، وموادها تُترجم وتنشر في أهم المواقع الألمانية، وتثير جدلاً وأسئلة عميقة فيما يخصّ القضايا التي تمسّ اللاجئين، والقوانين التي تُسنّ تباعًا بما يخصّ حياتهم وإقامتهم. وإن كنا نواجه اليوم، كلاجئين، المزيد من الضغوط، الاجتماعية والقانونيّة، إضافة لكل الصعوبات السابقة المرتبطة بتعلم اللغة، والبحث عن عمل، وإثبات الذات، وصراع تحديد الهويات، فإن أبواب، تعي أنها معنيّة بكل هذه الضغوط، التي يرجع الكثير منها لتلاعب الإعلام الأوروبي بملف اللاجئين، والصور النمطية المرسومة لهم في أذهان الأوروبيين، والتي يبدو أن الطريق طويل جدًا لتصحيح ما فيها. فمن التركيز على جنسيّة أي مخالفٍ للقانون إن كان لاجئًا، إلى قوانين الاندماج وتقييد السكن، إلى التباين في مدة إجراءات حصول اللاجئ على الإقامة في ذات الولاية، بل وفي ذات الحيّ أحيانًا، ومآسي لم الشمل، ويُضاف إلى كلّ هذا الدم النازف في بلاد اللاجئين، وتجاهل الجميع له، ما يضع اللاجئ، ومعه أبواب، أمام معركةٍ طويلة، ...

أكمل القراءة »

نحن بشر “عاديون”

لدى متابعة العديد من الصفحات والمجموعات السورية على “فيسبوك”، يُلاحَظ أنّ طريقة تناول “صورة” السوري اللاجئ في أوروبا، يغلب عليها ضربٌ من اللاعقلانية لدى كثيرين. تمضي هذه اللاعقلانية في وجهتين، يجهد أصحاب إحداها في التركيز على الجوانب الإيجابية، وإبراز الناصع، والمشرق من التجارب، وقصص نجاح هذا وذاك من اللاجئين في حياته الجديدة، وتكرار الحديث عن الإمكانات والمؤهلات التي يتمتّع بها اللاجئون (نسبة المتعلمين والشباب مثلاً)، وتالياً الفوائد الجمّة التي ستجنيها الدول المضيفة جرّاء استقبالهم. أمّا في الوجهة المقابلة، فيواظب آخرون على نشر كل ما تقع عليه أيديهم من أنباء أو شائعات، عن ارتكابات وأفعال مشينة قام بها لاجئون أو نُسِبت إليهم، ويكثرون من الحديث عن أيّ ظاهرة سلبية في أوساطهم. واللافت أنّ بين المتبنّين لهذه النزعة العدائية ضدّ اللاجئين، حملة ألقاب علمية من مهاجرين سابقين (أقدم)، تراهم اليوم متماهين مع الخطاب اليميني المتطرف ضدّ أبناء جلدتهم. فهل يظنّ هؤلاء أنهم بهذا يؤكدون “اندماجهم”، أم أنّها محاولة بائسة للانسلاخ عن البيئات التي أتوا منها؟ ثمّة في الإعلام أيضاً من لم يسلم من الوقوع في المبالغات، سلبًا وإيجابًا. ويمكن تلمّس الحالتين عند مقارنة كيفية تعامل بعض الإعلام مع اللاجئين أيام “ثقافة الترحيب”، وكيف بات عليه الوضع أخيرًا، بعد صعود اليمين نسبيًا، والدعاية المناهضة للهجرة واللجوء، فضلاً عن “الإسلاموفوبيا”. هاتان الوجهتان، وإن بدتا متناقضتين ظاهريًا، لكنّهما متماثلتين في الجوهر، نظرًا لتشاركهما السقوط في أفخاخ التعميم والمبالغة. إنّ القسم الأكبر من القادمين الجدد قد مضى على وجودهم هنا زمن لا بأس به، وبدأت حياة معظمهم تستقرّ نسبيًا. وكما في مجتمعاتنا الأصلية كذلك هي أوساطنا كلاجئين، فينا الصالح وفينا الطالح. وكأي مجتمع آخر، فإنّ السواد الأعظم من الناس، هم أشخاص “عاديون” يعيشون حياتهم برتابة وهدوء، يدرسون ويعملون ويمرحون، فعامّة الناس ليسوا عباقرة ولا هم بمجرمين. وقلّة من أي مجتمع لديها ما يميّزها عن السائد والمعتاد، سلبًا أو إيجابًا، إجرامًا أو إبداعًا. وأي جماعة بشرية كانت، لن تأخذ سماتها العامة من أحد طرفيها النقيضين: المجرم أو ...

