الرئيسية » باب أرابيسك » يوم دمشقي..
اللوحة للفنان ياسر صافي

يوم دمشقي..

محمد داود*

مشيُ ظلالِ الياسمين يلفُّني

وأنا على درجٍ دمشقيٍ أنامُ

تسير قوافلُ الأطلالِ قربي

تحدّث غيمتي الزرقاءَ في كهف المعاني

لحظةٌ خرقاءُ يسكنني الغبارُ

ويجمعُ ماتبقى من دمشقَ بقهوتي

في الفجرِ..

تُخفي دمشقُ العاشقين بصدرها..

ترشُّ الحليبَ على هائمٍ

يُنقّبُ عن بقايا الندى في شارعٍ أمويْ

عسى أن ينام الزمان هنيهةً

ويعود نحو المشمشِ البلدي

في الصبحِ

تهبُّ المعاني من مخابئها

توزعُ الماءَ على المقاهي

تتقاسمُ بالبراءة نفسِها نساءَ الخليفة

حين يمنحن الهوى عُرياً خالصاً للحب

في الظهيرة

تصفعُ الشمسُ الشارعَ الحجري

تقلّمُ جراحَ الوقت فيه

وتدعو قاسيون لرمي المدينة بالنار قبيل الغروب

كي تغني حزنها

على هسيس الجمر في جماجم أهلها
الشام ليلاً ..

غرابٌ يطلُّ من الصفصاف حول الماء

يتقمص التغريدَ
ينهار بيتٌ على زواره النائمين..
صراخٌ وهتافٌ لتحيا الحياة
كتلٌ من إسمنتٍ ودماء

تتكاثر تعلو حتى تغلق وجه السماء
والصائمون في انتظار وجبة مابعد الموت المسائي
في انتظار انتصار الجوع

والعصافيرَ الفقيرةِ

والجنون

لينتهي فصلٌ من حكايةْ

ويخفُّ الهواءُ بساكنيه
عند انقضاء وقت المدافعَ والطائرات..
هنا دمشق

في المدنِ العتيقةِ

ينتشر الغبارُ على الجميع

وتُورقُ الأشجارُ طيناً هلامياً
في المدنِ الكبيرةِ

يضيعُ منفيون في عرباتهم

وتلتئمُ القلوبُ على أحزانها
في المدنِ الثريةِ

ينهش المنفى جدارَ حروفِ التائهين فيها بلا وجوهٍ

ويسكبهم جليداً على طرقاتها
مدنٌ بلادٌ من ورقٍ سديميٍ تحيا في منافيها وغربتها
سجونٌ على طول المدى بلا هواءَ ولا صدى

فهنا كانت دمشقُ

ستبقى المدن بلا ساكنيها

سنختفي نحن القادمين منها كأننا لم نكن
كأن عظامَ أسلافنا الصالحين لم تبكِ عشقاً على طرقاتها
سنذوبُ في تفاصيلَ غبارٍ

وبحورِ تراب
ونترك أيامنا قبوراً على ناصيتها
هناك صخورٌ

سترثُ الأرضَ من كل زائرٍ
هناك مروجٌ وغاباتٌ

سترقص مع الريحِ بدلاً عنا
هناك جذورٌ

ستعلو وتنهض قريباً منا
نحن العناوينُ المؤقتةُ لكل الشوارع

وكل المجازر
نحن القناديلُ المطفأةُ في رحلة الأرض
نحن الذاهبون أبداً في دروب الغياب

محمد داود. شاعر فلسطيني سوري

 

اقرأ أيضاً

شعر الخضر شودار: الحب في غرفة سلفادور دالي…

قراءات شعرية من المنفى

شمس تحولت إلى عصفور

قصائد جديدة تنال حريتها – أشرف فياض: الشاعر المنسي في أقبية الظلام

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لندع الموتى يرقدون بسلام

عمر قدور* ظهرت بعد الثورة محاولات لإعادة النظر في الثقافة السورية السابقة عليها، هي بمجملها محاولات قليلة، لم يخلُ بعضها من أسلوب صادم، وحالف بعضها الحظ فأخذت قسطاً من الجدال. كذلك كانت هناك محاولات متسرعة لتأريخ الثقافة السورية فيما بعد الثورة، ولم تغب المزاجية عنها ...