الرئيسية » باب مفتوح » زاوية: مطبخ من غربتي… تجارب السوريين الغذائية والمطبخية في بلدان المهجر 1

زاوية: مطبخ من غربتي… تجارب السوريين الغذائية والمطبخية في بلدان المهجر 1

في هذه الزاوية، يتحدث سوريون عن تجاربهم الغذائية والمطبخية في بلدان المهجر، ما أخذوه وما تركوه من بصمات في ذائقة البلدان المضيفة وكيف تمت عملية الاندماج على صعيد المطابخ.

 

فرح المزين – سويسرا

عندما أفكر بتلك السنوات العشر التي انقضت منذ انتقالي للعيش في سويسرا، تحضرني الكثير من التجارب الجديدة التي مررت بها والذكريات حول أمور عدة.

ولا شك في أن أحد أكثر الأمور التي تنطبع في ذاكرة الإنسان هي النكهات والروائح غير المألوفة، التي تكون في طليعة ما يستقبل الزائر الجديد. ولهذا، أحببت أن أشارك القارئ  تجربتي حول

 طعام أهل هذه البلاد و عما لاقى استحساني  منه من خلال السطور التالية.

الراكليت، وجبة بسيطة لعشاء احتفالي

عندما أفكر في وجبتي السويسرية المفضلة، يعود بي الزمن إلى تلك الضيعة القابعة على  جبلٍ مكسوٍ بالثلوج عشية سبتٍ[RB2] . يصر زوجي تحت وطأة استغرابي، بأن يقوم  بتحضير العشاء بنفسه.

انظر بدهشةٍ إلى طبقين، اصطفّت فوقهما بضعة زيتونات خضراء محشوة بالفلفل الأحمر ومثيلاتها باللوز ‏

قطعتان من البصل الصغير المخلل وأخرى من عرانيس الذرة الصغيرة الريانة ومخلل الكورنيشون، تلك الخيارات الصغيرة المعقوفة التي تعيدنا طريقة تخليلها بالخل والسكر إلى زمن جداتنا 

‏تضاف إلى ما سبق بضع حبات من البطاطا المسلوقة، فوقها قطعة من الجبن مشوية. فغذاء الناس هنا يعتمد

 وبشده على الجبن والبطاطا.

ولمن يبتغي تناول هذه الوجبة كما يتناولها السويسريون، عليه ألا يقشر البطاطا (طبعا هذا النوع سريع الطهو، رقيق القشرة بحيث يتمكن المرء من أكلها بسهولة) من وسط الطاولة، كان يصل إلي وهج آلة الشواء،

وهي عبارة عن ‏وشيعة علوية مغطاة بصفيحة معدنية ناقلة للحرارة وقاعدة تستند إليها أربع إلى ثماني شوايات معدنية مكسوة بطبقة لا يلتصق بها الجبن، كل شوّاية مؤلفة من مقبض وصحن مقعّر صغير بحجم قطعة الجبنة، تشبه في شكلها الراكيت (مضرب كرة التنس) ‏يمكن اضافة بعض قطع اللحم والاستعانة بالصفيحة المعدنية التي تغطي الآلة لشوائها أو إضافة بعض من انواع اللحم المقدد، أما أنا شخصيا فأفضّلها بدونه.

جلسنا ننتظر قطع الجبنة لتذوب نصبها في الصحن أو فوق حبات البطاطا ونأكل.

‏سويسرا بلدٌ موارده الزراعية قليلة، شتاؤه ويل ولياليه أطول وأبرد في جبال معزولة، فتفتق العقل هنا عن إيجاد قيمة

 مضافة لهذين المكونين البسيطين:الجبنه والبطاطا. أدوات فارهة البساطة وآلات عبقرية تمنح دفئاً للأجواء

 العائلية. وصفة رائعة ل وجبة شرطها الأساسي ألا تؤكل على عجل.

العشاء السويسري التقليدي هو وجبة أريدَ لها أن تكون احتفالية ليوم مليء بالتحديات والإنجازات. 

أما الراكليت، فكانت في البداية كانت تصنع بتعريض نصف قالب كبير من نوع خاص من الجبن إلى لهب الحطب و عند نضجه يتم “قحط”  الجزء الذائب من سطح القالب وسكبه في طبق، وما زالت بعض المطاعم

 تحافظ على هذه الطريقة القديمة في التقديم. أما بعضها الآخر، فقد استبدلها بآلات شواء كهربائية مستوحاة 

من الطريقة التقليدية. 

