in

ضلي اضحكي يا ريم..

رشا حلوة:

قبل أن أذهب إلى برلين من شتوتغارت، المدينة التي أقيم فيها منذ حوالي ثلاثة شهور، ضمن إقامة للصحافة الثّقافيّة في Akdemie Schloss Solitude، عرفت عن وجود ريم بنّا في مستشفى في برلين. ولأني عرّفت مسبقًا بأنها قادمة إلى برلين لزيارة ابنتها المقيمة في العاصمة الألمانيّة، لم أفهم بداية إن كانت المستشفى هي جزء من الزّيارة لمتابعة حالتها الصّحيّة أم أنها اضطرت لها جراء حصول شيء ما طارئ.

كنا نجلس أنا ومجموعة من الأصدقاء الفلسطينيّين والسّوريّين، في مقهى في حيّ كروتسبرغ، نجهز أنفسنا للذهاب مع رشاد في سيارته إلى المستشفى. قبل أن نتحرك باتجاه ريم، مررنا على محل لبيع الورد، اخترنا باقة جميلة من الورد، وكتبنا في الرّسالة، عنوان قصيدة كتبها الصّديق الشّاعر رامي العاشق لريم: “ضلي اضحكي يا ريم”.

وصلنا المستشفى، ومن ثم إلى غرفتها رقم 27، وفقًا للمواصفات التي خبرتني عنها ريم. كانت مستلقية على السّرير، فور ما رأتنا ارتسمت على وجهها ابتسامة كبيرة، كما ابتسامات ريم التي نعرفها دومًا. عندها، اقترحت ريم أن نجلس في الخارج، كان الجوّ جميلاً. أحضرت لها ابنتها بيلسان كرسيًا متحركًا، وخرجنا معها إلى شرفة المستشفى.

تحدثنا كثيرًا، ضحكنا وتصورنا.. وخلال لقائنا بها، وبعد أن خرجنا وإلى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا النصّ، أفكر بإمرٍ واحد: ما يميّز ريم بنّا، هو بأننا لوّ أخرجناها من سياق المستشفى وغرفتها والأوكسجين الصّناعيّ وثياب المستشفى، ووضعناها في كلّ مكان في العالم؛ في شرفة بيتها في النّاصرة، في مقهى بشارع الحمرا في بيروت، أو بار في الشّام، أو لقاء أصدقاء في برلين، أو حفلة في الإسكندرية أو تونس أو الرّباط، ستكون ريم حاضرة بشكل حضورها الجميل دومًا؛ ذات الابتسامة وذات الرّوح وذات الطّاقة والشّغف للحياة وذات العزيمة، ولهذا تنتصر دومًا على كل التفاصيل التي تحاول عرقلة خطواتها نحو الضّوء التي تصبو إليه؛ الذّاتيّ والإنسانيّ.

رشاد الهندي:

ريم بنا، الإنسانة …
يوم الجمعة، زرت مع بعض الأصدقاء الفنانة والصديقة ريم بنا في أحد مشافي برلين، بداية توجهنا إلى المستشفى، قررنا أن نأخد معنا باقة ورد لأجمل الورود، قامت الصديقة رشا حلوة باختيارها، وبينما احترنا حقيقة أنا والصديق رحماني باختيار كلمات مناسبة لكتابتها على البطاقة اقترب الصديق رامي العاشق من رشا وقال: “ضلي اضحكي ياريم”، وهي عنوان قصيدة كتبها رامي لريم بنا قبل سنة. وصلنا إلى المستشفى، وأنا صدقًا، من الناس الذين يكرهون زيارة المستشفيات، وأحاول أن أتجنبها قدر الإمكان، ولكن، حين فتحت الجميلة بيلسان ابنة ريم باب الغرفة، ورأينا ريم، ورأتنا، واستبلتنا بضحكتها الجميلة والمميزة وبحب كبير، نسيت تمامًا أنني في مستشفى، وعلى الفور قررنا الجلوس في الخارج.
طوال فترة جلوسنا وحديثنا رسمت ريم على وجوهنا البسمة، كمية الجمال الذي تملكه هذه الإنسانة غير طبيعية، كمية الحب الذي تنثره حولها غير طبيعية، تجعلك تنسى أنها تعاني صحيًا!

