in

عن “العمل الأسود” لـ “دينا أبو الحسن”: باطلٌ (قد) يراد به حقٌّ

حسام الدين درويش.

بصفتي لاجئًا سوريًّا في ألمانيا، أود التعقيب على “العمل الأسود” لدينا أبو الحسن، والذي تم نشره في العدد الثالث من صحيفة “أبواب”، تحت عنوان “بالأسود شغلناه”.

وبهذه الصفة تحديدًا أود الإشارة إلى أنه يمرُّ (من المرارة) لي أن يكون لدى السيدة أبو الحسن تلك الصورة السوداء عما “يحلو للسوريين في ألمانيا” وما “يمرُّ” لهم. وبعيدًا عن التشكيك في مصداقية السيدة “أبو الحسن”، أعتقد أن التسويغ (الجزئي والنسبي بالتأكيد) المرجح لـ “سواد” أو سوداوية “العمل الأسود” الذي كتبته، وعدم مصداقيته، من وجهة نظري، يكمن في أن خبراتها الشخصية المباشرة أو غير المباشرة مع (أغلبية) “اللاجئين السوريين” أظهرت لها أنهم “غير معنيين بالواقع اللاأخلاقي” وفقًا لتوصيفها. وإذا كانت خبراتها الشخصية تلك قد سمحت لها باختزال حديثها عن اللاجئين إلى انتقادٍ متعالمٍ مهينٍ، فإن انطباعاتي الانتقادية الأولية عن هذا “العمل الأسود” يمكن تكثيفها في الأسئلة، غير الاستفهامية عمومًا، والبلاغية في معظمها (أي هي أسئلةٌ لا تنتظر إجابةً، لأنها تفترض أو تنطلق من أن الإجابة واضحةٌ أو معروفةٌ مسبقًا) والملاحظات التالية:

كيف تسمح السيدة أبو الحسن لنفسها (وكيف سُمِح لها) باستسهال إطلاق هذه التعميمات المسيئة بحق اللاجئين السوريين في ألمانيا؟ فهذه التعميمات غير محقةٍ معرفيًّا، ومسيئةٌ أخلاقيًّا، ومعرقلةٌ اجتماعيًّا، ومستفزةٌ نفسيًّا. وهذه التعميمات تسود وتشوه النص روحًا وجسدًا. وتبدأ هذه التعميمات مع الجملة الأولى من النص “يحلو للسوريين …. يتجاهلون، أو ربما يجهلون …”، وتبلغ ذروة “سوئها” في الحديث عن “مدى عمق الهوّة بين المظهر الأخلاقي الذي يحرصون [اللاجئون] عليه، […] وبين الواقع اللاأخلاقي الذي يبدو أنه لا يعنيهم”. فهل تعتقد السيدة أبو الحسن فعلًا (أو هل ثمة من يعتقد حقًّا) بوجود هكذا هوةٍ لدى كل اللاجئين، وبأنهم “كلهم” في واقع لاأخلاقي، وهم “كلهم”، فيما يبدو غير معنيين بهذا الواقع؟ هل هناك حاجة فعلية لنقاش هكذا أحكام وإظهار تهافتها، بالمعنيين المعرفي والأخلاقي على الأقل؟ هل هناك فعلًا ضرورة أو مغزى من الإشارة إلى أن عدم رضى الكثير من السوريين عن “الواقع (السياسي) اللاأخلاقي” لبلدهم هو ما جعلهم يقوموا بما أسموه “ثورة الحرية والكرامة” وهو ما أفضى بهم في النتيجة (التي يأمل بعضهم، على الأقل، أن تكون مؤقتة) إلى أن يكونوا لاجئين في ألمانيا أو غيرها من البلدان الأوربية أو غير الأوروبية؟