و ما زلنا نستمتع بتلك الطريقة في الاحتفالات العامة كعيد الميلاد و يوم التخفيضات الكبرى.

 بلد الأجبان بالغرام

لعل أكثر ما أثار دهشتي  ومازال هو الكميات.ففي بلد الأجبان تلك، يتوقع المرء أن يشاهد الأجبان ترتص بالكيلوهات على جنبات البرادات في السوبرماركت،

إلا أن الحقيقة هي بخلاف ذلك.

هنا، أكبر كمية يمكن ان يبتاعها المرء هي نصف كيلو من جبنة الراكليت المعدة للاستخدام العائلي 

فيما عدا ذلك، يتراوح وزن قالب الجبنة من أي نوع  بين ١٠٠-٢٥٠ غ 

 أصابتني الدهشة  عندما نظرت اول مرة الى تلك القوالب التي تتنافس بالصغر فيما بينها و تساءلت كم قالب منها أحتاج لعمل سندويشات الفطور.

بعد ذلك اكتشفت ان قالباً واحداً يكفي و ذلك لان كمية صغيرة من هذه الجبنة الصفراء تشعر بالشبع لشدة دسامتها و قوة طعمها. 

هنا لون الأجبان لا يمت للبياض بصلة ولا علاقة لها بالأنواع التي عرفناها وألفناها في بلادنا  

https://www.niwa.co.nz

مجمدة طعام متناهية في الصغر

فرضت  طبيعة البلاد على السويسريين بأن يكتفوا بكميات قليلة من كل شيء.

حتى الوقت المخصص لإعداد الطعام لا يجب أن يتعدى 20-30 دقيقة للوجبة الرئيسية، فلا وقت لا لسيدة 

المنزل ولا لرب المنزل يسمح بأكثر من ذلك 

هنا كثير من الرجال يقومون بإعداد وجبات الطعام للعائلة. عندما سمعت هذه المعلومة لأول مرة لم أستطع تخيل المشهد ( تخيلته حينها يقف بمريول المطبخ يلف اليبرق مثلاً أويكوّر أقراص الكبة) كان هذا بالنسبة لي ضرباً من الخيال 

ثم اكتشفت مع الوقت أنه أمر بسيط، إذ يمكن لأي رجل عامل أن يساعد زوجته العاملة فالأمر لا يتطلب 

في أغلب الأحيان سوى شيّ قطع اللحم ( على اختلاف أنواعها ) إما بالفرن أو على الموقد، إعداد صحن السلطة، تحضير بعض الخضار المسلوقة، سلق البطاطا أو طبق من الأرز المسلوق الذي لا يتكتل هو لا يحتاج الى

 غسيل أونقع و لا يتطلب مهارة بالتحضير، فقط عيار الماء المناسب والقليل من الملح. 

بالعموم يميل السويسريون  الى كل ما هو طبيعي وطازج، حتى أن الكثير من العائلات تقوم بالتسوق

 للطعام بشكل يومي. ولعله السبب في أن حجم البرادات متناه في الصغر 

طول متر و عرض أربعين سنتيمتر والمجمدة للعائلة الكبيرة ثلاثة أدراج بعمق 20 سم وللقارئ أن يتخيل حجم 

المشكلة التي أقع بها عندما أريد تخزين خيرات الشام من الفول الى الملوخية أو أكياس المكدوس عند عودتي من زيارة الأهل.

على المرء حتماً أن يقوم بشراء مجمدة إضافية إذا كان سورياً. 

أيضاً الناس هنا تميل الى الاقتصاد بالسكر، فالحلويات السويسرية تكاد تكون خالية من السكر في نظر البعض كذلك المشروبات و خصوصاً الغازية 

و أكثر ما يثير الإعجاب و التقدير انه لأسباب عديدة و لكن برأيي الأهم منها قلة الموارد و ارتفاع تكاليف الطعام هنا

 أصبح الناس يقدرون بعموم أوروبا و بسويسرا خاصة قيمة هذه النعمةجيداً و يحرصون عليها أشد الحرص 

فلا يمكن لأحد مهما كانت الأسباب ان يبقي فائضاً في صحنه أو على سفرته يذهب للقمامة.

