in

على ممر الدراجات

كفاح علي ديب

كأغلب الوافدين إلى هذه البلاد، أمشي شبه تائهة، خلسة أنظر إلى وجوههم، وإلى وجهي ينظرون خلسة. تقول نظراتنا، كمن يختَلقُ الأعذار لنفسه: أيضًا، أنت غريب!

أصابِع يدي اليسرى تقبض الهواء في جيب سترتي، واليد اليمنى تطرطق بقطع نقدية في جيبي الآخر، شاردة عن كل ماحَوْلي، جعبة ثقيلة على ظهري، وأفكر بقيمة كل قطعة نقدية أمسكها، دون أن أكون متأكدة أنني مصيبة في تقدير قيمة أي منها! تلك، هواية قديمة كنت أمارسها في بلدي بعد أن عرفت كيف أميّز قطعها النقدية من ملمسها. أما هذه البلاد فلم أعتَد على عملتها بعد، حتى إنني عندما اشتريتُ عبوة الماء لم أفهم على البائع ما طلبه مني، فمددت له كفّي بحفنة من القطع النقدية ليختار منها ما يريد، ولو أنه أخذها كلّها، لما اعترضت!

رجل مسرع على دراجته يصيح بي غاضبًا، بلغةٍ لا أفهمها، لأنتبه أنّي أسير على طريق مخصّص للدراجات! لقد أخطأت السير في مكان غير مخصصٍ للمشاة، رُسِمَتْ عليه دراجات، تتباعد عن بعضها لمسافات قصيرة. منعني شرودي من الانتباه إليها، قبل أن يصيح بي هذا الرجل الذي يبدو على عجلة من أمره! لكنّ ذلك لم يمنعني من شتمه، بلغتي التي لا يفهمها، وكنت حريصة أن أجعله يقرأ من ملامحي أنني أشتمه، كما قرأت شتيمته لي من ملامحه!

غاب الرجل على ممرّ الدراجات، وعدت إلى شرودي، أفكر: “يا لهذا هذا الرجل الألماني! ألم يلْحظْ أنني وصلت توًّا، وأنني لم أفهم تفاصيل المدينة بعد؟!”

الحزن والغضب، شعوران يحتاج ثقل كلّ منهما جبلاً لحمله، يعتركان معًا في داخلي! بفعل غضبي، ندمت، إذ لم أوقف ذلك الشخص الغريب على دراجته! لربّما كان بإمكاني أن أخبره لماذا أنا هنا، ولم أخطأتُ السير على الممرّ المخصّص لدراجته اللعينة! أو كيف خرجت من بلدي، وأي ممرّ سلكت، وأدعوه لتجريب بعض الحماس في عبور ممراتنا القاتلة! ولكنت حكيت له ذلك كلّه، بنبرة تهكميّة، وشعور خفي بالسخرية!

بعد تفريغ غضبي بهذه الأفكار، ولأنني أميل إلى الحلول السلميّة والرومنسية بطبعي، عدتُّ أسير ببطء وأطرطق بقطعي النقدية، وأنا أفكر: كان يمكنه بدل أن يشتمني أن ينزل عن دراجته للحظة، ويقول لي بلطف: عذرًا، أنت تمشين في المكان الخطأ! حينها بالتأكيد كان سيلاحظ أنني خجلى إذ أعَقتُ تقدُّمه، وكم أنا آسفةٌ لأنني غريبة هنا!

وللتعبير عن أسفي وشكري للطفه، كنت سأدعوه لتناول فنجان قهوة، في المقهى الذي كنت قد تجاوزته منذ بعض دقائق، وقد لفت نظري أنه فارغ تمامًا من الزبائن! وبينما نحتسي القهوة معًا، سأفتح جعبتي وأُفرجيه بعض الذاكرة التي وضبتها فيها، (دفتر مذكّرات، أقلام، شال، صور الأصدقاء، وبعض هداياهم لي بمناسبات مختلفة، كل هدية منها تعكس وجها جميلاً من بلدي)، وبين ذاكرة وأُخرى سأطلِعه على بعض التفاصيل التي أوصلتني إلى هنا، أما هو؛ فبإمكانه أن يعلّمني أثناء الحديث بعض قواعد هذه المدينة، ويُفشي لي بعض أسرارها وتفاصيلها، وربما يعرّج على بعض أسراره، ويفتح قلبه لي!

كنا سنجد لغة محايدةً نتفاهم عبرها، تساعدنا إيماءات وجوهنا وأجسادنا، التي لا بدّ سيبدو بعضها مضحكًا، فيخرجني من حزني، ويضيف شيئًا من الفُكاهة على يومه الروتيني! وحين ننتبه أن الوقت مرّ سريعًا، وأننا قضينا ساعات في الحديث، نغادر المقهى ونتوادع، بعد أن نكون قد وقعنا في الحب!

“الحبّ”! أخافتني هذه الكلمة، وأرعشت قلبي. ففي الغربة، أكثر ما نحتاجه هو الحبّ!

وقفت لأخْذِ نفسٍ عميقٍ، بعد هذا الحديث الطويل مع الغريب! رفعت رأسي باتجاه السماء، كانت تشتعل بغروب خريفي. يالفصل الخريف يعرّي كل شيء حتى أفكارنا! هذه الفكرة، هي التي أخرجت رجل الدرّاجة من دائرة شرودي. خريف هذه المدينة جميل، على كل حال! إنّما جماله ليس مثل جمال الخريف في مدينتي التي غادرتها. تختلف رائحة الخريف من مدينة إلى أخرى، ففي دمشق القديمة رائحة الحجر وأبواب الخشب القديمة والياسمين تعطّر جسد المدينة، أمّا هنا، أشمّ رائحة ما، لم أعرف مصدرها بعد. ربّما سأكتشف ذلك، في الخريف القادم، إن بقيت هنا!

اترك تعليقاً

“قصة حب سورية” يفوز بجائزة اللاجئين!

مقطع عرضي ليوم في المنفى