in ,

الاندماج والتعايش الثقافي في ألمانيا.. وجهة نظر

© Raimond Spekking via Wikimedia Commons

إيهاب يازجي*

قد لا يكون يسيراً على الألمان، باختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم أن يتبنوا حساً إنسانياً وعفوياً للترحيب باللاجئين وتقبل ثقافتهم. ولعلّ لغة الإقصاء المتفشية هذه الأيام جعلت الكثيرين يعرّفون عن أنفسهم عن طريق ما يعارضون ويرفضون، أي أن إجابتهم على سؤال “من أنا؟” تكون بمن هو عدوّي.

ولعل من السذاجة الاكتفاء بالتعويل على قيم التسامح وقبول الآخر لمواجهة نزعات التعصب رغم أهميتها، بينما من الأوْلى أن نتعلم كيف نعيش مع الناس الذين لا نرغب بوجودهم ولا نتقبل ثقافتهم “التعايش”.

انتابتنا نحن اللاجئين، حفنةُ تفاؤل مع حِراك الحكومة الألمانية قبل الانتخابات، لدعم الاندماج والتعايش الثقافي؛ كخطة وزارة الداخلية لدعم البلديات في دمج اللاجئين والمهاجرين عبر مسابقة للأفكار تبلغ جائزتها مليون يورو، عنوانها “تعايش يداً بيد”. أو الورقة التي سَلَمتها مؤسسات مدنية وسياسية في ألمانيا إلى المستشارة ميركل بعنوان “حياة مشتركة ناجحة”. وأيضاً دعوة وزير الخارجية لجميع الطوائف إلى تقييم مسؤوليتها تجاه تحقيق السلام، حيث قال “هناك حاجة لإجراء محادثات، مع بعضنا، وليس عن بعضنا”.

إلا أن نتائج الانتخابات الألمانية الصادمة، والتي أتاحت لحزب البديل اليميني دخول البرلمان، سرعان ما بددت حفنة الأمل تلك، وأحالتها إلى قلقٍ يعتري اللاجئين ويُعثر اندماجهم وربما بقاءهم في ألمانيا.

إن إشكالية الاختلافات الثقافية قديمةٌ قِدم الحضارات الإنسانية، ويزخر التاريخ بنماذج كثيرة لنجاح أو فشل التعايش مع هذه الاختلافات. فكان أرسطو من أوائل الذين رفضوا فكرة الفوارق الاعتباطية للجنس البشري، وصاغ فكرة السلالة البشرية الواحدة، ومن المفارقة هنا أن تلميذه الذي تأثر بهذه الفكرة أصبح “الإسكندر الأكبر” الذي انتعشت إمبراطوريته وتوسعت نتيجة تبنيه لهذه الفكرة.

إن التحديات الناجمة عن إشكاليات التنوع العرقي والثقافي تزداد بشكل متسارع أكثر من أي وقت مضى، جراء التداخل الحاصل بين البشر، نتيجةً للتقدم الهائل في تقنيات الاتصال والتواصل من ناحية، وزيادة معدلات الهجرة من ناحية أخرى. فبات كل شيء الآن يتدفق ويغزو العالم بشكل أسرع، الأفراد والجماعات، الأفكار والثقافات، البضائع والمنتجات، البكتريا والفيروسات، وأيضاً الجريمة والإرهاب.

حيث تسمح شبكة الإنترنت للمعلومات والصور والأفكار بالسفر والترحال حيثما تشاء، فلا رقيب يدقق في صحة هذه المعلومات ومصداقيتها، مما يؤثر على نوعية المحتوى. أي أنه يمكن لهذه التقنيات أن تُستخدم في تأجيج اللغة الإقصائية والنزعة العنصرية أو العكس تماماً، ولا شك في أن الكيفية التي نستخدم بها هذه المنصات يعتمد بنهاية المطاف على ما تختزنه عقولنا من أفكار، وقلوبنا من مشاعر.

ولكن، كيف لنا أن نؤسس لمبادئ التعايش مع الاختلاف الثقافي، باعتباره قوة فاعلة وبناءة في المجتمع؟ للإجابة على هذا التساؤل، يتوجب أولاً الذهاب إلى ما وراء الفهم البسيط والعفوي لهذه المبادئ باعتبارها قيماً أخلاقية فاضلة، تدفعنا لفتح أبوابنا للاجئين ولإكرامهم. وهذا يُفضي حتماً إلى أهمية وجود مؤسسات متخصصة تعمل على ضمان حقوق وحريات الأفراد والجماعات على اختلافهم الثقافي والعرقي، وضرورة منحهم الشعور بأن لديهم حصة ومسؤولية في مجتمعاتهم الجديدة، وأن بإمكانهم التأثير على القوى التي تصنع حياتهم ومستقبلهم.

فالمؤسسات ذات الحس التعددي تنهل من الكفاءات والعقول النيرة، وتتيح الفرصة لأي شخص ذي كفاءة دون أي اعتبار لعرقه أو دينه أو نفوذه. أي أن كيفية تفكيرنا هي التي تشكل مؤسساتنا، ومن بعدها مؤسساتنا هي التي سوف تشكلنا. كما أن الإندماج والتعايش لا يحدث بشكل عفوي في المجتمعات الإنسانية، بل هو سلوك مكتسب، يجب زرعه وتغذيته في نفوسنا جميعاً وفي كل مناحي الحياة، في المؤسسات الحكومية والخاصة والمدنية، القانونية منها والتعليمية والإعلامية. وبالمثل يستطيع كل شخص المساعدة في تعزيز هذه المبادئ ليس من خلال تبنيه لقيم التسامح والانفتاح على ثقافة الآخرين وتفهمه لأفكارهم ومعتقداتهم فحسب، بل أيضاً من خلال إيمانه بأن الهوية نفسها التي يحملها يمكن أن تكون تعددية، فاعتزاز شخص ما بإرثه الديني أو العرقي لا يجرده أبداً من انتمائه واعتزازه الوطني الأكبر.

باختصار، لقد بات المجتمع الإنساني المتعدد عرقياً وثقافياً والمتصالح مع هذه التعددية سمة للمجتمعات المعاصرة والمتحضرة، ويمكن للاختلاف الثقافي أن يكون فرصة للأمان والطمأنينة، لا سبباً للخوف والقلق، من خلال بناء مؤسسات ونُظم تعددية تبني الإنسان التعددي المنسجم مع التنوع الثقافي، حينها فقط سيتم الترحيب بالغريب واحترام أفكاره وثقافته، بدلاً من رفضه وخسارته، وبالتالي بناء عالم أفضل للجميع.

إيهاب يازجي* صحفي سوري مقيم في ألمانيا

 

اقرأ أيضاً

زاوية أخرى ل ” اندماج اللاجئين ” في ألمانيا

اللاجئون بين الاندماج وحلم العودة

ما هو ذاك الاندماج؟

دليلك المسلّي إلى الاندماج، كيف تصبح ألمانيًا (الجزء الثالث)

افتتاحية العدد 24: ألمانيا وسؤال التعدّدية الثقافية

تحميل العدد الرابع والعشرين من أبواب بصيغة PDF