 أما بالنسبة لطعامنا السوري…

فكل ما نقدمه لهم على بساطته أو تعقيده يثير فيهم الأسئلة عن من نكون نحن السوريون ؟ 

نحن نمثل لهم من خلال طعامنا نموذجاً جديداً لم يألفوه. نحن لسنا فقط أصحاب الأرز و المناسف و لسنا فقط أصحاب الكوسكوسي والطواجن أو الحمص والفلافل. 

نحن مزيج من كل هذا وأكثر.

و هكذا بعد عشر سنوات، لم يعد للسويسريين ما يدهشونني به أما أنا فما زال في جعبتي الكثير من الأطباق 

لأدهشهم بها سألتني إحدى صديقاتي عن حياتي في سويسرا بعد مضي 10 سنوات لي فيها وأخذنا الحديث إلى جوانب عديدة ومما سألتني عنه هو طعام أهل هذه البلاد و عن ما لاقى استحساني  منه ،فكانت فكرة هذه المقالة التي أحببنا ان نشارككم بها: 

ان تفكيري في وجبتي السويسرية المفضلة عاد بي إلى تلك الضيعة القابعة على ذلك  الجبل المكسو بالثلوج  عشية سبتٍ تحت وطأةاستغرابي من طلب زوجي بأن يقوم هو بتحضير العشاء أقف انظر بدهشة  إلى طبقانِ مسطحان بضعة زيتونات خضراء محشوة بالفلفل الأحمر ومثيلاتها باللوز ‏قطعتين من البيبي أونيون وأخرى من البيبي كورن والكورنيشون تلك الخيارات الصغيرة المعكوفة التي تعيدنا طريقة تخليلها بالخل و السكر إلى زمن جدادتنا ‏بضع بطاطات مسلوقات فوقهم قطعة جبن مشوية نعم يا سادة ان غذاء الناس هنا يعتمد وبشده على الجبنه البطاطا  و لمن يريد تناول هذه الوجبة على اصولها السويسريه عليه الا يقشر البطاط (طبعاً هذا النوع سريع الطهو قشرته رقيقة جداً بحيث يتمكن المرء من أكلها بسهولة ) 

من وسط الطاولة يأتيك وهج آلة الشواء وشيعة علوية مغطاة بغطاء معدني ناقل للحرارة وقاعدة تستند عليها من أربع إلى ثمانية شوايات معدنية مكسوة بطبقة لا تلتصق عليها الجبنة  ، كل واحدة مؤلفة من يد وصحن مقعر 

صغير بحجم قطعة الجبنة تشبه في شكلها الراكيت ( مضرب كرة التنس ) ‏يمكن اضافة بعض قطع اللحم والاستعانة بغطاء الآلة لشوائها أو إضافة بعضانواع اللحم المقدد لكنني شخصياً أفضلها بدونه.

جلسنا ننتظر قطع الجبنة لتنضج نصبها في الصحن أو على حبات البطاطا و ناكل ‏موارد قليلة شتاء  طويل وليالي أطول وابرد في جبال معزولة تفتق العقل هنا عن عمل قيمة مضافة لهذين المكونين البسيطين الجبنه البطاطا: أسماء مميزة  مستوحاة بعناية.. أدوات فارهةالبساطة  آلات عبقرية…  أجواء عائلية … وصفة رائعة لتناول وجبة شرطهاالأساسي ألا تؤكل على عجل  العشاء السويسري التقليدي طعام لا يمكن تناوله على عجل طعامٌ أريد له أن يكون احتفالية يوم مليء بالتحديات والإنجازات في البداية كانت تصنع على شكل قوالب كبيرة تقسم الى نصفين يعرض وجه الجبنة إلى لهب الحطب و عند نضجه يتم ( قحط ) هذا الجزء الناضج من الجبنة و إنزاله في الطبق ما زالت بعض المطاعم تحافظ على هذه  الطريقة الأم بعضها الآخر استبدلها بآلات شواء كهربائية مستوحات من الطريقة التقليدية كذلك ما زلنا نستمتع بهذه الطريقة في الاحتفالات العامة كعيد الميلاد و يوم التخفيضات الكبرى إن أكثر ما أثار دهشتي و دهشتهم و مازال هو  الكميات : 

فلا يظنّن أحدٌ أن بلد الأجبان هذه ،تكون فيها الاجبان مسفوحة بالكيلوات على جنبات البرادات في السوبرماركات 

لا يا سادة هنا أكبر كمية يمكن ان يبتاعها المرء هي نصف كيلو من جبنة الراكليت المعدة للاستخدام العائلي 