أكمل القراءة »

معرض الكتاب بلا كتاب سوري!

منذ أيام قليلة، كان لي شرف المشاركة في معرض فرانكفورت للكتاب، الأكبر في العالم، إذ كنت مشاركًا مع ثمانية عشر كاتبًا وكاتبة في أنطولوجيا أدبية باللغة الألمانية بعنوان “أن تكون راحلاً، أن تكون هنا” سبعة عشر منا كانوا من سوريا، بالإضافة إلى شاعرة إيرانية وشاعر يمني. أطلقنا الكتاب في مؤتمر صحفي، وأثناء لقائي مع تلفزيون ZDF ذكرت الشاعرة السورية لينة عطفة أنها ذهبت إلى الجناح السوري في المعرض، وأنها لم ترَ إلّا المصاحف في الجناح، لا شعر، لا رواية، ولا قصة. لم يدم صبري طويلاً، حملت كاميراتي، وعزمت صناعة تقرير مصور عن هذه القصة، وصلنا إلى الجناح، وإذ بشاب سوري في العشرينيات، نائمًا على الكرسي وهو جالس! نظرت إلى الجناج، وكان ما توقّعت! مصاحفُ ملوّنة، قرآن فسفوري، قرآن وردي، قرآن معتّق.. وفي زاوية الجناح، رف فقير لدار نشر صغيرة لديها سبعة كتب قديمة، ربما سقطت سهوًا، أو تطفلت على أصحاب المصاحف. عشر دور نشر تقدّمت لهذا المعرض، وافقت السفارة الألمانية على منح تأشيرة لثلاث منها، وهي التي كانت هناك، أما البقية، فلم يحصلوا عليها خوفًا من استيطانهم وتقديم اللجوء هنا في أرض الأحلام. وحين سألت أحد أصحاب دور النشر عن ذلك، أجابني ببساطة: “أنا مصلحتي المصاحف”. يسعى النظام السوري دون كلل أو ملل إلى تسويق صورة الإسلامي والإرهابي للشعب السوري، وتساعده في ذلك دول العالم “المتحضر” ووسائل إعلامه، خاصة تلك الدول التي استقبلت “لاجئين مسلمين”، ويكتمل المسلسل في جناح “الجمهورية العربية السورية” في المعرض حيث لا نرى من ثقافتنا وأدبنا وفننا سوى كيف نصنع مصاحف ملوّنة، وحين يأتي الإعلام الألماني إلى الجناح، تسمع بوضوح من رجال الجناح: “الأوضاع تمام بسوريا، مناطقنا آمنة، لا تصدقوا كل شي بتشوفوه!”. نعم، فحلب وإدلب والمعضمية وداريا واليرموك وحمص وقدسيا ليست مناطقهم، مناطق كائنات أخرى لا تشبههم، ولا تشبه توحّشهم. في المقابل، في جناج إحدى أكبر دور النشر الألمانية، كان السوري فراس الشاطر يطلق كتابه “أنا أتقرب من ألمانيا” وسط إقبال ألماني كبير، الكتاب الذي ...

