in

سرد أوّل عن الموت

لينة عطفة

وذلك أنّ الموت لا يخون، كنت أراه واحدًا وكنت أرتّب كلّ شيءٍ على أساسٍ فيزيائيّ، بفارق أن الروح عدمٌ ذاهبٌ إلى العدم، لذا الموت واحدٌ أحدٌ لا يخون، الحياة هي التي تتعدّد وتتلوى وتراوغ، الحياة هي التي تقود الحكايات إلى حوافها لتنكسر أو ربما تخلق مفترقًا آخر إذ الحواف زوايا.

في سنّ الخامسة عندما قابلت الموت أوّل مرّة في عشّ اليمامة في شبّاك العليّة، كان الفرخان ساكنَين وعندما اقتربت ونكزت أحدهما بإصبعي انقلب الفرخ وانبثق الدّود، سمعت صوت الدود ينخر الفرخين، سمعته، صوتُ مضغٍ آدميّ!!بقيت ليالٍ تراودني كوابيس هيكليّ الريش الفارغين، إلا من الدود وصوت المضغ. والموت يأخذ أفراخ اليمام الصغيرة، تُرى ما الهيكل الذي سنؤول إليه؟! كأنني أستثني نفسي من المشهد. أقيس كلّ شيء بمقياس ذلك الموت، أرتّب للأشياء هياكلها، تبتعد أخيلة الطفولة وهأنذا أقابل الموت وأسمع صوت مضغٍ آدميّ، المدن تهوي على رؤوسنا، أشلاؤنا المنثورة في الشوارع، جثاميننا الممدّدة على الشواطئ

جثاميننا الموزّعة في الشاحنات، جثاميننا المدمّاة المتفسّخة المزرقّة تقود العالم ليحزن، ليحزن خجولاً وحسب.

يالنعمة الموت إذ لا حبر يتلوه ولا كلمات تنتعله راكضةً إلى الفضيحة! يالنعمته لا يخون إنه هو، هياكله ذاتها، مكاييله ذاتها. الحياة هي التي تخون إذ ترتدي أقنعة الموت!

في الكتابة أهذي، هذه المشاهد عبرت أمام عينيّ منذ آلاف السنين، أولئك الطغاة يتبادلون السياط والحلبات والضحايا. الجدال اعتراض، والاعتراض رفض، والرفض خصومة، وهنا تتساوى الخصومة بالموت! في حضرة الطغاة كل المقامات موت! واليوم طغاة العالم يسدّون علينا دروبنا، لا أدري إن كان الطغيان يصحّ لنلصق مفهومه بأشخاص، ولا أدري إن كان غضبي يذهب إلى أسماء بعينها، كلّ شيء مرتبط عندي بالطغيان بدءا من ثرثرة البشر الصباحية وليس انتهاء بأسماء القادة السياسيين، كأن العالم سديم عنف يغبّ أرواحنا ويلفظها رمادا.

الحزن عادة يبتدئ بأحرف وأدوات النفي إذ إن الخسارة لا تصدّق، لكنني كإنسان ينتمي إلى بلاد تدخل دورة الخراب لتحقن وحش العالم بجرعة الوقت كي يستمر، لم أعد أُصاب بالدهشة، أكتفي بالمشاهدة، أكتب مستندة إلى أفعال مضارعة مفتعلة، إنه خراب الروح أن يقف المرء عاجزا عن الدهشة أمام الموت، وأمام الحياة أيضا!

حلمت بأن يكون لي وطن لا أخاف منه، وطن طبيعيّ لا يكون ثقيلاً على رئتيّ قبل النوم، حلمت بالحرية وبكرامة تحظى بها الحيوانات في مجموعاتها، لم أتخيل لا أنا ولا غيري أن الثمن سيكون موتًا، أو هجرة مرادفة للموت، عندما ودّعت أهلي لم أبك، كان عندي يقين بالعودة، خسرت كلّ يقين عندما سافرت أمّي ووصلت عبر البحر ثمّ مشيًا إلى ألمانيا، الأمّ هي الأرض الأولى وعندما سافرت أمّي عرفت أني خسرت بلادي بشكل نهائي، الأمّهات لا يتركن البيوت التي أنجبن بها أطفالهن إلا لرحيل كامل، أبي بقي منتظرا وثيقة سماح بالمغادرة ليلتحق بنا، العائلة كلّها في ألمانيا، أنا وزوجي وأمي وأختي وأخواي، أما أبي فعالق في بلاد أشبه بالعدم، بشرايينه المعطوبة وقلبه المتعب، لا يستطيع النوم إلا ورأسه مسند على ذراع أمي، أفكّر في صراعه مع النوم، كأن قلبي تنقصه عذابات في هذه الغربة المصمتة، أفكّر في بيتنا ورائحته وأثاثه وإطلالته السخيفة أفكر في حارتنا في ذكرياتي، منذ ارتفاعنا طابقا عن بيت جدّي الذي عشت طفولتي به، إلى نقل الجبانة من أمام بيتنا إلى منطقة المالحة، حتى رحيلي إلى ألمانيا، لقد عشت ثلاث هجرات، والهجرة ضرب من الموت! ثمّة غرف في روحك تُغلق على ساكنيها إلى الأبد، وتظلّ هائما في خيالك ومناماتك تبحث عن مفاتيح لتلك الغرف!.

اترك تعليقاً

عبد الله غباش: لو أتيت كعازف كمان أو بيانو لما انتبه أحد لي!

لحن شرقي، معرض للخط العربي في ألمانيا