فيما عدا ذلك وزن قالب الجبنة من أي نوع هو بين ١٠٠-٢٥٠ غ هذه الدهشة التي ارتسمت على وجهك الآن أصابتني بالفعل عندما نظرت اول مرة الى هذه القوالب التي تتنافس بالصغر فيما بينها و تساءلت كم قالب منها أحتاج لعمل سندويشات الفطور؟؟؟ 

بعد ذلك اكتشفت ان قالباً واحداً يكفي و ذلك لان كمية صغيرة من هذه الجبنة الصفراء لشدة دسامتها و قوة طعمها تشعر بالشبع هنا لون الأجبان لا يمت للبياض بصلة و لا علاقة لها بالأنواع التي عرفناها و ألفناها في بلادنا هكذا

هم و هكذا فرضت عليهم طبيعة الحياة و قلة الموارد أن يكتفوا بكميات قليلة من كل شيء حتى الوقت

 المخصص لإعداد الطعام يجب الاقتصاد فيه فلا يتعدى ٢٠-٣٠ دقيقة للوجبةالرئيسية فلا وقت لا لسيدة المنزل و لا لرب المنزل يسمح بأكثر من ذلك، نعم للرجل هنا كثير من الرجال يقومون بإعداد وجبات الطعام للعائل

عندما سمعت هذه المعلومة لأول مرة لم أستطع تخيل المشهد ( لم أتخيله حينها يقف بمريول المطبخ يلف اليبرق مثلاً أويكوّر أقراص الكبة ) كان هذا بالنسبة لي ضرباً من الخيال اليوم بفضل الغربة تفتقت مواهب شبابنا و أصبحوا يضاهين جدادتهم و ليس نحن فقط بالمهارة لكن حينها كان شيئاً مما أثار استغرابي بالعودة الى السويسران  فبعد معرفتهم أكثر اكتشفت أنه أمر بسيط يمكن لأي ( رجل عامل ) ان يساعد ( زوجته العاملة ) به فهو أمر لا يتطلب في أغلب الأحيان من شوي قطع اللحم ( على اختلاف أنواعها ) اما بالفرن أو على الموقد إعداد صحن السلطة … بعض الخضار المسلوقة …. بطاطا ،أو طبق من الأرز المسلوق ( هنا بالمناسبة الرز ممكن ان يحترق لكن لا يمكن أن ( ينخبص ) ) هو لا يحتاج  لا الى غسيل و لا الى نقع و لا لأي مهارة بالتحضير فقط عيار الماء المناسب و القليل من الملح. 

تختلف مصادر ما ذكرت بين الجاهز و النصف جاهز و الذي يحتاج الى تحضير كامل و بين بالطبع الاورغان و المنتجات المعدلة وراثياً و يختلف اختيار الناس لها بحسب أذواقهم ،وقتهم ، دخلهم ،  و مدى اهتمامهم بالمحافظة على صحتهم .

لكن بالعموم هنا الناس تميل الى كل ما هو طبيعي و طازج حتى كثير من العائلات يقمن بالتسوق للطعام بشكل

 يومي من هنا أتى حجم البرادات المتناهي في الصغر براد العائلة كبراد بيت(  الباربي ) عندنا طول متر و عرض أربعين سنتيمتر الفريز للعائلة الكبيرة ثلاثة أدراج بعمق ٢٠ سم لك ان تتخيل حجم المشكلة التي أقع بها عندما أريد تخزين خيرات الشام من الفول الى الملوخية أو أكياس المكدوس …. 

هنا المطبخ مجهز مسبقاً ليس كفرنسا مثلاً على المرء ان يقوم هو بشراء الأدوات الكهربائية لكن عليه حتماً ان كان من سوريا ان يقوم بشراء فريز إضافية .

أيضاً الناس هنا تميل الى الاقتصاد بالسكر فالحلويات السويسرية تكاد تكون خالية من السكر في نظر البعض كذلك المشروبات و خصوصاً الغازية حتى التي تحتوي على السكر منها و أكثر ما يثير الإعجاب و التقدير انه لأسباب عديدة و لكن برأيي الأهم منها قلة الموارد و ارتفاع تكاليف الطعام هنا أصبح الناس يقدرون بعموم أوروبا و بسويسرا خاصة قيمة هذه النعمةجيداً و يحرصون عليها أشد الحرص فلا يمكن لأحد مهما كانت الأسباب ان يبقي فائضاً في صحنه أو على سفرته يذهب للقمامة مثلاً ان أشد عقوبة ممكن أن تطبق على الاطفال في المدارس هي لمن رفض تناول صحنه لأي سبب كان أو لمن أبقى فائضاً فيه ان يقوم على مرأى من رفاقه بسكب محتويات هذا الصحنفي سلة القمامة ان هذا الأمر معيب جداً و هذه ثقافة عامة هنا لدرجة تجعل أشد التلاميذ عناداً يرضخ لما يقدم له ( طبعاً هم يراعون ما طلب الأهل تجنبه لأسباب دينية أو صحية ) و كذلكيسكب على قدر حاجته كي يتجنب موقفاً كهذا. 