أكمل القراءة »

“نحن” تعني “جميعنا”

مضى أكثر من عام بقليل على إطلاق أنغيلا ميركل لأشهر كلماتها: “ Wir schaffen das“، وتعني: “نحن يمكننا ذلك”. ثلاث كلمات صغيرة باللغة الألمانية ألهبت أكبر حراك مساند للاجئين في تاريخ المجتمع المدني الألماني. إلّا أن الذي غاب كثيرًا عن النقاشات المطولة حول الهجرة والاندماج في السنة الماضية كان تفسير الضمير الذي بدأت به الجملة: “نحن”. يفترض معظم الألمان أن هذا الضمير يعود عليهم وحدهم، وعلى قدرتهم على التعامل مع البيروقراطية وتأمين السكن وتنظيم دورات اللغة. إلا أن نقطة أساسية تفوتهم عبر عدم السماح للقادمين الجدد بالمشاركة في هذه العملية، باستثناء مشاركتهم في دورات الاندماج الإلزامية وتقيّدهم بالقانون الألماني. لكي تصبح جملة “نحن يمكننا ذلك” ذات مغزى، ولكي ينجح تطبيقها في الأعوام القادمة، لا بد من تفسير كلمة “نحن” بشكل عالمي أكثر، وأن تشمل القادمين الجدد. من المستحيل أن يخلق طرف بمفرده مجتمعًا مفتوحًا ودامجًا دون إعطاء المجال لأفكار وآراء أولئك الذين ينظر إليهم على أنهم أقليات أو غرباء. كما يستحيل تحقيق ذلك بالاعتماد بشكل كامل على المؤسسات السياسية والحكومية، مثل مركز الوظائف “جوب سنتر” ومدرسة اللغة “فولكس-هوخ-شوله”. المسؤولية الحقيقية المترتبة على هذه الجملة تقع على عاتق الناس، أي كل شخص فينا، وهي لا تعني فقط الاحتفال بـ “ثقافة الترحيب” لفظيًا، بل بجعلها فعالة على كافة المستويات والأصعدة. ولعل الخطوة الأهم تكمن في إنشاء الصداقات. في عالم مثالي، سيكون لكل ألماني بعد خمس سنوات خمسة أصدقاء من القادمين الجدد، ولكل من القادمين الجدد خمسة أصدقاء ألمان. عندها لن يعود هناك وجود لـ “نحن” و”هم”، فلا علينا “نحن” أن “نساعدهم”، ولا “هم” عليهم أن يعتمد على “تعاطفنا”. وعندها، سنصبح “جميعنا” معًا نؤمن بمجتمع منفتح حر، يحترم فيه كل منا الآخر كندّ له.   ليليان بيتان صحافية ألمانية من أسرة أبواب Lilian Pithan ليليان بيتان Lilian Pithan ist die deutsche Redakteurin von Abwab. Sie schreibt außerdem für das Goethe Institut Magazin und ParisBerlin, meist über Themen aus Kultur und Gesellschaft, und hat ...

أكمل القراءة »

فلسطين في برلين

لم أزر فلسطين بعد، ولم أعرف وجوه من فيها قبل، حدث أن اجتمعت ببعض الأصدقاء الفلسطينيين في عمّان، إلّا أنها كانت بعيدة تمامًا كما أراد النظام السوري لها أن تكون –على الأقل بالنسبة إلينا نحن الفلسطينيين والسوريين الذين عشنا في سوريا- إذ كانت فلسطين بالنسبة إلي دائمًا في كوكب آخر. لم أر في حياتي فلسطينيًا واحدًا قادمًا من هناك، علاقتي بفلسطينيي فلسطين كانت تشبه علاقتي بتخاريف جدتي عن البلاد، أسمع عنها، لكنني لم أختبر معرفتها بعد. مواقع التواصل الاجتماعي والثورة السورية فتحا الأفق أمامنا لنتواصل مع محيط أوسع، على الأقل مع الذين يشبهوننا، أو نظن ذلك، وقد نصطدم بالتأكيد دائمًا بما هو غير متوقع، سلبًا أو إيجابًا، إلّا أن البلاد قد تصبح أقرب حين تملك أصدقاء هناك، لذلك لم أكن أرغب بزيارة فلسطين سابقًا، فلم يكن لي فيها أحد، ولا ذكريات وإلى اليوم يفتح هذا الموضوع إشكاليات كبيرة متعلقة بالوطن والهوية، كذلك الفلسطينيون الذين يطلقون اتهامات التطبيع على كل من يزور فلسطين.. كل هذا كان يبعدني أكثر. العاصمة الألمانية برلين، جمعتني في شهر أيلول مع مجموعة جميلة جدًا من الأصدقاء الفلسطينيين الذين أعرفهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ولم نكن قد التقينا بعد، أوّلهم الشاعرة أسماء عزايزة والشاعر غياث المدهون، ثم حضرت مجموعة مسرح خشبة، الممثل خليفة ناطور، الممثلة خلود باسل طنّوس، الصحافية رشا حلوة، المخرج والكاتب بشار مرقص، وغيرهم، وبعدها حصلت ورشة “هوية في مختبر” لفلسطينيين من كل أنحاء العالم في برلين فالتقيت بالفنان أبو غابي والممثلة تنسيم فريد والفنان محمد تميم من اليرموك، واكتمل الشهر بالفنانة ريم بنا أيضًا، بعدها اختتمت زيارتي لبرلين مع الناشطة عبير قبطي ونصال مهنا–حداد، شعر ومسرح وسياسة، الاحتلال والثورة، الوطن والمنفى والطعام السوري في برلين الذي يتذوقه معظمعم لأول مرة. شهر أيلول كان شهرًا فلسطينيًا في برلين بجدارة، ليس بسبب مهرجان الفلسطيني، ولا بسبب عرض مسرحي هنا أو جلسة حوار هناك، بل لأن فلسطين في أجمل وجوهها ملأت شوارع برلين فرحًا وحبًا.. على الأقل ...

