الرئيسية » باب أرابيسك » قصائد من فلسطين
اللوحة للفنان نذير نبعة

قصائد من فلسطين

نمر سعدي

السامريُّ أنا

السامري أنا وأصرخُ: لا مساسَ، فكلُّ من أحببتهم خانوا يديَّ، وسمَّروا قلبي على خشبِ الصليبِ، وأفردوني في الخريفِ بلا بنفسجةٍ، وأهدوا آخرَ الدمعِ المفخَّخِ بالرصاصِ، إلى أغاني البدوِ، هل سيكونُ وقتٌ كي أعودَ من اشتعالِ الماءِ بالعشبِ المغطَّى في الضحى بنحيبِ لوركا؟ أو لأسحبَ زهرةَ الصُبَّارِ وهيَ تكادُ تغرقُ بينَ أظفارِ الجفافِ؟
وكي أُداوي قلبَ شاعرتي المصابةِ بالكآبةِ والفصامِ الشاعريِّ، وكلِّ أعراضِ القوافي؟

آهِ هل سيكونُ وقتٌ كي أُردِّدَ في الخريفِ لنسوةٍ زوَّجنَ ناياتي لقهرِ الزمهريرِ: اغمضنها بأبي – إذا أوديتُ مغتربَ الهوى – أنتنَّ أجفاني، لأسمعَ سقسقاتِ الطائرِ الدوريٍّ من حولي، وأُبصرَ ما يشعُّ على يدَيْ أنثايَ من ذهبِ القصائدِ، أو سماواتِ القطيفةِ والحمامِ؟

السامري أنا وتلكَ نبوءتي الأولى، أقولُ لقُبلةٍ حجريَّةٍ في السورِ: كوني وردتي أو ماءَ صلصالي، ونارَ غوايتي البيضاءَ في وجعِ الرخامِ، السامريُّ أنا، وتلكَ أوابدي وطريقتي بتتبُّعِ الأشياءِ، أو برثائها الصوفيِّ والرعويِّ في ليلِ المنافي…
***

أرقُ أكتوبر

أكتوبرُ، الأرقُ النظيفُ، النايُ، رائحةُ الحنينِ، الظلُّ منشطراً إلى جسدينِ، ليمونُ التأمُّلِ، حسرةُ العشبِ المُغطَّى بانكسارِ الضوءِ، قوسُ ظهيرةٍ في الشرفةِ الزرقاءِ، صوتُ البرتقالِ، أوائلُ التكوينِ، آخرةُ القرنفلِ والسرابِ، المهدُ والماءُ المعذَّبُ، نزوةٌ عاديَّةٌ أكتوبرُ، النعناعُ والنمشُ الخفيفُ، أظافرُ الحنَّاءِ، مسقطُ دمعتي أكتوبرُ، الزيتونُ حينَ يصبُّ مثلَ أشعَّةٍ عطريَّةٍ في لمسةٍ امرأةٍ وفي العينينِ، معنى أن تصيرَ رؤايَ أوسعَ، والعبارةُ قُبلةً عمياءَ ضيِّقةً، وصلصالاً يعيدُ تشكَّلَ الأشياءِ في امرأةٍ وعاشقها…

***

لا زلتُ أخطئُ في التخاطبِ

لا زلتُ أُخطئُ في التخاطبِ بينَ مفردتينِ، بينَ قصيدةٍ بهشاشةِ الروحيِّ أو ولهِ الفراشاتِ العطاشِ بآخرِ المعنى، وبينَ صديقةٍ بصلابةِ الفولاذِ والحجَرِ الذي يمشي كمن في حلمهِ يطفو، أخطُّ قصيدةً بدمي وأُخطئُ، ثمَّ أنسى ما فعلتُ بجرَّةِ السهَرِ المؤرَّقِ أو بمرآةِ النداءِ النرجسيِّ إلى الوراءِ، تفتَّقتْ عن مقلتيَّ شقائقُ النسيانِ، قلتُ لعابراتِ القلبِ: هل يكفي لهاويةٍ من اللعناتِ خيطٌ واحدٌ ليجرَّها عني بعيداً؟ قلتُ للشجَرِ: انتظرني ريثما يغفو الرثاءُ الموسميُّ على الغصونِ، كأنهُ يبدو حقيقيَّاً أمامي حزنُ هذا الليلِ، لكن لن أُصدِّقَ غيرَ طلعِ الرملِ في ليلِ الذئابِ…
***