شخصياً أعشق الفنانة ريم بنا التي مثلت أغانيها لنا مصدر أمل وارتباط بوطن مسلوب محرومين منه، ولكن ريم الإنسانة زودتني بحب وعشق كبير للحياة. ودعتنا ريم من خلف الزجاج ونحنا ننتظر المصعد بإشارة النصر وضحكة لم ولن تفارقها.

p1050665

رامي العاشق:

لم ألتقِ بريم بنا سابقًا سوى مرة واحدة خاطفة في عمّان في حفل تكريم لها، كنت أتمنى أن ألتقيها في مناسبة أخرى، تواصلنا سابقًا عدة مرات، وبدأنا ننسق في كثير من الأحيان لإنتاج أعمال غنائية مشتركة أكتبها لها، وتغنيها، إلّا أن الوقت لم يسمح بعد بأن ترى النور.

تمثل ريم بالنسبة إلي حالةً استثنائية، لم أرَ مثلها بعد، ولا أتوقع أن أرى مثلها، لذلك كان صعبًا في البداية أن أراها في المستشفى، حين دخلنا كمجموعة إلى غرفتها، حضنتها لم أستطع البقاء، وقفت بعيدًا أنظر إليها من بعيد، لم أستطع، ثم خرجت أنتظرها وأنتظر أصدقائي خارجًا. كان صعبًا جدًا بالنسبة إليّ أن أرى أيقونة القوّة على فراش المرض، لذلك حين خرجنا إلى شرفة المستشفى، حاولت أن أرى ريم بعينيّ، أمسكت الكاميرا، وبدأت ألتقط صورًا كثيرة لها، ربما تجاوز عدد الصور السبعمئة صورة، لم تتوقع ريم أن تكون الصور جميلة لأن التعب بادٍ عليها.

في العام 2014، كنت قد أصدرت ديواني الأول “سيرًا على الأحلام” ووصلتها نسخة حين كانت في اسطنبول، لم أستوعب الأمر بداية حين رأيت صورتها وهي تحمل الديوان بيدها، ثم بدأت الدهشة تتحول إلى سعادة لحظة تلو لحظة.

قبل الوصول إلى المستشفى، ذهبنا لنشتري باقة ورد لها، سألتني رشا، ماذا نكتب، أوّل ما خطر ببالي كان عنوان القصيدة التي كتبتها لها قبل عام “ضلي اضحكي يا ريم”، وافقت رشا وكتبتها، كان هذا العنوان أيضًا عنوان ألبوم الصور التي نشرته على فيسبوك وتناقله الناس وأعادوا نشره، وانتشر انتشار النار في الهشيم، أما القصيدة.. فلا بد من إعادة التذكير بها من جديد:

زاد الحلا ..
والكحلْ مدّ الليل عا رمشا وغفي
وما فاق ..
ما لحّق صَلَا
ولا صام عن سحرو
ولا رقْ عالـ قلبو ابتلى
ولا غاب .. لا قلّو: هلا!
زاد الحلا
وكلما هتف صوت الفقيرْ:
لك يا حلا لا تزيدْ
هالنّار بتصيح: “امبلا”
زيدي حلا!!

***

يا ريمْ
يا مراية حنيني وصورتي وناري
يا بنت من نبعك خمر
فاضت معي جْراري
يا ريمْ
صلّيت الصبح عا قبلتِك وبكيتْ
وحدو اللي وقّف دمعتي
صوتِك ندَه: مو عيب؟
جفلَت عيوني وبالعتم خبّيت أنا عاريْ

***

شو بقول يا بنت البحر والعطر والنجمِة
يا عيون بنتي وضحكِتا وريحة حضن إمي
شو بقول؟
خايف لو قلتْ .. يتخرسن الموّال
ولو ما قلتْ .. خايف شي نسمة خوف
تسرق حنيني الـ ما انحكى
وينقال!
شو بقول يا حلوة؟
يا ورد يا قوّة ..
مبحوح صوت حكايتي
وقلم العشق نشفان
حتّى حصصنا من الحروف الـ بالإسامي.. ذاتها
زايد عليكي بآه
زيدي حلا
ماضل غير الآه احكيها بقصيدة ملوّنة بترنيم..
زيدي حلا يا ريم ..
وضلّي اضحكي يا ريم

اترك تعليقاً

الأجهزة الأمنية الألمانية تطارد لاجئ سوري بتهمة التخطيط لهجوم

برلينيات –الجزء الثالث