ولا تقتصر تعميمات السيدة أبو الحسن على اللاجئين السوريين، بل تمتد لتشمل “الألمان”، أو بالأحرى “الأوربيين”، الذين بدؤوا، من وجهة نظرها، “فعلًا يشعرون بعبء مساعدة من لا يريد أن يفعل شيئًا مقابل هذه المساعدة”. هل ثمة حاجة هنا لتذكير السيدة أبو الحسن بأن بعض الأوربيين، على الأقل، يعتقدون، أنهم وحكوماتهم ومجتمعاتهم، لم يفعلوا كل ما يمكن وينبغي لهم فعله لمساعدة اللاجئين وطالبي اللجوء والساعين إليه في بلدانهم، وأن الكثيرين منهم، أو بعضًا منهم على الأقل، لا يطلبون أصلًا من اللاجئ أن يفعل أي شيءٍ بوصفه مقابلًا لهذه المساعدة؟

ربما يُظنُّ أن هذه التعميمات هي مجرد زلة قلمٍ أو خطأ كيبوردٍ، وأن تنقيح النص، وإضافة التبعيض إلى الأحكام المعمِّمة، كافٍ لتصحيح ما يبدو مع تلك الأحكام المجحفة خطأً معرفيًّا وخطيئةً أخلاقيةً. وللرد على هذا الظن المظنون، أود الإشارة إلى أن تلك الزلات أو الأخطاء المفترضة ليست حدثًا ثانويًّا أو هامشيًّا في النص، بل هي متناغمة مع روحه السوداوية المشوَّهة والمشوِّهة في آنٍ واحدٍ. وحتى لا يبدو أنني أطلق كلامي على عواهنه بدون تدقيقٍ وتمحيصٍ، أرى أنه من الضروري الإشارة إلى أن سوداوية النص تبدو في أحاديته الانتقادية التي لا ترى أي صفةٍ إيجابيةٍ في حديثها عن “اللاجئين السوريين” و”العمل الأسود”. ولا يقتصر النص على انتقاد “الواقع اللاأخلاقي للاجئين” بل يتوعد “من لم يسع لتعلم اللغة والعمل والاندماج بشكل جدي” بأن لا مكان له في ألمانيا” و”بالترحيل” “فور توفر مناطق آمنة في بلدانهم”. هل تعتقد السيدة أبو الحسن حقًّا أن الأمر قد تم حسمه فعلًا، بحيث أن من “لم يسع …” “لا مكان له في ألمانيا”؟ وهل يصدق ذلك على من لم يسع حتى الآن، ويمكن أن يسعى مستقبلًا؟ ألم يكن من الأفضل الحديث عن سلبيات “العمل بالأسود” بعيدًا عن سياسة الترهيب والتفزيع، ومن خلال مناقشة مقارنة لكل من سلبيات وإيجابيات ومسوغات العملين “الأسود” و”الأبيض”؟