و بمناسبة ذكر الاطفال أوَّدُ أن أشكرهم فبسببهم تمكنت من الحصول على وصفات أصلية لأشهر أكلة سويسرا على الإطلاق ( الفوندو ) معروف انها تحضر بالنبيذ أو ( الكيرش ) و لذلك لمأستطع تناولها الى ان أعطتني صديقتي السويسرية وصفة أستطيع استبدال النبيذ فيها ب ( سيدر دو بوم ) أو بالحليب أو ببساطة عصير التفاح 

و قالت لي كثيراً ما نصنعها هكذا من أجل أطفالنا ياللروعة تمكنت أخيراً من طهو هذا الطبق الرائع في منزلي و بعد

 ان جربت كل الوصفات أفضلها الآن  بالسيدر دو بوم ، بعصير التفاح أصبح الطعم برأيي حلو أكثر من اللازم و بالحليب أصبحت دسمة للغاية لذلك فضلتها بطعم لاذع قليلاً و أخف من غيره حققه لي ( سيدر دوبوم ) 

لننتقل الآن لمشهد آخر للدهشة و لكن هذه المرة أنا و سفرتي سنكونان عناصرها دعوة لصديقة لي و زوجها على العشاء سأقدم من خلالها نفسي كسفيرة لبلد لم يعرفه معظم العالم هنا الا من خلال نشرات اخبار الحرب 

سأتحضر الليلة لأكون أميرة دمشقية بكل معنى الكلمة ( هكذا هي طريقتي للثأر من كل هذا الجهل المحيط بي عني و عن حبيبتي بلدي ) في كل مرة أدعو بها أحدٌ من شتى أصقاع اروربا تراودني هذه الأفكار تفضل يا سيدي و لا داعي لكل هذه الدهشة فأنت كما أنت و لم تتحول الى الملك شارلومان أو الى شهريار و لكنك ببساطة شديدة أمام طاولة عشاء لسيدة دمشقية. 

هي و منذ أن خطت قدميها هذه البلاد تقود أشرس معاركها من مطبخها هذا الذي لا يستطيع أحدٌ أن يتخيل أنه مجرد حائط واحد من جدران المنزل 

نعم يا سيدي هنا أخوض أعنف معاركي أستعمل كل أنواع الحنين و الحب التي تعرفها و التي لا تعرفها هنا أتحدى الطبيعة و المسافات و أستحضر الأرواح و الضحكات أخلط الألوان و الأطباق … القديم و الحديث … الشرقي و الغربي  … مستوحية من الموزاييك الدمشقي الذي فيه من كل الأطياف تجمعه يد المهرة السوريين  نوعاً جديداً يؤكل.

دفعته زوجته للجلوس و هو لا يزال يحدق بالطاولة ، و كأن عيناه تحولتا الى كاميرا خماسية الأبعاد اذا ما أضفنا اليها بعدي حاستي الذوق و الشم اجلس يا سيدي و ابدء بطبق شوربة العدس و قرص الكبة المقلية ثمَّ عليك بالكبة بالصينية مع متبل الباذنجان أو مع صحن الحمص بالطحينة ( هذا كل ما يعرفونه عن مطبخنا ان وجد احد يعرفه ” فلافل و حمص بالطحينة ” ) هنا فقط لا أواجه صعوبةبالشرح و هنا حقاً أشعر بمدى تقصيرنا في التعريف و التسويق لثقافتنا و مطبخنا على الخصوص ثم تناول طبق التبولة مع الكبة المشوية التبولة أول ما طلب مني أن اعلمه إياه فقلت حسناً و لكن عليك ان تعلم انها طبق لا يحضر على عجل و عليك معرفة أن هذه الأكلة هي رفيقة البهجة في جمعاتنا  أنا هنا حولتها لتكون صانعة البهجة ثم بدأ بتناول اليبرق الذي أعطى مخترعه من عنده عشر نجمات ميشلين 

