in

زاوية يوميات مهاجرة 3: قبعة الإخفاء

د. نعمت أتاسي*

دخلت صديقتي في الشتاء الثاني إلى تلك المدينة الوادعة، اعتادت مظاهرها اليومية، حتى أنها باتت جزءاً منها، وبدأ روتين يوم الاثنين يعطي أسبوعها نوعاً من الاستمرارية والخصوصية.

فالسيدة التي كانت تقف على الرصيف تتوسل بعض السنتات من المارة، وذات اليد المكسورة التي لم تشف خلال عام كامل، والتي كانت تنسى في بعض الأحيان وتحركها، استفقدتها صديقتي بعد مرور أسبوعين لم ترها خلالهما. فسألت بائع كشك الجرائد عنها، فهي كانت تقف أمامه ومن المؤكد أنه يعرف شيئاً عنها. نظر البائع إليها ببلاهة وقال بعد تفكير، وكأنها طرحت عليه سؤالاً عن السر الكوني، إنه لم يلحظ وجود أي سيدة تقف هنا! عزٌت صديقتي نفسها بأنه لابد أن تكون يدها المكسورة قد شفيت ووجدت لنفسها عملاْ، وأنها الآن سعيدة وقد وجدت مأوى دافئ حيث تحتسي حساءها الساخن كل مساء.

تابعت صديقتي جولتها الصباحية لإثنينها المعتاد، وتوقفت عند بائع الزهور الذي كانت تقف عنده لتسأل الفتاة التي تعمل هناك عن ثمن أصيص الورود الصفراء التي كانت تحبها. عبثاً انتظرت أن تأتي الصبية لتسألها السؤال المعتاد. فدخلت صديقتي وسألت البائع عن الصبية الشقراء التي كانت تساعده. ابتسم البائع وقال: “آه.. ابنتي بياتريس. لقد تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى الجنوب”. ادّعت صديقتي أنها سعيدة لأجل بياتريس التي انتقلت إلى الجنوب المشمس، وتخيلتها في منزلها ذي الحديقة الصغيرة وهي تعتني بالورود الصفراء فيها. لكنها في قرارة نفسها شعرت بشوقٍ لها.

أما كلب بائعة الخبز، الذي كانت تداعبه في كل مرة تشتري خبزتها المعتادة، فلم تجده كذلك، وراحت تبحث عنه عبثاً. كأن البائعة فهمت قصدها، فقالت لها بابتسامة شكر حزينة: “نعم يا عزيزتي لقد مات. فقد كان مسناً”، وشكرتها لسؤالها عنه، حتى أنها رفضت أن تأخذ ثمن الخبز المعتاد منها.  

ها هي مشاهد يوم الاثنين تتصدع الواحد تلو الآخر! شعرت صديقتي بالهلع ينتابها: ماذا لو تصدعت كل المشاهد الروتينية ليوم الاثنين خاصتها؟! كانت تشعر باستقلالها وفرديتها في يومها هذا وهي سعيدة بتفرّدها به.

لكنها هدأت فيما بعد قائلة لنفسها إنه من المستحيل أن تنهار كل معالم يوم الاثنين، فجمعية استقبال اللاجئين ستبقى طالما بقي الظلم يفتك بالمواطن المسكين، والبلدية التي اعتادت الذهاب إليها كل ثلاثة أشهر للقيام بتجديد وصل إقامتها كطالبة لجوء، ستبقى شامخة ببنائها الحجري القديم ما دامت الحياة مستمرة!

كانت صديقتي تصل إلى البلدية قبل ساعات من الموعد المحدد لاستقبال اللاجئين، وذلك بهدف أخذ دورها في طابور المنتظرين. تدخل بخطى ثابتة وتتجه إلى ركن طالبي اللجوء الموجود في زاوية بعيدة. وتقف سعيدة رافعة رأسها زهواً كأنها تقف وقفة المنتصر، كونها ستكون الأولى في انتظار ساعات حتى تأتي موظفة الاستقبال وتفتح كوّتها وتباشر بالعمل.

ساعات الانتظار هنا لا تزعجها، فهنا– في الدائرة الحكومية الفرنسية- كانت تضيع مع المواطن الفرنسي، وتشعر نوعاً ما بالمساواة معه. مع فارق بسيط فقط وهو أنه يمكن للمواطن الفرنسي أن يكلٌم الموظف بخشونة، ويحق له أن يعبّر عن غضبه لتعطل نظام الكمبيوتر أو عدم تمكنه من استلام شهادة القيادة بعد انتظار دقائق. أما هي وزملاؤها اللاجئون، فلا يستطيعون بعد انتظار ساعات وقوفاً، أن يعبّروا حتى عن تعبهم! أقصى ما يحق لهم أن يفعلوه أن يهزّوا برأسهم أو يكتفون برسم ابتسامة مريرة على شفاههم. لكنهم لا يستطيعون في أحيان كثيرة أن يخففوا من نظرة الغضب في عيونهم.

هناك أشياء كثيرة تفاجئ صديقتي فيها نفسها، واحدة من هذه الأشياء أنها قد بدأت تتخلص من دور اللاجئة كضحية. فاللاجئ هو مواطن أيضاً ولكن بدرجة مختلفة، أو لنقل إنه مشروع مواطن. كما يمكن للاجئ أن يكون إنساناً حراً وله أهوائه ويحق له التمتع- أحياناً- بما يطيب له. بناء عليه فقد وجدت صديقتي نفسها تدخل المخزن الكبير بخطى من يعرف تماماً ماذا يريد، وتشتري لنفسها قبعة دون أي تردد في اختيارها.. نعم قبعة، وها هو اكتشاف آخر متأخر تقوم به صديقتي. إنها تحب القبعات! وتحب أن تعطي لكل دور في الحياة قبعة خاصة به، حتى أنها تعطي كل قبعة اسماً خاصاً.

ارتدت صديقتي مباشرة قبعتها الجديدة وقالت: هذه هي قبعة الإخفاء ، عندما أريد أن أكون لا مرئية سأرتدي هذه القبعة.

منذ ذلك الحين لم تخلع صديقتي عنها قبعتها أبداً.

*كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس

 

اقرأ/ي أيضاً في زاوية يوميات مهاجرة:

زاوية يوميات مهاجرة 2: شيزوفرينيا

زاوية يوميات مهاجرة 1: صديقتي البرجوازية في طابور اللاجئين

توسلت للقاضي كي لا يسجن صديقها فانتهى بقتله لها بعد عدة شهور

في “الأنفيلد روود”.. عودة بايرن ميونيخ و”نوير” القائد