ثمة سؤالان يُفترض بكل كاتب مقالٍ أو بحثٍ أو ما شابه أن يعرف الإجابة عنهما، قبيل الكتابة وأثناءها وبعيدها، على الأقل: “لمَ أكتب؟” و”لمن؟”. وبعيدًا عن “الأسباب “الشخصية” للكتابة (التي قد تتمثًّل مثلًا في كونها حرفة أو مسعىً إلى الشهرة …إلخ)، لا يبدو واضحًا ما غرض السيدة أبو الحسن من نصها، ومن هو قارئها الافتراضي الذي تتوجه إليه أو توجه إليه مقالها؟ لأسباب متعددةٍ معقولةٍ، جزئيًّا ونسبيًّا، قد يُعتقد أنه من الواضح أن النص موجًّه إلى اللاجئين السوريين، وأنه يهدف إلى نصحهم وتوعيتهم “وهدايتهم”. ويمكن، على سبيل المثال، إبراز تلك المعقولية، من خلال الإشارة إلى ما ينتهي به النص من حلٍّ بسيطٍ متمثِّلٍ في ضرورة “اعتناق القيم الألمانية والعمل بها لمن أراد أن يبني مستقبلًا له ولعائلته”. فمقابل المشكل والأسود السوري، لا حل ولا أبيض إلا القيم الألمانية! “القيم الألمانية” هكذا بأل التعريف وبالمطلق، ولا حلًّ “ولاحول ولا قوة” إلا بها. طبعًا قد يبدو من السخف أن نطرح على النص أسئلةً من نوع: هل القيم الألمانية المعنية كلها إيجابيةٌ، وواجبٌ علينا اعتناقها و/أو اتباعها كلها بالضرورة؟ وهل يعني ذلك أن قيمنا (نحن اللاجئين السوريين) غير الألمانية هي فعلًا “مجرد مظاهر أخلاقية” ينبغي التخلي عنها لإصلاح “واقعنا اللاأخلاقي”؟ وبغض النظر عما يبدو في هذا النص من عنصريةٍ مازوشية (في حال كانت الكاتبة تعتقد أنها تنتمي إلى الثقافة أو الجماعة التي تنتقدها) أو ساديةٍ (في حال كانت الكاتبة ترى نفسها غير منتمية للثقاقة أو للجماعة التي تنتقدها)، ومن تبسيطٍ لألوانٍ الواقع القوس قزحي إلى قطبين يحتل الألماني طرفهما الأبيض والسوري طرفهما الأسود، هل تعتقد الكاتبة أن كتابتها، بهذا الأسلوب والمضمون، يمكن أن تحقق الهدف الذي قد يُعتقد أنها تصبو إليه (تحذير اللاجئين السوريين من مخاطر العمل بالأسود)؟ أستبعد ذلك جدًّا، ولهذا قلت أنه من غير الواضح لما ولمن تمت كتابة النص.

النص، بمبناه ومعناه، لا يمكن، على الأرجح، أن يترك صدىً إيجابيًّا إلا لدى من يكره اللاجئين (السوريين) أو يحتقرهم أو يزدريهم لسببٍ أو لآخر. وهذا الصدى قد نجده حتى لدى بعض اللاجئين (السوريين) ممن يميلون إلى تحويل النقد الذاتي إلى جلدٍ للذات وتشويهٍ لها. أما في الحالات الأخرى، فأعتقد أنه يمكن لبعض اللاجئين المعنيين أن يبادلوا الكاتبة مشاعر الازدراء نفسها التي يرون أنها تكنها لهم أو تعبر عنها تجاههم؛ أما البقية، فيمكن لمعظمهم أن يرى أن هذا الكلام المتعالم الفوقي لا يعنيه، ويمضي بمحاذاته أو فوقه بدون مبالاةٍ. وفي “أحسن الأحوال”، يمكن أن يفترض “القارئ الفعلي المفترض” أن قصد الكاتبة “شريف” لكنها “لم تعرف كيف تورد الإبل”، وعلى هذا الأساس، قد يقول لها هذا القارئ: أتفق معك في بعض ما يمكن أن تودي قوله، في هذا المقال، لكنني أختلف معك عمومًا، لكن تمامًا، فيما قلتيه أو تقولينه فيه؛ فكلامك عمومًا هو، في “أحسن الأحوال”، “باطلٌ يراد به حقٌّ”.

انتقدونا، نحن اللاجئين، بما فينا، ففينا الكثير مما يستحق الانتقاد، بلا زيادةٍ أو مزايدةٍ أو مزاودةٍ. لكن إذا أردتم أن يكون لانتقادكم معقولية وأن يتسم بشيء من الموضوعية، وإذا كان انتقادكم موجهًا فعلًا لنا، ويبتغي حقًّا صلاحنا أو حتى “إصلاحنا”، فأعتقد أنه ينبغي لهكذا انتقادٍ أن يترافق مع إظهار، وربما أحيانًا إبرازٍ، لحدٍّ أدنى، إن لم يكن من التفهم، فمن الفهم على الأقل، لنا وللعوامل والظروف المحيطة بنا، والتي أسهمت، لدرجةٍ أو لأخرى، في أن نكون على ما نحن عليه، وأن نصل إلى ما وصلنا إليه.

غنائم الحرب

نحو قيادة سياسية