أكمل القراءة »

العلمانية.. حافظة الموزاييك السوري

روزا ياسين حسن في بدايات الثورة بدأنا كمجموعة من الأصدقاء الناشطين، معظمنا آت من خلفيات سياسية، بتأسيس تجمع جديد. كان حالنا كحال الكثير من الناشطات والناشطين في عموم سوريا، أولئك الذين راحوا يتلمّسون طعم الحرية وكيف يمكن للمرء أن يكون فاعلاً في عمل سياسي أو مدني ما. الخلاف كان حول اسم التجمّع، هل نذكر توصيفه “العلماني” في اسمه، أم نلتفّ على التسمية الشائكة ونكتفي بوصفه “المدني”! في ذلك الوقت كنت مع عدم ذكر “العلمانية” باعتبارها كلمة سيئة الصيت، خصوصًا في أوساط العامة، وباعتبار أن الفكرة المسيطرة وقتذاك كانت أن نحاول كسب صفوف الناس العاديين، أولئك الذين يصنعون التغيير بدمائهم، بعد عقود طويلة من سوء الفهم بينهم وبين المعارضة والمثقفين. أشحت بنظري عمدًا عن فكرة إن الدولة يمكن أن تكون دينية بظاهر مدني، وإن مفهوم الاختلاف واحترامه كان من أهم المثل التي حاربت من أجلها، الأمر الذي لا يتحقق إلا “بالعلمانية”. أفكر اليوم كم كنت على خطأ، وكم كان من الأجدى بنا أن نشرح للناس، الذين حاولنا كسبهم، ما الذي تعنيه كلمة “علمانية” وكم كانوا مخطئين برفضها. كان أجدى بنا أن نحارب لنثبت إن “العلمانية” جزء أساسي من الحرية التي تخرجون كل يوم لتموتوا من أجلها، حرية الرأي والمعتقد والتفكير، فهي أصلاً مشتقة من كلمة “عامة”، تهتم بكم وبقضاياكم كجزء من نزعة إنسانية سادت عصر النهضة الأوروبية. هي كذلك ليست ضد الدين بل تقف على الحياد منه، ولا تمنعكم من ممارسة أي من شعائركم الدينية. كان ينبغي أن نقول لهم وقتذاك إن الدولة “العلمانية” هي دولة المواطنة، التي تنظر إلى مواطنيها نظرة مساواة بغض النظر عن أديانهم وانتماءاتهم، أليس هذا ما تهتفون به كل يوم؟ وأن نطرح الأمثلة الكثيرة على عيش المسلمين الكريم وحريتهم في ممارسة شعائرهم في دول علمانية كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وتركيا وكندا وغيرها. كان ينبغي أن نصرّ على اختلافنا في الموزاييك السورية. لكنها في النهاية كانت تجربة مهمة وضرورية، كمعظم تجارب الشباب الثوري، خرجتُ منها محبطة مكلومة ...

أكمل القراءة »