الرئيسية » باب أرابيسك » شخصية العدد 34: آرثر رامبو – الانعتاق والنهايات القصوى

شخصية العدد 34: آرثر رامبو – الانعتاق والنهايات القصوى

رغم أنه اعتزل الأدب قبل أن يتمّ الحادية والعشرين من عمره، إلا أن الشاعر الفرنسي “آرثر رامبو”، وبالفرنسية Arthur Rimbaud، الذي اعتبر مبشراً بالرمزية والسريالية، مازال حتى اليوم من أكثر الشعراء تأثيراً على الأجيال الشعرية الحديثة. حتى أن “فيكتور هيجو” وصفه وقتذاك بـ”طفل شكسبير”، وقال عنه “هنـري ميلـر” لاحقاً ما يلخّصه: “كان رامبـو ذئبـاً مستوحـداً”.

ذلك الفتى العنيد، بالغ الذكاء والموهبة، ترك بيت أهله بمنطقة شارلفيل الريفية وهو في الخامسة عشر، بعد أن هجر والده العسكري البيت تاركاً الأم مع أربعة أطفال، وربما هرب “رامبو” وقتها من أغلال التربية الكاثوليكية الصارمة ليعيش حياة مكثّفة من التشرّد! فبعد أن تلقى دعوة من الشاعر الفرنسي “بول فيرلين”، لكي يمضي الوقت بصحبته في العاصمة باريس لتعلم قواعد الكتابة الشعرية، قضى سنوات قصيرة في الكتابة ثم هجرها بدون رجعة، كما هجر عيشه مع “فيرلين” إثر خلاف حاد بينهما.

سنوات قصيرة أنتج فيها ما غيّر وجه الشعر الأوروبي، ثم راح ليعيش مغامراته بعيداً عن فرنسا والكتابة، فسافر إلى أميركا وألمانيا وجزر الهند الشرقية، ثم إلى مصر لينتهي به الأمر تاجر سلاح وعبيد في أثيوبيا/الحبشة. وتوفي “آرثر رامبو” أخيراً في مرسيليا العام 1891 وهو لم يبلغ السابعة والثلاثين بعد إصابته بمرض عضال.

العمل الوحيد الذي نشره “رامبو” بنفسه كان كتابه “فصل من الجحيم” العام 1873، وهو أشبه بسيرة ذاتية نفسية، وفي العام 1886 نُشر كتابه “إشراقات” الذي يتألف من قصائد شعرية ونثرية كانت إحدى أساسات قصيدة النثر.

اتبع “رامبو” مبدأً جمالياً يرى الشاعر رائياً، ويتخلّص من القيود والضوابط الشخصية، وبالتالي يصبح الشاعر الحر أداة لصوت الأبدية .كما أنه أبدع أسلوباً يعكس الإحساس المباشر للحلم السوداوي، والرؤى والتهيوءات، لقد كوّن عالماً هائلاً من الخيال، بتعابير مقتضبة وأسلوب شعري معقّد، لم يكن دارجاً وقتها، وكلمات حرة خارجة عن المألوف والأخلاق السائدة. فأتت قصائده الفوضوية بألفاظها الصادمة بمثابة نبوءة لشكل جديد حرّ من الشعر، بل يمكننا أن نقول كانت خطًا فاصلاً في تاريخ الشعر ساهمت بنقل الشعر الفرنسي إلى العالمية!

في ذكرى رحيل “آرثر رامبو” قال “رينيـه شـار” شيئاً يعبّر بصدق عنه: “حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو! فسنواتك تستعصي على الصداقة، على سوء النية، على حماقـة شعراء باريـس، وكذلك على طنين النحل العقيم لعائلتك شبه المجنونة. حسنـاً فعلت، إذ بعثرتهـم جميعاً في رياح الشواطئ البعيـدة، إذ رميتهـم تحت سكيـن مقصلتهـم المبكـرة”.

 

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الكتابة بمخيلة الرسام: حوار مع الشاعر السوري محمد سليمان زادة

حاوره ابراهيم حسو أتمّ الشاعر “محمد زادة” 1970 في مجموعته الأخيرة (تفاصيل الملل) عصارة ألمه وغربته وحنينه، محاولاً لملمة ما تبقى من أنقاض الروح عبر مجموعاته الثلاث (أمراء الوهلة الاولى)، (تماثيل الظل) و(التدوين الخامس للعمر)، وبهذا أنهى محاولاته الأخيرة في اختراق قصيدة النثر من بوابتها ...