لكن المشكلة في سويسرا على كثرة كرومها الا ان ورق العنب هنا لا يمكن طهيه نبحث كثيراً لنحصل على كرم يمكن أخذ أوراقه و استعمالها ثم أتقصد عمل طبق باللبن ( في ذلك اليوم كان كبة لبنية ) حيث أطباق اللبن المطبوخ أولاً هي من احب أنواع الطعام الى قلبي و ثانياً أشعر بأن إمكانية التسويق الى هذا النوع من الطعام هناممكن جداً لكثرة اللبن و جودته البعض يفضل ترويب الحليب و عمل اللبن منه انا اتبعت هذه الطريقة فترة ثم بعد أن تعودت على أنواع المواقد الكهربائية التي كانت في البداية تسبب لي الكثير من التعب بسبب اختلافالحرارة فتارتاً يحترق اللبن و تارة ( يفرط ) و أخرى ( يخّرز) و ما من مصيبة قد تواجه احد في موضوع اللبن الا و واجهتني و لكن حبي له دفعني لأن أتعلم من كل أخطائي و التي كانأهمها بسبب اختلاف الحرارة و توزيعها و قوتها بين المواقد التي تعمل على الغاز و هذه هنا التي تعمل على الوشائع الكهربائية البعض الآخر يرى ان طريقة الترويب التقليدية تعطي اللبن الطعم الحامض الذي ننشده حيث هنا بالغالب طعم اللبن حلو نعود لموضوع العزيمة،  يسألني كم من الوقت استغرق إعداد هذه الطاولة فأجيب بعدد الساعات الذي  يعتبره ضرباً من الجنون … و أنا أتفهمه و تعتبره زوجته ضرباً من الحب….. و أؤيدها و تبدأ هنا مهمتي بالتعريف على بلدي الخصب الخصيب من الهلال الخصيب قلب طريق الحرير النابض نعمة 

الجغرافيا التي جعلت الفقير منا قبل الغني ينعم بتعدد مصادر قوته و تنوعها و غناها ان هذا الذوق الذي تتكلل به موائدونا كإكليل العروس ما هو الا قمة الهرم في التراتبية الحضارية.

نحن شعب لديه من الترف الذوقي ما يجعله يكتشف أن الفجلة و البصلة الخضراء رفيقة الشاكرية و ان البرغل يليق بها في حين الرز الأبيض يليق بالشيخ المحشي نعم يا سادة ان شعباً مزج أوراق النعنع بالبقدونس و انتج التبولة هو شعب يتربع على عرش الغنى من حيث لا يدري حقاً لست أبالغ من عاش في أوروبا وكلما اتجهنا شمالاً 

أصبح يدرك حقيقة ما أقول هنا كل ما نقدمه لهم على بساطته أو تعقيده يثير فيهم الأسئلة عن من نكون نحن السوريون ؟ 

نحن نمثل لهم من خلال طعامنا نموذجاً جديداً لم يألفوه نحن لسنا فقط أصحاب الأرز و المناسف و لسنا فقط أصحاب الكوسكسي و الطواجن نحن مزيج من أكثر من هذا و هكذا بعد عشر سنوات ما عاد لديهم ما يدهشونني به أما أنا فما زال في جعبتي الكثير  من الأطباق لأدهشهم بها.

 

مواضيع أخرى ذات صلة:

المطبخ وأثره في الاندماج، ماذا أخذنا وماذا أعطينا؟! رأي يرصد حركة تبادل الثقافات عبر المطبخ

الطريق إلى قلب المرأة يمكن أيضاً أن يبدأ من المطبخ

في دور الجَنْدَرَة وطبخ المُجَدَّرَة نقاشات مفتوحة وآراء حول أدوار الرجل والمرأة في المطبخ، وانعكاساتها في ضوء الاغتراب.

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

مفاتيح الحياة الهانئة… “كول مر واشرب مر بس لا تعاشر مر…”

بيداء ليلى – بون ألمانيا هل هنالك غذاء أساسي وآخر ثانوي؟ الكثير منا عندما يفكر بالطعام، يفكر حصرآ الوجبات اليومية الأساسية التي تسكت جوعه وتعينه لاستكمال يومه وما يحمله من واجبات ومسؤوليات. وتعود تسمية مصلح الغذاء أو الطعام الأساسي إلى خبير التغذية التكاملية جوشوا روسينثال، ...