in

الحلم الأوروبي والصحوة المتأخرة

اللوحة للفنان سعد يكن

بين الغرب والشرق سوء تفاهم لا يبدو أنه سينتهي قريبًا، لأن أحدًا ليس جاهزًا لذلك، ولا يرغب أيضًا. قبل أن أزور أوروبا، كنت أفكر دائمًا بالصورة النمطية التي حفرها كلا العالمين الشرقي والغربي في أذهاننا، وجعلانا نتخيلها الحبل الذي يمكن أن يلتقط فشلنا وأحلامنا من قاع البئر السحيق الذي نعتقد أننا نعيش فيه ويحوله إلى نجاح بطريقة لا يمكن تفسيرها إلا بالسحر. كان الجميع يعتقد أوروبا مكانًا يختلف عما يمكن أن نجده في كل بلد عربي كان بالإمكان دخوله دون الحاجة لتأشيرة قبل الثورة. والحال؛ أن ذلك كله ليس أكثر من صورة بنيناها بأيدينا كي نقنع أنفسنا أن هنالك ما يمكن أن يغير حياتنا رأسًا على عقب دون بذل أي جهد.

في نظر معظم الشعوب العربية غدا الوصول إلى أوروبا بطاقة رابحة يتجاهل حاملها أية صعوبات أو عقبات من شأنها أن تجعل الحياة الجديدة تحديًا نبدأ في مواجهته من الصفر، مع أن أعمار معظمنا المتوسطة لا تؤهلنا لمثل ذلك التحدي، أو على الأقل تجعل من مقارعة الجديد لسنوات حجر عثرة أمام طموحاتنا الحقيقية، طالما أن المعظم ينظر إلى هذه البلاد كمكافأة حصل عليها، أو كفرصة عليه استغلالها، لا كحقيقة عليه التعامل معها، والتكيف مع ما تفرضه من تغيرات.

كل ذلك وأكثر، جعل من الذين لاحقوا الحلم الغربي في زمن الثورات، وحققوه مقامرين بحياتهم وحياة أسرهم، غالبًا يصابون بما يشبه الصدمة، أو خيبة الأمل على أقل تقدير. وهنا؛ لابدّ لنا من التمييز بين من جاء إلى أوروبا بحثًا عن مكان يستطيع أن يقيم فيه بصورة قانونية بعد أن أغلقت بوابات العالم العربي في وجوه السوريين، وبين من أتى إلى القارة الحلم رغم ظروفه الجيدة مستغلاً الظروف في تحقيق غايته. ورغم أن الفرق ليس في ذلك الوضوح بين المجموعتين إلا أنه غالبًا ما يؤثر على رؤية المجتمع الغربي لنا؛ هذه الرؤية التي هي في الأساس رؤية تقليدية يحاول البعض من أصحابها تطويرها وتخليصها من العنصرية لكنها تبقى مليئة بالمخاوف المبررة أحيانًا والمجحفة أحيانًا أخرى.

جميع الذين وصلوا إلى أوربا يعرفون أننا لا يمكن أن نصنف القارة العجوز كجحيم، لكنها ليست فردوسًا بالطبع أيضًا؛ على الأقل بالنسبة للقادمين الجدد، أو مواطني المستقبل كما يحلو لهم أن يعتقدوا. هنالك اختلافات كبيرة وبارزة بين دول الاتحاد الأوربي عامة، وبين السياسات المتبعة من قبل الحكومات في تأهيل الوافدين إليها والتعامل معهم، وأيضًا بين الخبرات التي استطاعت تلك الدول اكتسابها تدريجيًا واستغلالها في تحسين الوضع العام والعمل على الخروج من الأزمة التي تشكل تحديًا حقيقيًا وصعبًا. وهنا يأتي دور “من اصطلح على تسميتهم باللاجئين” في تحمل المسؤولية والبدء باعتبار أنفسهم جزءًا من المجتمع لا كمستفيدين فقط من حق الحماية والإعالة، بل بإنجاز ما يتحتم عليهم تجاه أنفسهم وتجاه الآخر.

في مجتمع كالمجتمع الألماني على سبيل المثال والذي يغلب عليه طابع الليبرالية الجديدة، يتحمل المواطنون كما الدولة المسؤولية العامة ويتم العمل بالفكرة القائلة إن حرية المرء تنتهي عندما تبدأ حرية الغير. وكي لا نقع في فخ التعميم كما جرت العادة، يمكننا القول إن كثيرين ينتمون إلى الطرفين لم يستطيعوا بعد أن يشكلوا قناعة بخصوص مفهوم الحرية والحرية المقابلة؛ ما يؤدي في النهاية إلى العديد من إشارات الاستفهام حول قضايا ليس أولها موضوعية فكرة الاندماج وقابليتها للتطبيق وليس آخرها مصداقية الجميع فيما يتعلق بالاندماج ورغبتهم في ذلك.

على ما يبدو أن كثيرًا من القادمين من الشرق حلموا بأوروبا على قياس ما يحملون من أفكار يعتبرونها في المطلق صحيحة وغير قابلة للتفاوض، سواء أكانت أفكارهم تلك متعلقة بالدين أو المجتمع أو الاقتصاد أو حتى النظام السياسي. وفي المقابل، فالعديد من الأوروبيين يحتفظون في جيوبهم بصور قاتمة للشرق لا يريدون تغييرها، ويروننا مجرد هاربين من عصور ما قبل التاريخ إلى عصر التكنولوجيا الذي يعيشون فيه، وحين يفاجئهم الواقع بما يناقض ذلك وينفيه، يبررون ذلك بوجود حالات استثنائية بعيدة كل البعد عن الحالة العامة ويشعرون بالصدمة.

حتى الآن لا تبدو سياسات الدول التي استقبلت اللاجئين واضحة في ظل أكبر تدفق للمهاجرين منذ سنوات، بل تختلف الإجراءات المتبعة بين مقاطعة وأخرى في البلد الواحد. من الجهة الأخرى يروج كثيرون من الواصلين حديثًا لفكرة المصلحة التي تقف قبل كل شي وراء استقبال أوروبا لهم ولغيرهم، وكأنما من شأن هذه النظرية أن تلغي إنسانية هذه الدول إذا ما اقترنت بدافع آخر، وقد يذهب البعض إلى انتقاد هذه الحكومات لعدم فرز طالبي اللجوء وانتقاء أفضلهم معتبرين أنفسهم أكثر أحقية وأعلى شأنًا من غيرهم.

من غير المجدي الآن إطلاق حكم بعينه على ما يجري، لكن يبدو أن على كل من الشرق والغرب أن يراجعا مفاهيمهما عن الآخر ومدى ما يمكن أن يقدمه كل منهما في سبيل تعايش فكري سلمي، وعلى الشرق أن يحاول جاهدًا الاندماج مع نفسه أولاً، لأن هذه هي الخطوة الأولى في طريقه إلى أوروبا التي وصلها وما زال خارجها حتى الآن.

اترك تعليقاً

مهرجان الصيف في لايبزغ 2016: موسيقى وثقافة وطعام بنكهة التنوع والتعايش

أنا لستُ كافرة