قمرٌ من الحنَّاء

كنْ يا نهارُ سفينةً لا تبرحُ المرسى، ويا ليلُ ابتعدْ لأراكَ وحدكَ في عباءاتِ النساءِ، وضوحُكَ الأبديُّ يُغريني لأنزلَ كالفتاةِ من الغموضِ الزئبقيِّ إلى الحديقة، قُلتُ للمنفيِّ: لا تحزنْ فقلبي قُلَّبٌ، وفتحتُ شبَّاكَ القصيدةِ كي تطيرَ أيائلُ المعنى بلا يأسٍ، فكنْ لي يا نهارُ محارةً من كيمياءِ الغيبِ، كنْ حجرَ الدموعِ على الضلوعِ، وشهقةَ الغجريَّةِ السمراءِ حينَ يصبُّ في خصلاتها قمرٌ من الحنَّاءِ، ينبتُ في دمي مطرٌ، ويا ظلُّ انكسرْ فوقَ المياهِ لكيْ أُلملمكَ، انكسرْ لتهبَّ مثلَ الأقحوانةِ، وانكسرْ حتى تُذرِّيكَ الرياحُ تهبُّ من أقصى اشتهائي…

***

مجاز

مجازاً تقولُ: إذا اكتظَّ رأسي بوردٍ شديدِ السوادِ سأُلقيهِ بينَ يديكَ..

مجازاً أقولُ: نسيتُ طعامَ النوارسِ في البيتِ، والماءَ في الغيمةِ الأنثويَّةِ، قمحَ السماءِ نسيتُ، وعصفورتي الذهبيَّةَ، كنتُ على عجَلٍ من حنيني، أُرمِّمُ تنهيدةً بشفاهي لأنجو بنفسيَ أو بقميصي الذي قُدَّ من قُبَلٍ والملطَّخِ بالتوتِ، كنتُ على أملٍ لم يجدْ بقعةً في القصائدِ واحدةً لمواراةِ يأسي، ومن دونِ قصدٍ تركتكِ نائمةً في القطارِ، كأنكِ سيِّدةٌ لستُ أعرفها وابتعدتُ.

***

عينان ساحرتان

عينانِ ساحرتانِ، زيتونيَّتانِ، حزينتانِ، عميقتانِ، تحدِّقانِ بكوكبٍ يهوي إلى عدَمٍ، كنرجستينِ فوقَ بحيرةٍ زرقاءَ مغمضتينِ، طافيتينِ في قلبي، مسمَّرتينِ فوقَ الماءِ والعسَلِ المملَّحِ، قلتُ: أنتِ ملأتِ جرحي بالندى والخلِّ، حينَ نضوتِ أزهارَ الثيابِ المخمليَّةِ عنكِ، هل أغويتني بالشوكِ أو نصفِ الدموعِ على عبيرِ البرتقالةِ عندما فسَّرتِ عاطفتي برائحةِ الغمامِ؟ وهل أخذتِ الطفلَ فيَّ لآخرِ الدنيا وأوَّلِ نزوةٍ بيضاءَ كالفرَحِ المجنَّحِ؟ يا ابنةَ العشبِ الشتائيِّ الظلامُ كأنهُ أعمى يقودُ دمي إلى معناهُ، أو شبحٌ يردِّدُ لي صدى ( عينانِ ساحرتانِ، زيتونيَّتانِ، حزينتانِ، عميقتانِ، تحدِّقانِ بكوكبٍ يهوي إلى عدَمٍ)..

***

نداءُ الملح

في ذلكَ الليلِ الشبيهِ بنشوةٍ مطويَّةٍ فوقَ السريرِ، وبالسواحلِ في بلادِ اللازوردِ، رأيتُ عاشقةً يمرِّرُ شاعرٌ يدَهُ على أوتارها، في حزنِ ريلكة كانَ، أو في شوقهِ الأبديِّ لامرأةٍ تخضِّبُ ظهرَها غيتارةٌ غجريَّةٌ، وينامُ فوقَ وسادها قمرانِ، كادتْ أن تهمَّ بهِ وكادَ يسلُّ منها الظبيةَ، الأفعى، الحمامةَ، والفراشةَ، والسحابةَ، لوعةَ النايِ، احتراقَ الماءِ في جسدِ الكمانِ، القطَّةَ الأحلى، ويطلقُ قلبَهُ في شكلِ قنديلِ البحارِ يطيرُ في أبدٍ، ليتبعَ عطرَها في ذلكَ الليلِ الغريبِ أو الشبيهِ بنشوةٍ مطويَّةٍ فوقَ السريرِ، كقبلةٍ منسيَّةٍ، كقصائدِ اللاندايِ، هل من خصلةٍ ورديَّةٍ، أم من نداءِ الملحِ في دمنا سينبلجُ النهار؟

***

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

بيوغرافي فنان العدد: حازم الحموي من الجنون لوناً إلى حوارٍ عميقٍ مع اللوحة

تحتضن برلين هذه الأيام معرض الفنان السوري حازم الحموي “نحو اللون- Nach Färben”، ويضم أعمالاً بالأبيض والأسود بدأها منذ 2011، وأعمال جديدة من بينها مجموعة (الفقدان). حيث ثمة أجزاء “ناقصة” من العمل، يقول عنها الفنان حازم الحموي “هذا الفراغ هو جزء من العمل. إنه الفقدان ...